وفقًا للإشعارات في هاتفي، فإنَّ لديَّ 667 مقالًا غير مقروء في حسابي على تطبيق Instapaper، كما تنتظرني 12 رواية على أمازون لم أحمِّلها بعد، و142 رسالة بريدية غير مقروءة، وأعاني ممَّا يُطلِق عليه اليابانيون «تسوندوكو» (إذ لحِقَت كَومةٌ من الكُتُب والمجلات طاولتي ومكتبي منذ وقتٍ طويل).

إنَّني غارقٌ في الكلمات مثل الكثيرين من الناس، لا عجب إذًا أنَّ القراءة السريعة – القراءة بسرعةٍ زائدة دون غياب الفهم – أصبحت بصورةٍ متزايدة ملجأ شائعًا لمَن يحبون إنجاز الأمور بسرعةٍ ولأي شخص يتعبَّد في معبد الإنتاجية. من لا يرغب في الانتهاء بسهولةٍ من قائمة قراءاته بمُعدَّل 2500 كلمة في الدقيقة ويصل لمستويات مثل الإنسان الآلي جوني 5؟

هذا هو تقريبًا ما تَعِد به ديناميكيَّات إيفيلين وود للقراءة، ومشروع تيم فيريس «بي إكس»، وبرنامج Spritz، وعدد لا يُحصَى من تقنيات القراءة السريعة الأخرى للقُرَّاء الغارقين. يتضمَّن بعضها كبت حديثك الداخلي خلال القراءة، ويُعلِّمك بعضها تقسيم النص إلى قطع، أو قراءة عدة سطور من النص في لمحةٍ واحدة، ويستبعد بعضها الحاجة إلى تحريك عينيك من الأساس. لسوء الحظ، تؤكِّد عقودٌ من البحث النفسي والأفكار الحديثة عن نظام المعالجة البصرية أمرًا واحدًا؛ وهو أنَّ فعل الأشياء بسرعة يعني فعلها بدقِّةٍ أقل. هل يمكنك أن تتعلَّم القراءة أسرع؟ بالتأكيد، ولكنَّك لن تفهم ما قد قرأته للتو جيِّدًا، إذا فهمته من الأساس.

يستطيع معظم الأشخاص المُتعلِّمين القراءة بنفس مُعدَّل حديث بائع المزاد تقريبًا (ما بين 250 و400 كلمة في الدقيقة) مع الفهم الجيِّد. يتراوح مُعدَّل المحادثة العادية بين شخصين ما بين 150 و160 كلمة في الدقيقة (وهو كذلك المُعدَّل الموصَى به للنشرات الصوتية والكتب الصوتية)، يجعل هذا من القراءة العادية عمليةً مُعقَّدةً على نحوٍ هائل. تقول إليزابيث شوتر؛ عالمة النفس المعرفي بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو: «إذا فهمتَ هذا الأمر وقدَّرته، سيُصبِح من الواضح جدًا أنَّه ليس باستطاعة أي شخص قراءة 1000 أو 2000 كلمة في الدقيقة ويحافظ على نفس مستويات الفهم عند قراءة 200 أو 400 كلمة في الدقيقة».

تشرح شوتر وزملاؤها في ورقة بحثية ستصدُر بعنوان «الكثير من القراءة والقليل من الوقت: كيف نقرأ؟ وهل يمكن للقراءة السريعة مساعدتنا؟» العمليات العقلية والبصرية المُتضمَّنة في القراءة؛ بدءًا من الرموز التي تمتصها العين، وحتى المعالجة المعرفية التي تدور في الخلفية، فهي رقصةٌ متشابكة بين عددٍ من العمليات العقلية والبصرية، تعتمد بشدَّة على اللغة.

إنَّ القراءة والكتابة هما على عكس الحديث «غير طبيعيان من الناحية المعرفية» – وهو مصطلح مستعار من ستيفن بينكر؛ عالم النفس التطوُّري وعالم اللغويات – ليس على الآباء تعليم طفلهم الحديث؛ فهو غريزة بشرية ببساطة. أمَّا الكتابة، على الجانب الآخر، فلا تأتي بصورةٍ طبيعيةٍ. لماذا يهم هذا الأمر؟ تعتمد القراءة والكتابة على اللغة والحديث، فهما ليستا عمليتين بصريتين تمامًا. لهذا تبعات عميقة على كيفية معالجة البشر للكتابة وفهمهم لها، تبعات تتجاهلها كل تقنيات القراءة السريعة تقريبًا أو تُشوِّهها.

أحد المساوئ الأكثر شيوعًا في عالم القراءة السريعة هو النطق الصامت، وهو الحديث الداخلي الذي يسمعه القُرَّاء في رؤوسهم عندما يقرؤون في صمت. تقول شوتر: «يميل الجميع تقريبًا إلى التفكير في أصوات الحديث عندما يقرؤون، لأنَّنا نتعلَّم جميعًا أن نتحدَّث ونستمع قبل أن نتعلَّم أن نقرأ».

النطق الصامت في نظر مؤيِّدي القراءة السريعة هو ببساطة أمر مُستمر منذ بدأ البشر تعلُّم القراءة بصوتٍ عالٍ ويمكن التخلُّص منه. تقول النظرية إنَّ كبته سيُقلِّل من العائق الذي يُشكِّله هذا الصوت الداخلي على مُعدِّل قراءة الفرد الداخلية.

والمشكلة أنَّه عندما حاول العلماء جعل الناس يستبعدون هذا النطق الصامت – عبر جعلهم يهمهمون باستمرار خلال القراءة، أو يدندنون بنغمةٍ بينما يقيس مجسٌّ أي نشاط في أحبالهم الصوتية – انخفض الفهم بصورةٍ ضخمة. تقول شوتر: «هناك الكثير من الأدلة على أنَّ الناس عندما يتعرَّفون على الكلمات بصريًا، يُفكِّرون في صوتها لكي يفهموها».

فكِّر فيما يحدث عندما تُرِي الناس كلمات قد يشبه صوتها كلمات مختلفة ثم تطلب منهم إصدار حُكم سريع عليها، مثل: «هل تُعبِّر هذه الكلمة عن طعام؟» تقول شوتر: «إذا أعطيتهم كلمة لا تُعبِّر عن طعام، مثل Meet، ولكن الكلمة تشبه كلمة تُعبِّر عن الطعام فعلًا مثل Meat، سيجيبون بأجل على الأرجح على الرغم من أنَّها الإجابة الخاطئة»، وتقول إنَّه حتى عندما يُجيب الناس بكلَّا يستغرقهم الأمر وقتًا أطول. ولكن عندما يرى الناس كلمة متشابهة بصريًّا مثل Melt لا يجدون صعوبةً في قول الإجابة الصحيحة.

كما تستهدف القراءة السريعة مستهلِكات الوقت التي تُعرَف بالارتدادات وحركات العين، تصف الأولى إعادة القراءة السريعة غير الواعية التي يفعلها البشر عندما لا يفهمون شيئًا ما، والثانية كلمة تصف حركات العين النفضية التي تدوم لثانية والتي يستخدمها القارئ لتحريك مركز الشبكية من كلمةٍ إلى أخرى.

تستبعد Spritz؛ وهي شركة تستخدم طريقة تُعرَف اختصارًا بـ RSVP (العرض البصري التسلسلي السريع)، حركات العين المُهدِرة للوقت عبر عرض كل كلمة على حده، مُسلِّطةً الضوء على ما تُطلِق عليه «نقطة التعرُّف الأمثل» على كل كلمة.

يقول العلم إنَّ لهذا أثرًا سلبيًّا على الفهم، فاستبعاد قدرة القارئ على الرجوع إلى شيءٍ ما وإعادة قراءته ينتزع أداةً هامةً لفهم النص كما وجدَت شوتر في دراسةٍ سابقة. وتقول: «لا تعرف البرامج والتطبيقات ماذا تفعَل، فهم لا يعرفون ما هو تصوُّرك الداخلي، لذا لا يمكنهم تعويضك عن الفشل في الفهم لأنَّهم لا يتمتَّعون بقدرة الوصول إلى تلك المعرفة».

بينما لا تحصل في الحقيقة على أي معلومات بصرية جديدة خلال حركات العين، إلَّا أنَّ الأبحاث توضِّح أنَّ المعالجة المعرفية تستمر خلالها، فعقلك يستخدم هذه الإشارات التي تدوم لثانية لكي يستمر في معالجة ما قد قرأتَه للتو.

يُلخِّص وودي آلان الأمر بصورةٍ رائعة بقوله: «لقد حضرتُ دورةً عن القراءة السريعة، واستطعتُ قراءة كتاب الحرب والسلام في عشرين دقيقة، إنَّه يتحدَّث عن روسيا». يعني هذا الاقتباس أحد الانتقادات الرئيسية الموجَّهة ضد القراءة السريعة، ولكن كذلك أحد المشاكل العلمية الجوهرية في ضحدها تمامًا، فبينما من السهل تتبُّع حركة العين وقياس سرعة القراءة، إلَّا أنَّ قياس الفهم أكثر صعوبةً.

تعترف شوتر بأنَّ «الأمر أشبه بسؤال مفتوح، ماذا يعني حقًّا فهم جملة أو فقرة أو نص؟ كيف يجب أن يكون الفرق بين معرفتك بالكلمات نفسها في مقابل معرفتك بالخُلاصة في مقابل معرفتك بكل شيء فيما بينهما من حيث التفاصيل؟» تقترح بعض الدراسات أنَّ السلوك المُرتبط بالقراءة يتغيَّر بناءً على أنواع الأسئلة الخاصة بالفهم التي تطرحها. فتقول شوتر: «فالناس على سبيل المثال يقرأون بطريقةٍ مختلفةٍ إذا توقَّعوا طرح سؤالٍ عن كلمةٍ معينة عليهم».

يميل تحديد مجموع حسابي لفهم مُلخَّصات النصوص إلى أن يكون ذاتيًّا، ولذا يقيس الباحثون مثل شوتر الفهم عادةً من خلال أسئلة اختيار من متعدد تُطرَح بعد جملةٍ أو فقرة. ولكن لا تكون هذه الاختبارت جيِّدة سوى بقدر جودة الأسئلة، وتُبطِل الإجابات الخاطئة أثر الإجابة الصحيحة.

الخلاصة

بالرغم من هذه الصعوبات إلَّا أنَّ معظم الأدلة العلمية ما زالت تُشير إلى شيء واحد؛ وهو أنَّ القراءة السريعة هي في جوهرها مُجرَّد شكلٍ من التصفُّح، والتصفُّح قد يكون رائعًا (ومُفضَّلًا) في بعض المواقف. قد تكون برامج مثل Spritz ومناهج العرض البصري التسلسلي السريع الأخرى – يُقدِّم تطبيق Instapaper الآن خاصية للقراءة السريعة أيضًا – مفيدة لقراءة النصوص والمقالات القصيرة، خاصةً على الشاشات الذكية الصغيرة. ولكن إذا كان هدفك قراءة قطع أكبر من النصوص أسرع، بالإضافة إلى اكتساب قدر من التبصُّر وفهم معناها بقدر الإمكان، يُقدِّم لك العلم حلَّين فقط؛ اقرأ أكثر لتزيد من حصيلة كلماتك، أو اقرأ أمورًا تعرف عنها الكثير بالفعل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد