نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا لـ توم غاردنر، استعرض فيه تطورات الأوضاع بين آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، وقادة إقليم تيجراي. وخلُص الكاتب إلى أنَّ تحرُّكات آبي أحمد العسكرية ضد منطقة تيجراي يمكن أن تُشعِل شرارة النزاع مع الحزب الذي كان يسيطر من قبْل على السياسات الإثيوبية، ما قد يؤدي إلى تمزيق أوصال البلاد.

عملية عسكرية

يقول الكاتب، المهتم بتغطية الشؤون الخاصة بإثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي، في بداية تحليله: في تصعيدٍ كبيرٍ للعداء المرير مع خصومه في منطقة تيجراي الشمالية، أصدر آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، أوامره بإجراء عملية عسكرية بعد شن هجومٍ على معسكرٍ تابعٍ للجيش الاتحادي في الساعات المبكرة من يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني). وربما يمثِّل الإعلان، الذي جاء بعد أسابيع من تصاعد حِدَة التوترات، نقطة تحوُّل خطيرة لبلدٍ جرى اختبار استقراره مرارًا وتكرارًا منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018.

ولم يكن التدهور الحاد مفاجئًا للمراقبين عن كثب لعملية انتقال إثيوبيا إلى الديمقراطية التي كانت من قبل بمثابة انتقال واعد، ويرجع هذا التحوُّل إلى الجهود التي بذلها آبي أحمد إلى حدٍ كبير، الذي حاز على جائزة نوبل للسلام تقديرًا لدوره في إنهاء حربٍ باردةٍ دامت 20 عامًا مع إريتريا المجاورة لبلاده.

Embed from Getty Images

شعر كثير من المراقبين، على مدار أشْهُر، بوجود بوادر مواجهة بينه وبين حُكَّام إقليم تيجراي، أي الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، الذين سيطروا على الائتلاف الحاكم في البلاد منذ عام 1991، عندما أسقطوا الديكتاتورية العسكرية السابقة، حتى عام 2018. وفي 30 أكتوبر (تشرين الأول)، حذَّرت مجموعة الأزمة الدولية (منظمة دولية غير حكومية تأسست في عام 1995 وتهتم بتجنب حدوث نزاعات دموية في جميع أنحاء العالم) من أن هذه المواجهة تنذر بمخاطر إشعال فتيل «صراع مُدمِّر قد يمزِّق الدولة الإثيوبية».

جذور العداء

ويرى الكاتب أن جذور العداء بين الطرفين تتعمَّق؛ إذ رفضت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي الانضمام إلى الحزب الحاكم الجديد بقيادة آبي أحمد، وهو حزب الازدهار، عندما تشكَّل الحزب في أواخر العام الماضي، كما تنظر الجبهة إلى الحزب الجديد على أنه محاولة لتقويض الدستور. وفي وقت سابق من هذا العام، اتَّهمه زعماء تيجراي بإرساء حجر الأساس للنظام الديكتاتوري من خلال تأجيل إجراء الانتخابات بسبب تفشِّي جائحة كوفيد-19. وفي سبتمبر (أيلول)، وفي تحدٍ للحكومة الاتحادية، أجرت منطقة تيجراي الانتخابات الخاصة بها، مما دفع البرلمان إلى التصويت على قطع جميع العلاقات مع القيادة الإقليمية في الشهر الماضي.

اتهامات بالإشراف على اضطهاد أهل تيجراي

ويشير الكاتب إلى أن الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي توجه أيضًا اتهامات لحكومة آبي أحمد بأنها أشرفَت على اضطهاد أهل تيجراي العِرْقيين، الذين يُشكِّلون حوالي 6% من السكان، والتطهير الانتقائي لمسؤولي تيجراي وقادة أجهزة الأمن في الحكومة. وطالبت الجبهة، في مقابل الدخول في حوار، تنحِّي آبي أحمد عن منصب رئيس الوزراء والسماح بإنشاء حكومة تصريف أعمال.

ومن جانبه، يرى حزب الازدهار أن قادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي تُدبِّر عددًا لا حصر له من المشكلات، التي تتضمن تنفيذ اغتيالات سياسية وتنظيم احتجاجات وعمليات تمرد مُسلَّح وتنفيذ مذابح للأقليات، من أجل عرقلة عملية الانتقال السياسي واستعادة السلطة التي فقدتها قسرًا.

Embed from Getty Images

ويؤكد الكاتب أن كلا الطرفين يعمل على بناء قدراتهما العسكرية، إذ تمتلك تيجراي، باعتبارها إحدى الولايات الإقليمية القائمة على أساس عِرْقي شبه مستقل ذاتيًّا، جهاز شرطة وميليشيات خاصة بها، وتعمل كذلك على زيادة تداول الخطاب العدواني. وأوقفت الحكومة الاتحادية مؤخرًا منحتها الشهرية التي تقدمها إلى تيجراي، وهو أحدث إجراء في قائمة تدابير عقابية مالية وإدارية تهدف إلى ممارسة ضغوط على قادتها.

ولم يتضح على الفور مَنْ الذي بدأ إطلاق النار. ووفقًا للحكومة الاتحادية، حاولت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي سِرْقة معدات من القيادة الشمالية التابعة للجيش الاتحادي، التي تتمركز في تيجراي بالقرب من الحدود مع إريتريا ويقال إنها تضم معظم الأفراد المسلحين والفرق الآلية في إثيوبيا. وتعتقد الجبهة الشعبي

ة لتحرير تيجراي منذ وقت طويلٍ أن هيئة الضباط التابعة لهذه القيادة، التي يقول مُطَّلِعون إن كثيرًا من هؤلاء الضباط من أهل تيجراي، لن تلتزم بتعليمات آبي أحمد.

تعنُّت شديد

ويردف الكاتب قائلًا: في الشهر الماضي، ذكرت هيئة الضباط أنها لن تقبل أي تغييرات تطرأ على قيادة الوحدة العسكرية أو هيكلها، ثم رفضت السماح للقادة الجُدُدْ الذين عيَّنَهم آبي أحمد باستلام مهام مناصبهم. ويدَّعي آبي أحمد أنه من المحتمل أن تكون الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي حاولت مصادرة أصولٍ تابعة للقيادة. ولكن من غير المؤكد ما إن كان هذه الواقعة حدثت قبل نشر القوات الاتحادية أو بعده.

وأضح الكاتب أن جنرالًا سابقًا من تيجراي في العاصمة ميكيلي أخبره، في الأسبوع الماضي، أن «القضاء على هذه المعِدَّات» ربما يكون ضروريًّا في حالة ارتفاع حِدَّة التوترات. ووفقًا لما غرَّد به جاتاشيو رضا، أحد كبار المسؤولين في الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، على تويتر، أسفر اجتماع للمكتب السياسي في هذا الأسبوع عن اتِّخاذ «قرارات تاريخية» لتعزيز تأهُّب المنطقة. وفي يوم الأحد، أعلن ديبرتسيون جبريمايكل، رئيس تيجراي إقليمي، أنَّه «إذا دُقَّت طبول الحرب، فسنكون مستعدين للانتصار وليس للمقاومة فحسب».

دولي

منذ شهرين
شبح الانفصال والحرب الأهلية يعود من جديد.. ماذا يحدث في إثيوبيا؟   

ولكن يبدو أيضًا أنه كانت هناك تحركات كبيرة للقوات الاتحادية في الأيام التي سبقت يوم 4 نوفمبر. ووفقًا لدبلوماسي أممي، كانت القوات تنسحب من أماكن كثيرة في جنوب إثيوبيا، بما فيها منطقتي هارارجي وصومالي في الجنوب الشرقي، ومن منطقة ويليجا في غرب منطقة أوروميا. وذكر المصدر أن «[الحكومة الاتحادية] ستواجه صعوبات في إقناع أي شخص يتمتع بالكفاءة أن هذا الأمر لم يسبق التخطيط له».

تفاصيل غير مكتملة

ونظرًا لانقطاع شبكات الهاتف في جميع أنحاء تيجراي، فإن التفاصيل المتعلقة بالمواجهات المستمرة بين القوات الاتحادية والميليشيات شبه العسكرية في تيجراي غير مُكتملة ويصعُب التحقق منها. ووفقًا لمصدرٍ في ميكيلي تحدَّث مع الكاتب عبر الأقمار الصناعية، استمَّر إطلاق النار في المدينة قرابة ساعة في ساعات مُبكِّرة من الصباح.

ويذكر الكاتب أن القتال اقتصر على المنطقة المحيطة بالمطار. وذكرت مصادر كثيرة في أديس أبابا أن القوات الاتحادية نشرت قوات الكوماندوز في طائرات عسكرية في ميكيلي بهدف تأمين أصول عسكرية، وربما، الإطاحة بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي. ويبدو أن هذا التحرك لم يُكتَب له النجاح، إذ أفادت تقارير أن الشرطة الخاصة في تيجراي سيطرت على القاعدة العسكرية الاتحادية. وكان الوضع في المدينة هادئًا بقية اليوم.

وادَّعى آبي أحمد، في بيانه، أن الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي هاجمت القوات الاتحادية في مدينة دانشا في غرب تيجراي بالقرب من حدودها مع منطقة أمهرة. ومنذ صبيحة يوم 4 نوفمبر، تحدَّثَت تقارير عن وقوع قتال في الغرب، لكنَّ هذه التقارير يصعب التحقُّق من صحتها بصفة خاصة، ولا يُعرَف حتى عدد الضحايا.

ويأمل كثيرون في أديس أبابا أن تقتصر عملية آبي أحمد العسكرية على ضربة قوية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي لبسط سيطرة الحكومة الاتحادية في المدينة. ولكنَّ النزاع يمكن أن ينتشر بسهولة في جميع أنحاء المنطقة الأوسع نطاقًا.

مطالبات إقليمية

ووفقًا للكاتب، فإن ولاية أمهرة المجاورة لها مطالبات إقليمية بشأن أجزاء من تيجراي، وكان أعضاء الحزب الحاكم في الولاية، وهم حلفاء رئيسيون لرئيس الوزراء، قد طالبوا آبي أحمد باتخاذ إجراءات صارمة ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي. وفي 4 نوفمبر، طالب رئيس الولاية قُدامى المحاربين العسكريين بحمل السلاح في القتال ضد الجبهة.

Embed from Getty Images

ويظل الأمر الأكثر إزعاجًا هو احتمالية تدخُّل القوات الإريترية إلى جانب الجيش الاتحادي الإثيوبي، الذي كان عدوها اللدود حتى وقتٍ قريب. ويُضْمِر أسياس أفورقي، الرئيس الإريتري، ضغينة قديمة للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، تعود إلى ما قبل الحرب بين إثيوبيا وإريتريا في المدة من عام 1998 إلى عام 2000، وقد اقترب من آبي أحمد منذ أن عقدا سلامًا فيما بينهما في عام 2018. ويراود عدد قليل من الملاحظين شكوك من أن أسياس ربما يميل إلى التدخُّل بصورة أو بأخرى إذا سنحت له الفرصة. ويشير الكاتب إلى أن جاتاشيو، المسؤول في الجبهة، أخبره في الأسبوع الماضي، قائلًا: «نحن لا نتوهم أن الإريتريين سيقفون مكتوفي الأيدي».

وحتى بدون الانتقال إلى البلدان المجاورة، لن تكون العملية المحدودة التي تهدف إلى الإطاحة بالجبهة الشعبية لتحرير تيجراي سهلة. ويراقب الحزب كل هيئةٍ حكوميةٍ في المنطقة نزولًا إلى أدنى مستوى. ويقود المحاربون القدامى، المتمرسون في خوض حروب سابقة، قوات الأمن الخاصة به. ولا يبدو أن الحزب أو الحكومة الاتحادية في حالةٍ تسمح لهما بتقديم تنازلات.

واختتم الكاتب مقاله مُستشهدًا بما قاله محلل ذائع الصيت في أديس أبابا، الذي قال: «عندما أفكِّر في الحرب بين آبي أحمد والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، أتعْرف ماذا يدور ببالي؟ إنه العراق وأفغانستان. وأضاف: «بعبارة أخرى، أعني الوقوع في مأزق».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد