مضادات الاكتئاب سرد بيوكيميائي يعتمد على الاستخدام المتحيز والانتقائي لنتائج أبحاث شركات الأدوية. ما هي حقيقة علاجات الاكتئاب؟

نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية، تقريرًا يضم مقتطفات من كتاب الصحفي والمؤلف البريطاني «جوهان هاري»، والذي يحكي فيه قصة صراعه مع الاكتئاب، بداية من تناوله العقاقير المضادة للمرض، وحتى توصله لحقيقة أسباب الاكتئاب؛ بعد أن جاب مشارق الأرض ومغاربها.

اقرأ أيضًا: مترجم: 9 أسرار عن الاكتئاب

ويطالب «جوهان» الذي تعاطى مضادات الاكتئاب، تحت إشراف الأطباء لمدة 13 عامًا، باتباع نهج جديد في التعامل مع هذا المرض.  إذ يرى أن الاكتئاب ليس حالة مستقلة من العطب البيوكيميائي التي تصيب الدماغ، ويمكن علاجها بتناول بعض العقاقير المحفزة لإفراز هرمونات ومواد كيميائية. فهل من مجيب؟

محاولات تشخيص بيولوجي وإيجاد علاج

اعتقدوا حينها أن الاكتئاب لم يصب الإنسان بسبب ظروف حياته ولكن بسبب خلل في الدماغ.

يقول «جوهان» إنه اكتشف عن طريق الصدفة إحدى حقائق الاكتئاب، التي تم تجاهلها تمامًا وتنحيتها جانبًا لأن تبعاتها لم تكن ملائمة وصادمة. فلقد أنتج الأطباء النفسيون الأمريكيون كتابًا من شأنه عرض كل أعراض الأمراض العقلية والنفسية بالتفصيل حتى يمكن التعرف عليها وتحديدها، ومن ثم علاجها بطريقة واحدة في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.

سمي الكتاب «دليلًا تشخيصيًا وإحصائيًا» (Diagnostic and Statistical Manual)، وعرضوا في النسخة الأخيرة منه تسعة أعراض بالتفصيل يجب أن يظهرها الشخص المصاب كي يتم تشخيصه بالاكتئاب، على سبيل المثال؛ ظهور تدنٍّ في اهتمام الشخص بالاستماع، أو إصابته بحالة من الفتور المزاجي دائمًا، ولكي يشخص الطبيب النفسي شخصًا ما بالاكتئاب، يجب أن يُظهر المريض خمس علامات على الأقل باستمرار طوال عدة أسابيع.

أُرسِل هذا الدليل إلى الأطباء في جميع أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية، وبدؤوا استخدامه في تشخيص حالات المرضى، بيد أنه بعد فترة قصيرة بدؤوا يشيرون إلى بعض النقاط التي أقرَّها الكتاب، ففي حالة اتباعهم الدليل، كانوا مضطرين إلى تشخيص كل شخص مهموم بالاكتئاب، وبالتالي بدؤوا في وصف مضادات الاكتئاب له، فعلى سبيل المثال؛ إذا توفي أحد أحباء الشخص، على الأرجح سيصاب بنفس الأعراض المذكورة في الدليل تلقائيًا، ومن ثم بدأ الأطباء يتساءلون: «هل من المفترض أن نكتب وصفات طبية لكل المنكوبين في أمريكا؟».

يقول «جوهان» إن مثل تلك التساؤلات دفعت مؤلفي هذا الدليل التشخيصي لإجراء تغييرٍ جديد، فقرروا إضافة شرط خاص إلى قائمة أعراض الاكتئاب، وقرروا أن يستثني من ذلك الحالات التي فقد الشخص فيها أحد أحبته في العام السابق. وبالتالي تعد كل تلك الأعراض طبيعية تمامًا وليست اضطرابًا نفسيًا أو عقليًا، وسميت بـ«استثناء ألم الخسارة» أو «استثناء الحزن» (the grief exception)، وبدا حينها أن المشكلة قد حلت.

اقرأ أيضًا: مترجم: ماذا تعرف عن الاكتئاب الخفي؟ إليك 15 عادة يقوم بها المصابون به

ثم بدأت تظهر تساؤلات جديدة لدى الأطباء، مع مرور العقود والسنين؛ وتشجع الأطباء حول العالم، وأخبروا مرضاهم أن الاكتئاب في الحقيقة هو نتيجة اختلال كيميائي عفوي في الدماغ، نتيجة لإفراز السيروتونين بجرعات منخفضة أو نتيجة نقص طبيعي في بعض المواد الكيميائية في الدماغ، فالاكتئاب لا يصيب الإنسان بسبب ظروف حياته ولكن بسبب خلل في الدماغ.

ومن ثم حاول بعض الأطباء طرح أسئلة حول كيفية مواءمة تلك النتيجة مع «استثناء الحزن» على شخص ما، إذ تتفق تلك الأخيرة مع كون أعراض الاكتئاب منطقية، واستجابتها مفهومة في إطار مجموعة من الظروف الحياتية، المتمثلة في فقدان أحد الأحبة، فكان التساؤل الجديد: «هل من الممكن ألا تكون استجابته مُتفَهمة في ظروف أخرى؟ فماذا لو فقد الشخص وظيفته؟ ماذا لو علق في وظيفة يكرهها الأعوام الأربعين القادمة؟ وماذا لو كان الشخص وحيدًا وبلا أصدقاء؟».

اختلال السرد البيوكيميائي

تمول شركات الأدوية أعدادًا هائلة من الدراسات، ثم تُظهر فقط الدراسات التي أظهرت نجاحًا.

يعتقد الكاتب إن «استثناء الحزن» أحدث ثقبًا في الادعاءات السابقة بأن أسباب الاكتئاب تكمن في الدماغ وكيمياء الدماغ، إذ أشار إلى أن هناك أسبابًا في العالم الخارجي يجب التحقق منها والتحقيق فيها، وحلها. لكن الطب النفسي العام لم يُرِد التمادي في تلك المناقشة، لذا قدم الأطباء النفسيون ردًا بسيطًا من خلال تنحية «استثناء الحزن» جانبًا.

ومع كل إصدار أحدث للدليل، قلصوا تدريجيًا مدة الحزن التي كان مسموحًا خلالها تشخيص المريض بأنه مريض نفسي عقلي، إلى شهور قليلة، ثم تلاشيها تمامًا في نهاية المطاف. فعلى سبيل المثال، الآن، إذا توفي طفل شخص ما في العاشرة صباحًا، يمكن أن يشخص الطبيب حالة الأب بالاكتئاب عقب وفاة صغيره بدقيقة واحدة، ويمكنه كتابة وصفة طبية على الفور.

يسرد الكاتب قصة الدكتورة «جوان كاشياتور» الأستاذ المساعد في كلية الخدمات الاجتماعية بجامعة ولاية أريزونا، والتي أصبحت خبيرة رائدة في «استثناء الحزن» بعد وفاة طفلها «شايان» أثناء الولادة. إذ قالت إنها رأت العديد من الناس الذين أصابهم الحزن بسبب فقدان أحد أحبتهم، قد تم تشخيصهم بالمرض العقلي والنفسي بسبب إظهارهم علامات الضيق والألم، وأخبرت الكاتب أن مثل تلك الحالات تظهر مشكلة رئيسية في طريقة حديثنا حول الاكتئاب، والقلق المرضي وغيرها من الأشكال الأخرى للمعاناة، وأضافت أننا لا نأخذ في الاعتبار  هذا «السياق»، ونتصرف كما لو أن الضيق والضغط الذي يمر به الإنسان يمكن تقييمه منفردًا، بمعزل عن حياة الأشخاص، ومن ثم توصيفه على أنه مرض عقلي.

ويوضح «جوهان» أننا إن أخذنا حياة الناس على محمل الجد وفي الحسبان، أثناء محاولة معالجة الاكتئاب والقلق، فإن ذلك يتطلب «إصلاحًا شاملًا للنظام»، ويضيف أن «جوان» أخبرته أنه عندما «يمر الشخص بحالة ضيق شديدة، فنحن بحاجة إلى وقف معالجة الأعراض، فالأعراض ما هي إلا رسول ودلالة على مشكلة أكثر عمقًا.. دعونا نصل للمشكلة الأعمق أولًا».

صارت الجرعة 30 ملليجرامًا بدلًا من 20، وبدأت الجرعات التي أتناولها في زيادة تدريجية وصولًا حتى 80 ملليجرامًا… ولا يزال الألم في تصاعد مجددًا.

في جزء آخر من الكتاب؛ يروي الكاتب تجربته مع الاكتئاب، فيقول إنه تناول أول مضاد للاكتئاب في سن المراهقة، إذ كانت البداية حبوب دواء بيضاء، صغيرة جدًا، ابتلعها كما لو أنها قبلة كيميائية للحياة. ففي ذلك الصباح ذهب لعيادة الطبيب وأخبره في ارتباك وخجل أن الألم كان يتسرب منه ليصبح ظاهرًا للخارج، ولم يعد بإمكانه السيطرة عليه، مثله مثل الرائحة الكريهة.

ويقول: «لازمني هذا الشعور سنوات طويلة»، فأخبره الطبيب أن: «هناك مادة كيميائية تدعى سيروتونين، وهي معنية بإمداد الإنسان بالشعور الجيد، وهناك بعض الناس لديهم قصور طبيعي في إفراز تلك المادة في أدمغتهم، ومن الواضح أنك واحد منهم، ولحسن الحظ لدينا الآن عقاقير جيدة من شأنها إعادة مستوى السيروتونين إلى معدلاته العادية كما في الأشخاص الطبيعيين، يمكنك تناول تلك الأدوية، وستصبح بحال جيدة»، يقول إنه بعد معرفة قصة السيروتونين، فهم على الأقل ما كان يحدث له ولماذا.

هل تفكر في شراء كلب.. ماذا تعرف عن العلاج النفسي باستخدام الحيوانات؟

بيد أنه – على حد قوله – بعد الاستقرار على هذا الدواء عدة أشهر، حدث أمر غريب؛ إذ بدأ الألم يتصاعد مجددًا، ولم يمض وقت طويل حتى بدأ يشعر بنفس الشعور السيئ الذي لازمه من قبل، يقول: «ذهبت مجددًا إلى الطبيب، وأخبرته أنني بلا شك كنت أتناول جرعة منخفضة جدًا، ومن ثم صارت الجرعة 30 ملليجرامًا بدلًا من 20، وصارت الحبوب لونها أزرق بدلًا من الأبيض، وشعرت بتحسن شهورًا طويلة، حتى بدأ الألم يظهر مجددًا، وبدأت الجرعات التي أتناولها في زيادة وصولًا حتى 80 ملليجرامًا، وانتظمت عليها لمدة سنوات، ما عدا بعض الانقطاعات القصيرة، ولا يزال الألم في تصاعد مستمر».

رحلة البحث عن حقيقة الاكتئاب

كنت أخشى أن أُقوض القصة بشأن الاكتئاب والقلق المَرضي.

هذا الأمر هو ما دفعه لبدء البحث والتحضير لكتاب بعنوان «Lost Connections: Uncovering The Real Causes of Depression – and the Unexpected Solutions»، يدور بالأساس حول الرابط المفقود بين الأسباب الحقيقية للاكتئاب والحلول غير المتوقعة.

ويقول جوهان إن دافعه في ذلك كان حيرته وتخبطه بين لغزين: «لماذا ما زلت مكتئبًا، بالرغم من أني فعلت كل ما طُلب مني؟»، فقد قالوا له إن نسبة السيروتونين في دماغه بها نقص، وبدأ يتناول الدواء لرفع معدلاته إلى المعدل العادي، لكنه لا يزال يعاني من شعور سيئ للغاية، فضلًا عن لغز آخر: «لماذا لا يزال الكثيرون في العالم الغربي يشعرون بنفس شعوري؟» فبحسب قوله، تضاعفت وصفات مضادات الاكتئاب خلال العقد الماضي في بريطانيا، لدرجة أن واحدًا من بين كل 11 شخصًا يتناول مضادات الاكتئاب كي يتمكن من التعامل مع تلك المشاعر السيئة.

وفي محاولته لإيجاد أجوبة وحلول لهذين اللغزين، انتهى به الحال إلى الانطلاق في رحلة عبر العالم على مسافة 40 ألف ميل، ذهابًا وإيابًا، تحدثَ خلالها مع رواد العلوم الاجتماعية، وإلى الأشخاص الذين حاولوا التغلب على الاكتئاب بطرق غير تقليدية وغير متوقعة، كتلك التي في قرى الآميش في ولاية إنديانا، وصولًا إلى مدينة برازيلية حظرت الإعلانات الترويجية للأدوية المضادة للاكتئاب، مرورًا بأحد المعامل في بالتيمور، والذي أجرى موجة من التجارب المبهرة.

يقول «جوهان» إنه عرف من كل هؤلاء الدليل العلمي الأفضل لما يسبب الاكتئاب والقلق، «فهم علموني أن الأمر في حقيقته مختلف تمامًا عما قيل لنا حتى الآن». إذ اكتشف أن هناك سبع دلائل معينة في طريقة عيشنا اليوم، تصيبنا بالاكتئاب والقلق، جنبًا إلى جنب عاملين بيولوجيين حقيقيين – كالجينات على سبيل المثال -، والتي تجعل الاكتئاب أسوأ إذا ما اجتمعت مع أي من العوامل السبعة الحياتية.

«الجارديان»: «جوجل» يمكنها أن تعرف إن كنت مكتئبًا.. لكن هل تساعدك فعلًا؟

ويضيف أنه بمجرد أن فهم ذلك، أدرك أن مجموعات الحلول المختلفة التي من شأنها معالجة اكتئابه – واكتئاب الآخرين – لطالما كانت في انتظاره على مدار السنين.

تحقق من صحة السرد القديم

الانقطاع العميق – عن إشباع حاجاتنا النفسية – يحرك وباء الاكتئاب والقلق المرضي من حولنا.

إلا أن فهمه لتلك الطرق المختلفة في التفكير بشأن الاكتئاب، تطلب أن يتحقق أولًا من قصة السيروتونين التي أخبره بها الطبيب، وأشعرته بقدر من الراحة، كان البروفيسور «إيرفينغ كيرش» أستاذ الطب النفسي في جامعة هارفارد، بمثابة شيرلوك هولمز الذي حقق في أمر مضادات الاكتئاب الكيميائية، إذ فحص بدقة الأدلة حول وصف الأدوية للأشخاص المكتئبين والذين يعانون من القلق عن كثب حول العالم.

في التسعينيات، قام بوصف مضادات الاكتئاب الكيميائية للمرضى بكل ثقة، وكان على دراية بالأدلة العلمية المنشورة، وتوصل إلى أن 70% من الناس الذين تناولوها أظهروا تحسنًا ملحوظًا؛ فدفعته تلك النسبة للتعمق في البحث أكثر، ثم تقدم بطلب حرية الوصول للمعلومات من أجل الحصول على البيانات التي كانت تجمعها شركات الأدوية بشكل خاص في أبحاثها على تلك الأدوية، يقول الكاتب إن البروفيسور كيرش «كان واثقًا أنه سيجد أنواعًا أخرى من الآثار الجانبية الجيدة، لكنه تعثر بأمر غريب للغاية».

يستطرد «جوهان» قائلًا إننا ندرك جميعًا أننا نلتقط حوالي 30 صورة عندما نلتقط الصور الشخصية – السيلفي -، ثم نحذف منهم 29 صورة، ربما تبدو فيها أعيننا مهزوزة أو مشوشة أو بها غمامة، ونختار أفضلهم كي تكون هي الصورة الرئيسية لحساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتبين لـ«كيرش» أن شركات الأدوية التي تمول كل تلك الأبحاث على تلك الأدوية، كانت تتبع النهج نفسه في دراسة مضادات الاكتئاب الكيميائية، فهم يمولون عددًا هائلًا من الدراسات، ويستبعدون كل الدراسات التي أقرت نتائجها بالتأثير المحدود للأدوية، ومن ثم لا ينشرون إلا التي أظهرت نجاحًا.

على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، أُعطي الدواء لحوالي 245 مريضًا، لكن الشركة لم تظهر نتائج الجميع، إنما نتائج 27 مريضًا فقط، وهم نفسهم الأشخاص الذين بدا استخدامهم للدواء فعالًا، حينذاك أدرك البروفيسور أن نسبة 70% التي توصل لها سابقًا لم تكن حقيقية أو صحيحة.

وتظهر الأبحاث أن حوالي من 65% إلى 80% من الأشخاص الذين يتناولون مضادات الاكتئاب، وقعوا مرة أخرى فريسة للاكتئاب في خلال عام منذ بدء تناول الأدوية، يقول جوهان: «كنت أظن أنني غريب بسبب استمرار الاكتئاب لديّ في حين كنت أتناول الأدوية». لكن البروفيسور «كريش» من ماساتشوستس، أوضح لي أن حالتي كانت نمطية للغاية وليست بغريبة، فتلك الأدوية لديها مفعول إيجابي على بعض الأشخاص، لكنها لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون الحل الأساسي لغالبية المصابين بالاكتئاب، لأن شعورهم بالاكتئاب يستمر حتى أثناء تناولها، وشبه الوضع الراهن بالقول: «نحن نعرض لمرضى الاكتئاب قائمة من الأدوية لا تحتوي سوى عنصر واحد فقط، وبالتأكيد لا أريد أن أتناول أي شيء في تلك القائمة»، فأدرك الكاتب أهمية توسيع الخيارات على قائمة علاجات الاكتئاب.

هل تستيقظ في مزاجٍ سيئ؟ 5 طرق لتحظى بصباحٍ أفضل

دفع ذلك البروفيسور «كيرش» لطرح المزيد من الأسئلة الرئيسية: «أنى لنا أن نتأكد من أن الاكتئاب ناتج عن قلة إفراز السيروتونين؟»، وعندما بدأ في سبر أغوار الأبحاث حول الاكتئاب، وجد أن الدليل كان «هشًا على نحو مفزع وصادم». أوضح البروفيسور «أندرو سكال» أستاذ علم الاجتماع المساعد في جامعة برينستون، خلال مقاله المنشور في مجلة لانسيت، أن إسناد الاكتئاب إلى السيروتونين المنخفض تلقائيًا، «زعمٌ مضلل للغاية، وغير علمي بالمرة». ويضيف الكاتب أن دكتور «ديفيد هايلي» – أستاذ الطب النفسي في جامعة بانجور – أخبره أنه: «لم يكن هناك أي أساس علمي لهذا الزعم إطلاقًا، فقط كان الأمر للترويج والتسويق».

يقول الكاتب إنه لم يرد الاستماع لهذا الكلام، ويفسر ذلك قائلًا: «بمجرد أن ترتكز على قصة ما تفسر ألمك وحزنك العميق، تصبح مترددًا للغاية في محاولة مواجهتها بأي مزاعم أخرى». ويشبه الوضع قائلًا: «كانت قصة الخلل في السيروتونين بمثابة لجام التف على شعوري بالضيق، في محاولة لإبقائه تحت السيطرة. وخشيت إن عبثت أو بحثت في هذه القصة القديمة التي عشت بها طويلًا، أن ينفلت لجام ألمي ويعصف بي، كما لو كان حيوانًا ضاريًا طليقًا»، لكن في نهاية المطاف أظهر الدليل العلمي شيئًا واضحًا أمام ناظره، ولم يكن بوسعه تجاهله.

الاكتئاب وعلاقته بالحاجات النفسية

لكل إنسان حاجات نفسية أساسية على غرار الحاجات الجسدية الأساسية، الشعور بالانتماء والتقدير، الشعور بأننا جيدون في أمر ما، وأن مستقبلنا إلى حد ما آمن، لكن ثقافتنا لا تلبي تلك الاحتياجات النفسية.

قرر جوهان المضي قدمًا في بحثه، مخاطرًا باحتمال زعزعة القصة التي منحته نوعًا من الاستقرار طوال سنوات مرضه. حتى حان وقت سؤال آخر «حسنًا، ما حقيقة ما يحدث؟»، يقول إنه عندما أجرى حوارًا مع علماء الاجتماع في العالم، من ساوباولو وصولًا لسيدني، ومن لوس أنجلوس حتى لندن، بدأت تظهر صورة غير متوقعة في الأفق.

ويضيف: «ندرك أن لكل إنسان حاجات بشرية أساسية، الغذاء والماء والمأوى والهواء النظيف، ووجِد أن لكل إنسان حاجات نفسية أساسية على غرار الحاجات الجسدية الأساسية؛ فنحن نحتاج للشعور بالانتماء والتقدير، نحتاج للشعور بأننا جيدون في أمر ما، نحتاج للشعور بأن مستقبلنا إلى حد ما آمن، لكن هناك أدلة متزايدة على أن ثقافتنا لا تلبي تلك الاحتياجات النفسية للكثيرين من أبنائها، بل على الأرجح أغلبهم»، ويردف قائلًا: «بطرق مختلفة تمامًا، تعلمت أن صلتنا بتلك الأمور التي نحتاجها باتت منقطعة، وهذا الانقطاع العميق يحرك وباء الاكتئاب والقلق المرضي من حولنا».

«تايم»: هل اليوجا تساعد على إنقاص الوزن؟ وهل هي رياضة بالأساس؟

يحاول الكاتب مجددًا النظر في تلك الأسباب المختلفة المغايرة لقصة الخلل في كيمياء الدماغ، إذ ربما إن نظرنا في تلك الاحتمالات المختلفة، يتسنى لنا فهم الاكتئاب بطريقة مختلفة. فيقول إن: «هناك أدلة قوية على أن البشر يحتاجون للشعور بأن حياتهم ذات معنى، ويحتاجون للشعور بأنهم يفعلون أمرًا له غاية ومغزى وربما يُحدِث تغييرًا في العالم».

تلك حاجة نفسية طبيعية، لكن في الفترة بين عامي 2011 و2012، توصلت شركة جالوب للاستطلاعات إلى أن أغلب الدراسات التفصيلية التي أجريت حول قضية: «كيف يشعر الناس إزاء الأشياء التي يقضون أغلب أوقاتهم في فعلها، أو بعبارة أخرى: عملهم مدفوع الأجر؟» إلى أن 31% فقط من الناس يقولون إنهم «منخرطون» في عمل يصفونه أنه ذو مغزى ويتطلعون لأدائه، في حين أن حوالي 63% «غير منخرطين» في عمل كهذا، وكان توصيفهم لمشاعرهم تجاه العمل، أنهم: «يمضون أوقات دوامهم كما لو كانوا مغيبين، منقادين، يسيرون نيامًا»، فيما قال 24% إنهم «منخرطون بنشاط» لكنهم يكرهون أعمالهم.

يقول جوهان إنه أدرك أن حوالي 87% من بين المصابين بالاكتئاب والقلق الذين يعرفهم لا يحبون أعمالهم. وبدأ يبحث بشكل أعمق عما إذا كان هناك أي دليل يربط ذلك بالاكتئاب، واكتشف أنه ثمة انفراجة كبيرة في الإجابات على هذا التساؤل في السبعينيات من القرن الماضي، على يد أستاذ علم الأوبئة في كلية لندن، العالِم الأسترالي «مايكل مورموت»، إذ أراد مورموت دراسة الأسباب الباعثة على الضغوط في بيئة العمل، واعتقد أنه وجد البيئة الأنسب، حيث يمكنه الوصول لأجوبة على تساؤلاته، ووجد ضالته في مقر «الخدمات المحلية البريطانية»، في وايتهول، حيث تم تقسيم هذا الجيش الصغير من البيروقراطيين إلى 19 طبقة مختلفة، بداية من السكرتير الدائم في القمة وصولًا إلى الكَتَبَة؛ وفي البداية أراد «مورموت» معرفة من هو الأكثر عرضة للإصابة بأزمات قلبية بسبب ضغوط العمل، هل الرئيس في القمة أم من تحته؟

أخبره الجميع أنه «يهدر وقته»، فمن الواضح أن المدير هو الأكثر تعرضًا للضغط بسبب تحمله أكبر مسؤولية، لكن نتائج بحث مورموت كشفت بعد نشره أن حقيقة الأمر هي «العكس تمامًا»، فكلما قلت الدرجة الوظيفية للشخص في هرم المناصب، زاد معدل التوتر واحتمالات الإصابة بالأزمات القلبية. فكانت الخطوة التالية البحث عن السبب وراء ذلك.

درس مورموت لمدة عامين متتاليين حالات الموظفين الذين يعملون في الخدمات المدنية، ووجد العامل الأكبر المتسبب في النتيجة التي توصل لها بحثه السابق، أنه إذا فقد شخص السيطرة على عمله، فإنه على الأرجح يصبح مضغوطًا ومكتئبًا. إذ لدى البشر حاجة متأصلة للشعور بأن ما يفعلونه يوميًا أمر ذو معنى، لكن عندما يخضع الشخص لسيطرة طرفٍ ما أو للتحكم من طرف ما في عمله، لا يمكن للمرء أن يخرج بمعنى لعمله.

الاكتئاب وضغوط العمل

«جميعهم على السواء شعروا أنهم تحت سيطرة وظائفهم ولا يجدون التقدير، ليس لخلل ما في أدمغتهم، لكن على الأرجح بسبب مشكلة في بيئتهم».

يقول جوهان في كتابه: «فجأة فهمت، فالاكتئاب الذي يعاني منه الكثير من أصدقائي، جميعهم على السواء، حتى أولئك الذين لديهم وظائف فاخرة؛ لأنهم يشعرون أنهم تحت سيطرة وظائفهم ولا يجدون التقدير، وليس لخلل ما في أدمغتهم، بل السبب على الأرجح مشكلة في بيئتهم»، وأدرك حينها أن هناك عدة أسباب للاكتئاب.

وعلى الرغم من ذلك، لم تتمحور رحلته حول إيجاد أسباب شعورنا بالحزن، بل كان الهدف الرئيس: «إيجاد طريقة تشعرنا بحالة أفضل»، إذ كان المقصد من بحثه بحسب قوله: «كيف لنا أن نجد مضادات اكتئاب حقيقية ودائمة تجدي نفعًا مع غالبيتنا؟ وكيف نجد حلولًا تتخطى مجرد حزمات الأدوية التي تعالج عرضًا واحدًا على قائمة الأدوية المضادة للاكتئاب والقلق؟»، وبدأ يتأمل ما قالته دكتور «كاشياتور»: «يجب أن نتعامل مع المشكلات الأعمق التي تتسبب في هذا الضغط والضيق».

وجد جوهان بوادر إجابة لـ«وباء العمل الخالي من معنى» في بالتيمور، وحكى إحدى القصص التي ساعدته في الوصول لإجابة، ويقول إن «ميريديث ميتشل» اعتادت الاستيقاظ صباحًا مصابة بقلق وتسارع في نبضات قلبها، إذ كانت تهاب وظيفتها، لكنها في نهاية المطاف أخذت خطوة جريئة جسورة، خطوة اعتبرها الكثيرون ضربًا من الجنون، عمل زوجها وأصدقاؤه سنواتٍ طويلة في متجر دراجات، تلقوا الأوامر باستمرار، ولم يشعروا بالأمان، وكان أغلبهم مكتئبين.

كيف يؤثر الاكتئاب على شكل عقلك؟ حقائق قد تغير تصورك عن المكتئبين

وذات يوم، قرر الزوجان أن يؤسسا متجر دراجات خاصًا بهم، بيد أنهم أرادوا أن يديروه بطريقة مختلفة، بدلًا من أن تصدر الأوامر من شخص واحد في القمة، أداروه بطريقة تعاونية ديمقراطية، الأمر الذي تطلب أن يتخذوا القرارات بشكل جماعي، وكانوا يتشاركون المهام السيئة والجيدة على حد سواء، فضلًا عن تشاركهم جميعًا في منصب الرئيس، وهكذا أصبح المتجر كما لو كان «قبيلة ديمقراطية». يقول «جوهان» إنه عندما ذهب إلى متجرهم – بالتيمور بايسكل وركس – شرح له طاقم العمل في تلك البيئة المختلفة كيف تبدل الاكتئاب المزمن والقلق الذي كانوا يعانون منه.

يقول جوهان إن مهامهم الفردية لم تختلف كثيرًا عن السابق، فقد كانوا يصلحون الدراجات من قبل، والآن يمارسون نفس العمل، لكنهم الآن يتعاملون مع الحاجات النفسية التي لم تلبّ من قبل وكانت تشعرهم بالتعاسة، بلغوا ذلك من خلال منح أنفسهم الاستقلالية والتحكم في عملهم. ولاحظ زوجها «جوش» بنفسه أن الاكتئاب الذي كان يصيبه مرارًا، كان «رد فعل منطقيًّا إزاء الموقف، وليس عطبًا بيولوجيًا»، وأخبره أنه لا حاجة لإدارة العمل بالطريقة المهينة والمحبطة كما كان يحدث بالوظيفة القديمة، الآن يمكنهم التحرك معًا في ثقافة بيئة عمل واحدة، باعتبارهم موظفين يتحكمون في مكان عملهم.

علاجات غير تقليدية دون أدوية كيميائية

بعض تلك الحلول هي أمور يمكن أن نفعلها نحن الأفراد في حياتنا الخاصة، والبعض الآخر يتطلب تحولات اجتماعية أكبر.. لكن الثابت أن جميعها تتطلب تغيير فهمنا لماهية الاكتئاب والقلق المرضي.

يقول جوهان: «مع كل سبب من الأسباب التسعة للاكتئاب التي تعلمتها، تعلمت معها حقائق مبهرة ونقاشات أجبرتني على التفكير بطريقة مختلفة»، على سبيل المثال: «علمنى البروفيسور جون كاسيوبو أستاذ علم الأعصاب الاجتماعي في جامعة شيكاغو، أن البقاء وحيدًا شديد الشبه بتلقي لكمة في الوجه من شخص غريب، ويزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب.

وأوضح لي الدكتور فينسينت فيليتي أستاذ الطب الإكلينيكي في جامعة كاليفورنيا، أن صدمات الطفولة الشديدة تزيد من احتمالية الانتحار بعد البلوغ بنسبة 3100%. وشرح لي البروفيسور مايكل تشاندلر أستاذ الطب النفسي في جامعة بريتيش كولومبيا في فانكوفر، أنه إذا شعر مجتمع ما أنه فاقد للسيطرة على القرارات الكبيرة التي تؤثر فيه وعليه، فإن معدلات الانتحار تزداد بنسبة كبيرة».

ويضيف أن هذا الدليل الجديد يجبرنا على السعي وراء أنواع مختلفة من الحلول لأزمة القنوط التي تحل بنا، وقد ساعده شخص على وجه التحديد في سعيه هذا. إذ يذكر أنه في أوائل القرن الحادي والعشرين، ذهب طبيب نفسي من جنوب أفريقيا يدعى «ديريك سامرفيلد» – زميل منظمة الطب النفسي المصرية ومحاضر في معهد الطب النفسي في لندن – إلى كمبوديا، في أول أيام دخول مضادات الاكتئاب إلى البلاد، وبدأ يشرح مفهوم تلك الأدوية للأطباء الذين قابلهم هناك، وبعد أن استمعوا له بصبر، أخبروه أنهم ليسوا بحاجة إلى مضادات الاكتئاب الجديدة، لأنهم بالفعل لديهم مضادات اكتئاب فعالة. ظن «سامرفيلد» أنهم يقصدون نوعًا آخر من علاجات مضادات الاكتئاب كالعلاج بالأعشاب.

فطلب منهم شرح الأمر، دلّوه على شخص توضح حالته ما يقصدون تمامًا. كان هناك مزارع في حقول الأرز فقد رجله في حادث انفجار منجم، وتم صنع أحد الأطراف الصناعية كي تناسبه، لكنه كان دائم القلق بشأن المستقبل، يملؤه القنوط. جلس الأطباء معه، وتحدثوا معه بشأن مشكلاته؛ ومن ثم أدركوا أنه حتى مع حصوله على طرف اصطناعي، كانت وظيفته القديمة في حقول الأرز تشعره دائمًا بالضغط والتوتر وتصيبه بالألم البدني، مما ولَّد لديه حالة من الرغبة المستمرة في الموت. فطرأت لهم فكرة جديدة؛ اعتقد الأطباء أنه إن أصبح مزارع منتجات ألبان، ربما يعيش بطريقة مغايرة، وربما يتبدل شعوره. لذا اشتروا له بقرة، وفي غضون بضعة أشهر ومن ثم سنوات، تغيرت حياته، وذهب عنه اكتئابه العميق. وأخبروا الطبيب سامرفيلد: «أرأيت يا دكتور، كانت البقرة هي مضاد الاكتئاب».

كيف تحاول الفلسلفة التغلب على الاكتئاب؟ رؤية الفلسفة الوجودية

يؤكد جوهان أن محاولات إيجاد علاج للاكتئاب لم تعنِ مجرد البحث عن طريقة لتغيير كيمياء الدماغ، لكن كانت تعني إيجاد طريقة لحل المشكلة التي تسبب الاكتئاب في المقام الأول. إذ يمكننا اتباع الطريقة نفسها؛ فبعض تلك الحلول هي أمور يمكن أن نفعلها نحن الأفراد في حياتنا الخاصة، والبعض الآخر يتطلب تحولات اجتماعية أكبر، والتي يمكننا تحقيقها معًا باعتبارنا مواطنين في مجتمع ما، لكن الثابت أن جميعها تتطلب تغيير فهمنا لماهية الاكتئاب والقلق المرضي.

يقول الكاتب إن تلك الطريقة قد تبدو متطرفة، لكنه اكتشف أن الاكتئاب ليس حالة بيوكيميائية مستقلة يمكن علاجها بمعزل عن العوامل النفسية والبيئية الخارجية، ويستشهد بما صرحت به الأمم المتحدة في بيانها الرسمي في يوم الصحة العالمي عام 2017، بعد أن راجعت المنظمة أفضل الأدلة، مستنتجة أن: «السرد البيوكيميائي المهيمن على الاكتئاب» يعتمد على الـ«الاستخدام المتحيز والانتقائي لنتائج الأبحاث»، والتي يجب «أن نتجنبها»، فنحن بحاجة أن ننتقل من «التركيز على الاختلالات الكيميائية» إلى التركيز على «اختلالات القوة».

وختامًا، وبعد أن تعلم جوهان الكثير عن الاكتئاب والأبعاد المختلفة له، يود لو أن لديه القوة ليعود بالزمن للوراء، فيقص كل ما تعلمه على نفسه المراهقة حينها، يقصه على مسامعه في نفس اليوم الذي أخبره فيه الطبيب بقصة الاكتئاب وعلاقته بالسيروتونين، يقول: «أردت لو أخبره – يقصد شخصه المراهق – حينها، أن الألم الذي تشعر به لا ينتمى إلى علم الأمراض التشريحية–الباثولوجيا، وأنه ليس ضربًا من الجنون، بل إشارة إلى أن الاحتياجات النفسية باتت في غير إشباع.

الاكتئاب هو شكل من أشكال الحزن على نفسك، وعلى الثقافة التي تعيش فيها وتسير بشكل خاطئ. أعلم تمامًا إلى أي مدى الاكتئاب مؤذ، وأعلم تمامًا إلى أي عمق يصل جرحه، لكنك بحاجة للإنصات لتلك الإشارة، فهي تخبرك بما يسير على نحو خاطئ. تخبرك أنك تحتاج أن تكون على صلة بطرق عدة ومؤثرة لست متصلًا بها الآن، لكن يمكنك أن تتصل بها يومًا ما».

ويوجه الكاتب في النهاية رسالة لكل مصاب بالاكتئاب قائلًا: «إن كنت مكتئبًا ومصابًا بالقلق المرضي، فاعلم أنك لست آلة ميكانيكية، بها بعض الأجزاء المعطوبة، أنت إنسان لم تشبع احتياجاتك، والمخرج الوحيد ليأسنا المرضي أن نبدأ في إشباع تلك الاحتياجات البشرية كمجموعة، نحتاج لتواصلٍ عميق مع الأشياء المهمة في تلك الحياة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد