يدور الحديث في السنوات الأخيرة عن أنَّ الإدمان لدى البشر لم يعد متعلقًا فقط بالأدوية والمخدرات، بل توسَّع ليشمل أشياءً أخرى مثل الطعام والجنس، وحتى مواقع الإنترنت والشبكات الاجتماعية.

وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا عن توسُّع دائرة الإدمان في السنوات الأخيرة، والدوافع وراء ذلك، وما الذي يمكن للبشر فعله لمواجهة الأمر.

نظرة مختلفة للإدمان

تبدأ الصحيفة باستعراض الطريقة التي كنا ننظر بها إلى الإدمان قديمًا وحديثًا. ففي البدء، كان الإدمان مرضًا مرتبطًا بالمواد التي لها أعراض انسحاب قاتلة، مثل الكحول والأفيون، لكن الآن، اتسعت دائرة الأمور التي يمكن إدمانها حتى شملت التناول المفرط للسكر، والتسوق، وإدمان مواقع التواصل الاجتماعي. وتشير الصحيفة إلى أنَّ هذا العام سيشهد افتتاح أول عيادة طبية متخصصة في علاج إدمان الإنترنت في بريطانيا، وأنَّ منظمة الصحة العالمية أدرجت إدمان الألعاب الإلكترونية ضمن قائمة أمراض الإدمان.

من وجهة نظر «الجارديان»، ظهر هذا التحول في مفهوم الإدمان للمرة الأولى عام 1992. إذ أفادت بعض الصحف آنذاك أنَّ الممثل الشهير مايكل دوجلاس يخضع لإعادة التأهيل بسبب إدمانه الجنس، ورغم أنَّ دوجلاس ما زال حتى هذه اللحظة ينكر تعرضه لهذه المشكلة، لكنَّ الطريقة التي نرى بها الإدمان بدأت تتغير منذ ذلك الوقت.

«الجارديان»: لماذا شخصت «الصحة العالمية» ألعاب الفيديو إدمانًا مساويًا للمخدرات؟

كان توسيع مفهوم الإدمان ليشمل حالاتٍ أكثر يُنظر له آنذاك في الدوائر الطبية على أنَّه كسلٌ في تشخيص الحالة نفسها، لكنَّ علوم الأعصاب تعترف الآن أنَّ مادة الدوبامين هي المادة الكيميائية نفسها المتحكمة في قيادة هذه الرغبات التي لا يمكن كبتها، والتي يُسبب الانصياع لها الإدمان.

وتضيف الصحيفة أنَّ عالمنا في القرن الواحد والعشرين مثقل بالمحفزات التي تتلف نظام الدوبامين في عقولنا وتجعله مفرط الحساسية، بدءًا من حيل التسويق الخفية لدفعنا شراء الوجبات السريعة، وحتى الاستدراج المزعج للعيش عبر الإنترنت ومن خلاله.

وتستشهد الصحيفة بحوارٍ أجرته مع مايكل لينسكي، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإدمان، قال فيه: «دائرة الأمور التي يمكن أن يدمنها الناس اتسعت. بالنسبة لجيل آبائي، كانت الخيارات الوحيدة المتاحة هي الكحول والتدخين. أما الآن فهناك العديد من المخدرات، بما فيها المخدرات الصناعية، بالإضافة إلى الطرق والوسائل التجارية لتشجيع الاستخدام المطول للعديد من الأشياء».

وتُرى العديد من هذه الحالات الجديدة على أنَّها حالات إدمان سلوكية لا جسدية، لكن عواقبها يمكن أن تكون خطيرة. تستخدم الصحيفة القمار مثالًا على هذه الحالات، إذ توضح أنَّه أطول إدمان سلوكي مثبت، وقد اعتُرف به طبيًّا منذ عام 2013. وترتفع معدلات الانتحار وتعاطي المواد الإدمانية بين مدمني القمار.

وتقول هنريتا بودين- جونز، استشارية الطب النفسي المسؤولة عن إنشاء أول عيادة لعلاج إدمان الإنترنت في بريطانيا: «أرى طلاب جامعة مقامرون يتركون الجامعة لأنَّهم يعجزون عن التوقف. وأرى مدمني تسوق غارقين في الديون لأنَّهم لم يستطيعوا منع أنفسهم من شراء ثلاثة فساتين بأحجام مختلفة، في النهاية تعاني عائلاتهم ومشاريعهم من هذا».

يصعب تجاهل حقيقة أنَّ هذه الأشياء التي من الممكن أن ندمنها كلها متوفرة ومتاحة الآن بضغطة زر. فوفقًا للصحيفة، اكتشف الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «أداكشن» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أنَّ الآباء قلقين من إدمان أبنائهم المراهقين وسائل التواصل الاجتماعي أكثر بمرتين من قلقهم من المخدرات، وتنطبق النسبة نفسها على الفرق بين إدمان الألعاب الإلكترونية والمخدرات. وأعلن الاتحاد الأوروبي في الشهر نفسه تمويل مؤسسة «إنترنت ريسيرش نيتوورك» للتحقيق في آثار الاستخدام الخاطئ للإنترنت على الصحة العامة.

تشير الصحيفة إلى وجود اختلاف حول تصنيف هذه الأمراض الجديدة إدمانًا، لأنَّك في النهاية لن تتناول جرعة زائدة منها. ووضع القمار والألعاب الإلكترونية من بين هذه الأمراض الجديدة كلها في قائمة الإدمان في مؤسسة الصحة العالمية يشير إلى تحولٍ واضح في فهم الإدمان.

وتضرب «الجارديان» مثالًا على هذا الاختلاف في تصنيف إدمان الجنس. فمن ناحية يتعرض الساعون لعلاج حالةٍ مثيرة للجدل كهذه للنقد، مثلما حدث في حالة لاعب الجولف تايجر وودز. ومن ناحية أخرى، يشهد علماء الأعصاب الذين سنحت لهم فرصة دراسة أدمغة عقول مدمني الجنس ردة فعل دماغية مماثلة لتلك التي لاحظوها في حالات الإدمان العادية.

وتستشهد الصحيفة بتصريح لينسكي لها بشأن ذلك الأمر، إذ أضاف أنَّ المعايير القياسية لتشخيص الإدمان، ومنها إهمال المسئوليات، والعجز عن التوقف، وحالة الانسحاب، تنطبق على هذه الأمراض. ورغم أنَّ الانسحاب هو نقطة الخلاف الواضحة بين المنقسمين، فإنَّ أعراض الانسحاب مثل التعرق، والرعشة، والتغير في حرارة الجسد، والقلق شوهدت على فئران التجارب في العلاج من إدمان السكر.

مترجم: ليس في قابلية إدمانها فقط.. هكذا تتشابه الوجبات السريعة مع المخدرات

السر في الدوبامين

بحسب الصحيفة، حدَّد أستاذ علم النفس والأعصاب تيري روبينسون وزميله كينت بريدج الدوبامين بصفته المسؤول الكيميائي العصبي عن التوق الشديد لشيءٍ ما. ويعتقد روبينسون أيضًا أنَّ الجدل المستمر حول دلالات الإدمان غير مجدية، إذ يؤكد وجود اختلالٍ في السيطرة على الانفعالات وعجز عن التوقف، سواء في حالة المخدرات، أو الجنس، أو القمار، أو أي شيء، ما يعني وجود تشابهاتٍ في الآليات المسببة لتلك الأمور من الناحية النفسية أو العصبية.

يُفرق روبينسون وبريدج بين الرغبة والحب، إذ اكتشفا أنَّك لست مضطرًا لحب شيءٍ ما حتى ترغب فيه، وهذا اكتشاف رئيسي في فهم الإدمان. فما يحدث في عقول المدمنين هو رغبةٌ لا تُقاوم، حتى لو لم يعد المدمن يحب هذا الشيء الذي يرغب فيه. وأضاف بريدج للصحيفة أنَّ أنظمة الرغبة في العقل يمكن تفعيلها بالسعادة أو بدونها. ويرى أنَّ هذا ربما يفسر لمَ يرغب البشر في أشياء جديدة سعيًا خلف الإشباع الفوري، حتى إذا كانت هذه الأشياء لا تسعدهم.

يتابع روبينسون شرح نظريته ويقول إنَّ ما يحدث في حالات الإدمان هذه هو أنَّ نظام الدوبامين يصبح مفرط الحساسية، مما يقود إلى حالات التحفيز المرضية. وأوضح ثلاثة عوامل يمكن أن تساعد في تفسير وجود دائرة أوسع من الأمور التي يمكن إدمانها.

العامل الأول حسبما ذكرت الصحيفة هو أنَّ بيئتنا المتطورة مليئة بالمحفزات. إذ لا يقدر الناس قوة المنبهات المرتبطة بالمكافأة في توليد حالات تحفيزية. والحقيقة في رأيه هي أنَّ المدمنين وقعوا في حب المنبهات التحفيزية أكثر من الهدف النهائي.

يتفق لينسكي مع طرحه، إذ أضاف أنَّ بعض الدعايا والتصميمات الخاصة بماكينات المقامرة تتفوق على الأكاديميين في ابتكار طرقٍ لجذب المستخدمين وتعزيز الدوبامين في عقولهم، ومن ثم الحفاظ على وجودهم وتفاعلهم لفترات.

وزر الإعجاب الذي يقيس مقدار الاستحسان، ويشعل الرغبة في تفقد حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي هو نموذج مشابه. إذ كتبت آن لونجفيلد، مفوضة شؤون الأطفال في إنجلترا، في بداية عام 2018 أنَّ بعض الأطفال أصبحوا تقريبًا يدمنون الإعجابات كونها نوعًا من أنواع القبول الاجتماعي.

مترجم: هل أنت مدمن على مشاهدة الأفلام الإباحية؟ 5 أسئلة تجيبك

العامل الثاني في رأي روبينسون هو الجرعة. فحبنا للطعم الحلو كان مناسبًا لنا في بداية رحلتنا التطورية، حين كنا صيادين وجامعين للطعام، لأنَّه ساعدنا في اختيار مصادر الطاقة الناضجة، أما الآن، لدينا مشروب ذرة غني بالفركتوز يملأنا بمستويات غير طبيعية من الجلوكوز. والأمر نفسه بالنسبة للمخدرات.

والعامل الثالث والأخير هو إمكانية الوصول، فالطعام والجنس والقمار متاحون هذه الأيام أكثر مما كانوا في الماضي. وتنبه الصحيفة إلى أنَّ إدمان الجنس يمكن أن يشمل مشاهدة المواد الإباحية، وتبادل الرسائل الجنسية، وإدمان الاستمناء. تندمج هذه العوامل كلها لتزيد احتمالية الاستخدام الإدماني لمجموعةٍ متنوعة من الأشياء.

وتتساءل الصحيفة إذا كان عددٌ أكبر من الناس في أيامنا هذه في خطر بسبب زيادة إفراز الدوبامين، ويجيب روبينسون بأنَّ عوامل الخطر الرئيسية، مثل الحرمان والصدمات في الطفولة، تشكل عوامل تنبؤ مهمة بشأن مدى سهولة اختراق نظام الدوبامين الخاص بك. لكنَّ محيطنا في الوقت الحالي ممتلئ بهذه المحفزات بأشكال متعددة ومتوافرة أكثر من ذي قبل.

السياق ربما هو ما يحكم علينا بذلك

نظرية روبينسون ليست الوحيدة. فوفقًا للصحيفة، هناك نظرية أخرى عن السلوكيات المسببة للإدمان، نابعة من سلسلة تجارب أُجريت في كندا أواخر السبعينات تحت اسم رات بارك.

اكتشف عالم النفس بروس ألكساندر أنَّ فئران التجارب المحتجزة في أقفاص فارغة ومخيرة بين شرب المياه النظيفة والمياه الممزوجة بالمخدر أدمنوا الهيروين بسهولة. أما الفئران التي وُضعت في بيئة متنوعة مع فئران أخرى ذكور وإناث وعددٍ من الألعاب، لم يكن الهيروين فيها خيارًا مفضلًا. واستنتج أنَّ السياق هو ربما ما يقود للإدمان، لا المخدرات نفسها.

يفسر ألكساندر نظريته ويقول: «يمزق العالم الحديث كل أنواع المجتمعات والعادات والأديان، والأمور التي جعلت الحياة في الماضي متكاملة مزدحمة بالناس». ويتابع أنَّنا نعجز ببساطة عن استعادة ما سلبه منا التحديث، والحل في رأيه هو أن نعيد بناء المجتمع، ونتأكد أنَّ هناك تواصلًا كافيًا بين الناس بعضها بعضًا بطرق تقليدية، حتى يكبر الناس وهم يشعرون بالرضا ولا يحاولون البحث عن بدائل للحياة في الإدمان.

ووفقًا لما قاله، هناك منظماتٌ مثل «أداكشن» في بريطانيا تسعى لإيجاد طرقٍ لجمع المدمنين معًا في مجموعات، وزرع هذه المجموعات في مجتمعات، ثم تشجيع هذه المجتمعات على دعم هذه المجموعات، ليس للتخلي عن إدمانهم، لكن بهدف الحصول على حياةٍ لها معنى.

بالنسبة لستيفي موفات، مدير السياسات في المنظمة، ما زالت المنظمة تحاول فهم المشكلات الحديثة المتعلقة بالإدمان، وأضاف للصحيفة أن وسائل التواصل الاجتماعي والنشاطات التي تجري على الإنترنت تمثل مشكلة كبيرة، لكنَّهم ما زالوا يجهلون مداها إلى الآن. ورغم زيادة رقعة الإدمان، يقول لينسكي إنَّ أعداد المدمنين أصبحت أقل مما كانت عليه منذ 30 عامًا مضى، لأنَّ مستوى الاعتماد على النيكوتين، وهو الإدمان الأكثر فتكًا، قل من نسبة 50% إلى أقل من 20% في بريطانيا.

ما الحل إذن؟

بحسب الصحيفة، ترى هنريتا أنَّ أفضل طريقة لعلاج الإدمان السلوكي هي استخدام العلاج السلوكي الإدراكي للمساعدة في تجنب عوامل الجذب، مثل أن يتخذ مدمن الكتب طريقًا آخر للمنزل غير الطريق الذي يمر فيه على متجره المفضل، بالإضافة إلى مكافأة السلوك الجيد، والتذكير المستمر بما يخسره الناس لو تتبعوا رغباتهم.

«شعرت أنني مدمن».. هل تحقّق مضادات الاكتئاب الغرض منها أم تسبب الإدمان؟

يمكن أن تكون المساعدة أيضًا في شكل أدوات للتحكم في التحفيز. وتفسر هنريتا قائلةً إنَّ هناك عوائق يمكن وضعها لمنعك من مشاهدة الأفلام الإباحية، أو المقامرة، أو أي شيء لديك مشكلة إدمان سلوكي معه، بالإضافة إلى محاولة السيطرة على الوقت الذي تمضيه في أي شيءٍ، مثل ألعاب الفيديو، بتخصيص وقت محدد لها لا تتجاوزه بعد ذلك. وتحمل هنريتا هذه المسئولية لصناع الألعاب، إذ يمكنهم إضافة وسيلة تحكم في الوقت لمنتجاتهم.

ويساعد التأمل في تقليل تعاطي المخدرات، إذ توضح الصحيفة أنَّه أكثر فعالية من برنامج المدمنين المجهولين لعلاج الإدمان، وهو ما أثبتته عام 2014 دراسة في العلاج السلوكي المعرفي قادتها سارة بودين، الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي في جامعة باسيفيك في بورتلاند. وتستشهد الصحيفة بأنَّ البوذيين استخدموا التأمل منذ آلاف السنين قبل غزو الدوبامين الذي نعيشه، لتخطي الرغبات التي صنفوها على أنَّها محور المعاناة البشرية.

مترجم: مع انتشار القلق الرقمي.. كيف يمكنك التخلص من الإدمان على الإنترنت؟

وتشير الصحيفة إلى أنَّ الوفرة والاحتياج هما التحدي. إذ لم يعد من الممكن أن نقول للمدمنين المتعافين أن ينقطعوا عن الإنترنت مثلًا لأهميته بالنسبة لهم، فحينها سيصبحون منعزلين اجتماعيًّا كما أوضحت هنريتا، ويقول المرضى إنَّ شعورهم بالفقد يدفعهم للحياة الافتراضية التي هي مشكلتهم الأساسية، بدلًا من دفعهم للانخراط في الحياة اليومية، لأنَّ هذا هو ما يشعرهم بالقبول ويمنحهم الهوية.

يخطط الكثير منا لتقليل الوقت الذي نقضيه في عاداتنا على الإنترنت، لكنَّنا ننتهي إلى كوننا عبيدًا لهواتفنا، نمضي ساعاتٍ طويلة لا يمكن استرجاعها بحثًا عن الإعجابات. لكنَّ الصحيفة تشير إلى فارقٍ حددته هنريتا بين الاستخدام الوظيفي الضروري للإنترنت والاستهلاك غير المبرر، وأعطت مثالًا على ذلك بتناول الكعك، موضحةً أنَّنا في البداية نأكله بهدف الحصول على المتعة، لكنَّنا إذا واصلنا الأكل، كما هو الحال مع الإنترنت والإعجابات، لا نحصل على المتعة، بدل نحافظ فقط على تدفق الدوبامين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد