حين يتحدَّث قائد الحرس الثوري الإيراني ينصت الجميع.

أدلى الجنرال محمّد علي جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني، حسبما ورد في التلفزيون الإيراني (Press TV)، أدلى ببعض التصريحات الحادّة بشأن المملكة السعودية صباح الإثنين؛ إذ قال منتقدًا العدوان السعودي على اليمن: «بكل صفاقة ووقاحة أقدمت المملكلة السعودية اليوم على قصف وذبح أمة تسعى لنيل حريتها، اليوم يقترب آل سعود من الهاوية».

إنصافًا للإيرانيين، فهم ليسوا الوحيدين الذين أدلوا بهكذا تصريحات خلال العام الجاري، بل إن العديد من المحللين الغربيين يعتنقون مثل هذه الآراء.

إن كنتَ قد قرأتَ ما كتبه نسيم طالب وجريجوري تريفيرتون في مجلة فورين أفيرز فستدرك أن السعودية تتجه نحو ثورةٍ وشيكة. اقتصاد المحصول الواحد، والنظام الاستبدادي المركزي، وقمع التحركات السياسية كلها أمور تنذر بذلك. الخبير الإقليمي جوان كول أيضًا كتب في يناير بأن التحديات التي تواجه الحكم الديكتاتوري السعودي صعبة للغاية. يؤكد هذان الرأيان ما قاله فرانسيس فوكوياما قبل عدة أعوام بأن «الاستبداد في الصين أعلى جودة بكثير منه في الشرق الأوسط»، في تلميح بأن الاستبداد العربي محكومٌ عليه بالفشل.

تستند تلك الادعاءات إلى حجةٍ قوية، إذ لا يبدو الشرق الأوسط كما لو كان منطقةً مستقرةً في الوقتِ الراهن. على آل سعود التعامل مع النفوذ الإيراني المتزايد في الهلال الشيعي، والحروب المشتعلة في سوريا واليمن، والسخط المتزايد في البحرين، وأخيرًا مع احتمالية أن يعقد حليفهم الرئيسي صفقةً مع منافسهم الدائم في المنطقة. أسعار النفط أعلى مما كانت عليه قبل عدة أشهر، لكنها لا تزال منخفضة مقارنةً بالسنوات الماضية. ولا ننسى كذلك أن السعودية قد اضطرت حديثًا للتعامل مع تغير ملكها أيضًا.

تلك كلها أسباب وجيهة تدعو إلى التشاؤم بشأن مستقبل آل سعود. ولكن، قد يكون من المفيد أن ننظر للأمر من زاويةٍ مختلفة. كما لاحظ الخبراء الاقتصاديون، فقد كان صعود الملك سلمان للعرش السعودي مختلفًا بعض الشيء عن سابقيه. إذ نادرًا ما حدث انتقال للسلطة بين حكام المملكة السعودية الكهول بمرونةٍ كهذه.

لم يلبث الملك سلمان أن اعتلى العرش في 23 يناير بعد وفاة أخيه غير الشقيق عبد الله، حتى حسم السؤال الأكثر حساسيةً وإلحاحًا في الأسرة الحاكمة: «من سيكون الملك القادم؟ ثم من سيكون ملكًا بعده أيضًا؟» يُعلق أحد السعوديين مازحًا: «قد أدى الملك 90 بالمائة من وظيفته في يومٍ واحد!».

في عام 2006، أسس الملك عبد الله ما يسمى بـ «هيئة البيعة» التي تشمل 35 عضوًا يمثلون جميع فروع السلالة الحاكمة، وذلك لضمان الانتقال السلس للسلطة. إذا كان أمر التصويت على تعيين الأمير محمد بن نايف وليًا للعهد صحيحًا، فنستطيع أن نعد هذا استعراضًا نادرًا للديمقراطية داخل الأسرة الحاكمة. أما بالنسبة لأولئك الذين أُطيح بهم كمتعب بن عبد الله، نجل الملك الراحل وقائد الحرس الوطني فيبدو أنهم قد اختاروا البقاء الجماعي على الطموح الفردي.

من الجدير بالذكر أن المملكة السعودية هي السبب وراء انهيار أسعار النفط في أواخر العام الماضي، إذ يعتقد آل سعود بأن طهران وبسبب سوء إدارتها الاقتصادية هي أكثر تأثرًا من الرياض بانخفاض أسعار النفط.

بالنسبة لعدم الاستقرار في المنطقة، يقول راي تقية إن تزايد القوة الإيرانية وامتناع الولايات المتحدة عن التدخل عسكريًّا قد أدّيا إلى توازنٍ طبيعي.

يقول راي: «في ظل غياب الوصاية الأمريكية، فإن الدول العربية السنية تتحد سويًّا لتخوض معًا الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط. تمثل المملكة السعودية محور التحالف الجديد بين الثروة السعودية والثقل المصري لمواجهة قوة إيران المتنامية. تعهدت القاهرة بدعم المجهود الحربي السعودي في اليمن، وعلى الرغم من أن هذا التعاون لم يتم إلا على الصعيد العسكري إلا أنه يبدو  أن الدول السنية قد بدأت العمل معًا لاستعادة نفوذها من جديد.»

كما يقول ليز سلاي في تقريره للواشنطن بوست، فإن ثمة غرضًا آخر من التحالف السني وهو جني الأرباح في سوريا.

طبقًا لسلاي تُظهر مكاسب «المتمردين» في سوريا كذب ادعاءات صمود نظام الرئيس بشار الأسد الذي يبدو في مأزقٍ كبير. كانت السيطرة على بلدة جسر الشغور شمال محافظة إدلب جزءًا من سلسلة انتصارات أحرزها المتمردون الذين حققوا تقدمًا ملحوظًا شمال وجنوب البلاد. يُعزى انتعاش «المتمردين» إلى التقارب الأخير بين المملكة السعودية ومنافسيها السابقين، تركيا وقطر.

منذ ورثَ العرش في يناير، سارع الملك السعودي لمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، بالإقدام علنًا على حرب جوية ضد «المتمردين» الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. يقول خاشقجي بأن ردة فعله جاءت كذلك لدعم «المتمردين» الضعفاء والمنقسمين في سوريا وذلك بالتنسيق مع قطر وتركيا.

نتج عن ذلك، ظهور تحالف من «المتمردين» شديد التماسك يُسمى بجيش الفتح والذي يتكون من جبهة النصرة حليفة القاعدة، ومجموعة متنوعة من ألوية معظمها إسلامية وعدد قليل من كتائب أكثر اعتدالًا. أثبت الائتلاف نجاحًا فاق التوقعات.

يبدو إذًا أن المزاعم باقتراب نهاية آل سعود كانت مبالغًا فيها إلى حدٍّ ما. تلعب الرياض دورًا فعالًا في الكثير من بؤر الصراع في المنطقة خاصة إذا كانت هذه البؤر تهدد استقرار النظام السعودي، قد يكون إذًا الخطاب الإيراني الحاد مجرد محاولة لتعويض انتكاساتها في المنطقة.

على أي حال فإن استقرار النظام السعودي على المدى البعيد وارتباطه بمصالح الولايات المتحدة, هي المسألة الأهم التي يُفضل طرحها فيما بعد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد