تواجه السلطة الفلسطينية أزمة وجودية على خلفية عدم قدرتها على تغيير حياة الفلسطيين للأفضل في أي من نواحِ الحياة. فهل فقد كيان السلطة الفلسطينية شرعيته؟

جاء ذلك في مقال كتبته، عبير قبطي، وهي كاتبة فلسطينية تحضر رسالة دكتوراه في الإعلام والاتصال بالجامعة الحرة في برلين، وعملت سابقًا متحدثًا رسميًا باسم «لجنة تنسيق المقاومة الشعبية»، كما كانت عضوًا في مجلس مدينة الناصرة الفلسطينية. نشر المقال عبر موقع هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية الناطق باللغة الإنجليزية (تي آر تي)، وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص المقال:

إن قرار ترامب الأخير بشأن القدس لم يجدد فقط غضب الفلسطينيين من انحياز الولايات المتحدة الواضح لصالح إسرائيل؛ لكنه أيضًا أثار الغضب تجاه القيادة الفلسطينية. إن ذلك كان بمثابة مسمار جديد في نعش الدبلوماسية الفلسطينية وفي أي ثقة متبقية في محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية.

اقرأ أيضًا: لماذا لم تندلع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة حتى اليوم.. بالرغم من كل ما حدث؟

على الرغم من ذلك، فإن هذه المشاعر الغاضبة لم تترجم إلى حركة احتجاج جماهيري تسعى لحل السلطة الفلسطينية. وفهم هذا التناقض الفلسطيني سيساعدنا لنتقدم في الحديث.

كيف تجني السلطة الفلسطينية شرعيتها؟

كشف استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، عقب إعلان ترامب، أن 70% من الفلسطينيين طالبوا باستقالة عباس.

على مدار العقدين الماضيين، اختارت القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية المفاوضات كاستراتيجية وحيدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وعندما انهارت مسرحية المفاوضات، فإنهم لجأوا إلى «استراتيجية دبلوماسية»، جاهدين في إقناع الفلسطينيين بأنهم بالفعل كانوا يقومون بعمل ما. في الحقيقة، فإنه ليس ثمة جهد وحيد قامت به السلطة الفلسطينية خلال العقدين الماضيين قد قرب الفلسطينيين –ولو إنشًا واحدًا- من التحرير.

اقرأ أيضًا: السعودية تتوقف عن دعم السلطة الفلسطينية ماليًّا: أسباب سياسية أم أزمة اقتصادية؟

بل على العكس، فإن الكثيرين يرون أن السلطة الفلسطينية بمثابة عقبة إضافية في طريق إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وذلك ليس فقط من خلال فشلهم «الدبلوماسي» المتكرر، لكن أيضًا من خلال تعاونهم الأمني الوثيق مع إسرائيل، والممارسات التي يقوم بها جهاز أمنهم الداخلي.

والتفسير البسيط لذلك «التعاون الأمني»؛ هو أن قوات الأمن الفلسطينية تم تدريبها على حماية إسرائيل من المقاومة الفلسطينية المشروعة، عن طريق المساعدة في إخماد التظاهرات وقمع كل أشكال المقاومة الأخرى، بالإضافة إلى التجسس على الفلسطينيين «المشتبه بهم» بالنيابة عن إسرائيل.

عمليًا، قامت إسرائيل بالاستعانة بمصادر خارجية لإسنادهم جزءًا من الاحتلال، متمثلين في المخبرين المحليين. تقوم بذلك في غضون استمرارها في القيام بما تفعله أي قوة استعمارية: تجريد هؤلاء الذين تضطهدم من أي حق لهم في الأمن أو الدفاع عن النفس.

محمود عباس

وفي حين تدعي السلطة الفلسطينية في أغلب الأحيان أن سياساتها الأمنية –بما فيها التنسيق الأمني مع إسرائيل- مهمة من أجل إصلاح القانون والحكم؛ فإنها في الحقيقة تحتاج هذا التعاون لأنها تفهم جيدًا أن بقاءها يعتمد بشكل جوهري على استمرار الاحتلال. فبمساعدة إسرائيل في قمع أي مقاومة وإخضاع أي معارض لقوانينها، فهي تضمن بدورها، الحفاظ على سلطة «فتح».

كانت الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان، ومقرها جنيف، وثقت أكثر من 1200 حالة اعتقال تعسفي في الضفة الغربية عام 2015، وكانت هذه الاعتقالات تستهدف معارضين السلطة الفلسطينية. ,ضمت قائمة المعتقلين صحافيين وطلاب ونشطاء ومواطنين عاديين.

واجه التنسيق الأمني نقدًا متناميًا في السنوات الأخيرة. إذ أظهر استفتاء أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، أن 73% من الفلسطينين في الضفة الغربية وغزة يؤيدون إيقاف التعاون الأمني مع إسرائيل. ينظر الفلسطينيون إلى هذا التعاون باعتباره خيانة للقضية الفلسطينية.

اقرأ أيضًا: الانتفاضة أبرزها.. هذه أهم 4 أسلحة في يد العرب لمواجهة قرار ترامب

مع الصفعة التي وجهها ترامب للقيادة الفلسطينية فلم يتبق لها أي شيء يبرر وجودها. كما أن اليأس والغضب المتصاعدين لهما سياق واسع ومتجذر يعود إلى ما بعد اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993. الآن، وبعد أكثر من 20 عامًا على توقيع تلك الاتفاقية التي كانت تهدف صوريًا إلى إقامة دولة فلسطينية، فإن حكم عباس لم يتجاوز سوى عدة بانتوستانات في الضفة الغربية.

إن القضية الفلسطينية وشعب غزة واللاجئين الفلسطينيين – في الماضي وحاليًا – والمواطنين الفلسطينين في إسرائيل، الذين يواجهون تمييزًا واسعًا وممنهجًا، كل هؤلاء خارج سلطة عباس وخارج اهتماماته. وبإغفال هذه الفسيفساء المتشابكة من المعاناة والظلم، فإن عباس، بصفته رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، قد فقد أي ثقة بينهم.

المعارضة في خوف

رغم الغضب والمعارضة المتصاعدين، إلا أن ذلك لم يتوج بعد بمطالبة جدية بحل السلطة الفلسطينية. فمن الواضح أن الأصوات المنددة بالسلطة الفلسطينية هي في معظمها من خارج فلسطين بدلًا من أن تكون من الداخل، وخصوصًا ليست في الصفة الغربية المسيطر عليها أمنيًا بإحكام. وهناك على الأقل ثلاثة أسباب تجيب على سؤال لماذا يخشى الشعب حل السلطة الفلسطينية.

المسألة الأولى هي الاقتصاد. ففي إطار اتفاقيات أوسلو والشق الاقتصادي منها (بروتوكول باريس)، فإن أي بذور لبناء اقتصاد فلسطيني مكتفِ ذاتيًا سيتم تدميرها عمدًا.

اقرأ أيضًا: بعدما استجابت حماس لشروطه.. ما هي خيارات «عباس» أمام خصمه «دحلان»؟

إن المجتمع الفلسطيني سيطرت عليه سياسات اقتصادية نيوليبرالية أسست لها السلطة الفلسطينية ودعمتها الدول المانحة. بما في ذلك نظام التجارة، من خلال تمكين القطاع الخاص مع تجاهل الحاجة إلى مجتمع مكتفي ذاتيًا، بالإضافة إلى خلق إطار من «التنمية» – وللمفارقة – تحت التحكم التام للاحتلال الإسرائيلي.

وكنتيجة لذلك، فإنه بعد 20 عامًا من الاتفاقية، غاب المجتمع المنتج، وظهر بدلًا عن ذلك آخر مستهلك. إن معظم القطاع الخاص يقوم على التجارة، وجزء صغير منه يقوم على الصناعة – أغلبها مشروعات عائلية-، وجزء آخر منه الزراعة –التي كانت يومًا عمودًا أساسيًا للمجتمع الفلسطيني-، وكل الأشكال الأخرى لقاعدة الإنتاج في فلسطين إما تم تدميرها أو ضياعها. وفي وسط هذا السياق الاقتصادي ومؤشر البطالة المرتفع فإن السلطة الفلسطينية أصبحت هي ربة العمل الرئيسية.

وبحسب البنك الدولي فإن حوالي 200 ألف فلسطيني هم موظفون من قبل السلطة الفلسطينية والسلطات المحلية. وهذا يمثل 30% تقريبًا من القوى العاملة في المناطق المحتلة. مما يعني أن انهيار السلطة الفلسطينية سينتج عنه إفقار نحو مليون فلسطيني –بحساب عائلات هؤلاء الموظفون-، ناهيك عن عشرات الآلاف من الأسر التي تعتمد على السلطة الفلسطينية أو على منح الإعانات الاجتماعية.

متظاهرون فلسطينيون يحملون لافتات للمطالبة برواتبهم المتأخرة. غزة-أبريل (نيسان) 2017

وعلاوة على ذلك، فإن النيوليبريالية أدت إلى تغلغل التمويل الأجنبي وخلق ما يسمى بعملية إضفاء الطابع المؤسسي على المنظمات غير الحكومية، حيث انتقل المجتمع المدني الفلسطيني والحركات الشعبية من التركيز على تحرير فلسطين إلى «التنمية» وكأنها منظمات تعمل داخل دولة عادية.

إن الأزمة تفاقمت بإشراك الجهات المانحة التي في كثير من الأحيان تملي على الفلسطينيين أجندتهم وأولوياتهم. ومن هنا، فإن الحركة الشعبية المستقلة التي تعتمد على التكافل الاجتماعي تم استبدالها بمنظمات المجتمع المدني التي تعتمد كليًا على التمويل الأجنبي.

وبالمثل، فإنه كما استخدم اتفاق أوسلو لمساعدة إسرائيل في تدمير أي احتمالية للسلام، فإنه أيضًا ضَمَن محو أي وجود لاقتصاد مستقل أو لمنظومات التكافل الاجتماعي.

إن الفلسطينيين، الذين كانوا قادرين في الانتفاضة الأولى على القيام بضربات اقتصادية متكررة كطريقة للاحتجاج، وخلق بدائل اجتماعية واقتصادية للنجاة تحت ظروف حظر التجول، يقعون جميعًا الآن تحت رحمة رواتب السلطة الفلسطينية، وصدقات الاتحاد الأوروبي والمساعدات الأجنبية، والتي تأتي كلها مقترنة بقيود وشروط.

اقرأ أيضًا: عباس يخنق غزة: لإزالة حماس أم للسيطرة عليها

المسألة الثانية هي الأمن. إن الكليشيه المشهور الذي عُرف به حكام العرب بعد الثورات الأخيرة هو «إما أنا أو الفوضى»، قد استخدمه قادة السلطة الفلسطينية أيضًا بشكل مباشر أو غير مباشر. إنهم استخدموا الانتفاضة الثانية وما أعقبها مما أطلقوا عليها «فوضى أمنية» كبعبع لتخويف الناس من العواقب التي ستحدث إذا غابوا عن المشهد.

أما المسألة الأخيرة فهي أنه وفي حالة غياب بديل جذاب، فإن الناس تخاف من احتمالية أن ينجح عباس. وقد نوقشت وجهة النظر هذه في «فتح» نفسها وهناك عدد ممن يطالبون بالمنصب. لا يقدم أي منهم أي شيء سوى استمرارية الوضع الراهن الذي أسس له ياسر عرفات، القائد السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية، في سنواته الأخيرة، وتحول إلى «تحفة فنية» على يد عباس. إنهم سيتصرفون كالخدم الممنونين لصالح الأنظمة الأجنبية، وسيكونون بمثابة القفاز المخملي للقبضة الحديدية الإسرائيلية.

خلع القفاز المخملي

إن أي تحدي للوضع الراهن يأتي مقترنًا بعقبات، لكنها ليست من المستحيل تخطيها.

أي نهج جديد يجب أن يبحث بناء اقتصاد مستقل، وتقوية الشعور بالتكافل الاجتماعي بين الفلسطينيين. وأي دعم من الخارج يجب أن يركز على المساعدة في خلق اقتصاد مكتفي ذاتيًا. وفي الوقت ذاته، يجب أن يملك الشعب الفلسطيني قرارهم في أمر من سيمثلهم. إن ذلك هو حق الفلسطينيين في الشتات ومخيمات اللاجئين، كما هو تمامًا حق الفلسطينيين في فلسطين التاريخية.

وعلى الصعيد الأمني، فإن الفلسطينيين لديهم تاريخ غني في التنظيم الذاتي، والحشد، وتكوين الحركات الشعبية وتدشين لجان المساعدة المتبادلة.

إذا استوفيت هذه الشروط، فإن الفلسطينيين سيكونون قادرين على تخطي حاجز المساعدات الأجنبية التي تقف حائلًا في طريقهم للتخلص من الاحتلال، والأمر الأكثر أهمية هو أنهم سيملكون اليد العليا لرفض أي قيادة –قديمة أو جديدة- تكون غير مخلصة لطموح التحرير والعدالة وحق العودة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s