نشر الصحافي وكاتب العمود تشارلز إم. بلو مقال رأي ضمن صحيفة «نيويورك تايمز» يناقش فيه مدى انتشار العنصرية في حاضر الولايات المتحدة الأمريكية وتاريخها، وإلى أيّ مدى تقدمت البلاد في هذا المجال، وكذلك التصريحات السياسية والمناقشات المتضاربة بهذا الشأن.

إلى أيِّ مدى تُعد أمريكا بلدًا عنصريًّا؟

يبدأ الكاتب مقاله بالإحالة إلى مقابلةٍ كان أجراها السيناتور الجمهوري لندسي جراهام، عن ولاية ساوث كارولينا مع قناة «فوكس» الإخبارية في أواخر شهر إبريل (نيسان) الماضي، وبها انضمَّ إلى قائمة طويلةٍ من السياسيين الجمهوريين المُنكرين لوجود عنصرية ممنهجة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صرَّح للقناة بالقول: «أنظمتنا ليست عنصرية. أمريكا ليست بلدًا عنصريًّا».

لجأ جراهام إلى نفي وجود العنصرية في أمريكا عن طريق حجة وصول باراك أوباما وكامالا هاريس إلى مناصبهما، مُعتبرًا أن تغلبهما على الصعوبات العرقيَّة يثبت غياب العنصرية – وفقًا لتعبير الكاتب – وبذلك يبدو أن السيناتور يرى أن الاستثناءات تلغي الحالة العامة بطريقة ما.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
«ناشيونال إنترست»: هل فعلًا تحسنت حياة الأمريكيين السود منذ مقتل لوثر كينج؟

ينتقل الكاتب للسيناتور تيم سكوت عن ولاية جنوب كارولينا – وهو الممثل الأسود الوحيد للحزب في مجلس الشيوخ – والذي طعن أيضًا بخطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن أمام جلسة مشتركة للكونجرس الأمريكي مدافعًا عن ادعاءات السيناتور جراهام وتصريحاته المنكرة للعنصرية، عبر توكيده أن أمريكا ليست بلدًا عنصريًّا. وتذرَّع تيم سكوت بالقول بأن هناك أشخاصًا «يكتسبون المال والنفوذ عبر التظاهر بأنا لم نحرز أي تقدم ومن خلال مضاعفة الانقسامات التي عملنا بجدٍّ لشفائها».

وبذلك تبقي ادعاءات السيناتور تيم سكوت الباب مفتوحًا أمام احتمالية أن أمريكا ربما كانت بلدًا عنصريًّا في السابق لكنها نضجت الآن وحققت مبادئ المساواة.

يشكك الكاتب بقدرة السيناتور سكوت على «التفكير المنطقي»، وذلك بسبب تصريح سابق له في شهر مارس (آذار) يقول فيه بأن «تفوق الصحوة – وهو تعبير يستهجنه الكاتب بحدِّ ذاته –  يماثل سوء تفوق البيض». ويقصد السيناتور بالصحوة الأشخاص المهتمين بالوعي  بالقضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والعدالة العرقية. ينبذ الكاتب تصريح السيناتور برمَّته، لأنه لا يوجد عالم يمكن فيه أبدًا مساواة الجهود التوعوية الأخيرة بالعبودية والاحتجاز والإعدامات دون محاكمة.

التاريخ يسرد قصصه

يرى الكاتب أن هذه المراوغة بشأن العنصرية هي مسألة لغة إلى حد كبير، ولذلك يطرح الكاتب السؤال بطريقةٍ أخرى: «ما هي أمريكا بالنسبة إليك؟»، مضيفًا بالشرح: هل أمريكا هي عبارة عن مجموعة من الأشخاص المنفصلين عن أنظمتها وتاريخها والذين يقطنون أرضها الآن؟ أم هي شاملة لتلك الأنظمة والتواريخ؟

Embed from Getty Images

عندما يقول الناس إن أمريكا بلد عنصري لا يعنون بالضرورة أن جميع أو أغلب الأمريكيين عنصريين عن وعي، ولكن ينوِّه الكاتب إلى أن نصف البلاد تقريبًا صوتت لدونالد ترامب «الرئيس الأمريكي العنصري بالكامل»، وقد صوتوا له إما عبر إنكار عنصريته أو عبر عذرهم لها، وإما أنهم عنصريون أساسًا، فماذا تُسمى البلد التي بها هذه التركيبة؟

أما بالنسبة لسير التاريخ، فلا شكَّ بأن البلد تأسست على أيدي العنصريين والمؤمنين بتفوق البيض وأن الجزء الأكبر من ثروة البلاد المبكرة بُنيت على ظهور المُستَعبدين الأفارقة وأن توسع البلاد الجغرافي لم يحصل إلا عن طريق المذابح التي نُفِّذت بحق السكان الأصليين ونقض المعاهدات معهم.

ويذكِّر الكاتب بأن ثمانية من أصل عشرة من الرؤوساء الأمريكيين الأوائل استعبدوا الأفريقيين بأنفسهم. وكذلك الحكم الشائن الصادر في مارس 1857، حين أصدرت المحكمة العليا قرار 7-2 ​​ضد دريد سكوت، وتعليق رئيس المحكمة العليا آنذاك «إن واضعى الدستور كانوا ينظرون إلى جميع السود على أنهم كائنات أقل أهلية وغير مؤهلين على الإطلاق للتفاهم مع الجنس الأبيض، سواء في المسائل السياسية أو الاجتماعية. إنهم أقل أهلية للحد الذي لا يجعلهم يحصلون على الحقوق نفسها التي ينبغي للرجل الأبيض أن يحترمها».

وخاضت البلاد حربًا أهلية بعد ذلك بسبب إرادة بعض الولايات الأمريكية المحافظة على العبودية كما تشاء، وهنالك بعض الشخصيات الأمريكية ممن قاتلت وكافحت لوضع حدٍّ للعبودية مع أنها قد تعبِّر عن معتقدات عنصرية بيضاء. ويضرب الكاتب مثالًا ما قاله إبراهام لينكولن خلال مناقشاته الشهيرة مع ستيفن أ . دوجلاس في عام 1858 إنه بين الأشخاص البيض والسود «يجب أن يكون هناك أعلى وأقل، وأنا مثل أي رجل آخر أؤيد تعيين المكان الأعلى للعرق الأبيض».

هل تقدمت البلاد؟

قد يتنازل البعض عن ادّعاءاتهم بشأن عدم وجود العنصرية تاريخيًّا، لكن يصرون على التركيز على التقدم، زاعمين أن ذلك قد أصبح في الماضي ونحن الآن في الحاضر. يتفق الكاتب مع ما يذهب إليه هؤلاء الأشخاص من جهة أن العنصرية الأمريكية تطورت وأصبحت أقل فظاظة، لكنها لم تصبح أقل أثرًا أو فعالية. فوفقًا للكاتب، تقوم الأنظمة الآن بالعمل الذي كان يتطلب سابقًا أفعالًا علنية من حشود الأفراد العنصريين.

Embed from Getty Images

يتساءل الكاتب: إذن ما الذي يعنيه أن يكون النظام عنصريًّا؟ هل تعني صفة العنصرية أن يكون النظام المعنيُّ عنصريًّا صراحةً وعلنيًّا بالكامل؟ أم أن هناك درجة من التحيز العنصري القابلة للقياس داخل ذلك النظام؟ يميل الكاتب للخيار الثاني.

لم تعد أمريكا البلاد التي كانت عليها، ولا هي بالمقابل البلد التي تزعمه. على مستوى ما، يتصاعد التوتر بين المثالية الأمريكية والواقعية الأمريكية، أو بعبارةٍ أخرى: ما تطمح لأن تكونه ووضعها الحالي من جهة أخرى.

ويطرح الكاتب طريقة مختلفة لصياغة الأمر معتبرًا إياها الطريقة الأدق التي تحدد الفوارق الأهم: لدى الأنظمة الأمريكية – بما في ذلك نظامها العدلي والتعليمي والطبي وخلافه – تحيزات مناصرة للبيض ومناهضة للسود، ونسبة كبيرة من أمريكا تتنكر لهذه التحيزات أو تدافع عنها.

يشدد الكاتب مجددًا على أهمية اللغة المستخدمة في هذه الأمور، لأن الإبهام أو التردد بهذه الشؤون يزيد الطين بلة ويصعِّب من الجواب حول ما إذا كانت أمريكا عنصرية أم لا، وبالتالي يصعّب حصول نقاش نزيه بين المفكرين النزيهين.

ويختتم الكاتب باعتبار أن قول إن «أمريكا عنصرية» ليس تصريحًا متطرفًا، وإن كان الأمر قد يتطلب شرحًا أو تعريفًا أطول فإن الحقيقة لا تتغير في النهاية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد