في مستهل تحليلٍ نشره المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ispi)، سلطت رئيسة مركز الشرق الأوسط في المعهد، فاليريا تالبوت، الضوء على ما شهده هذا العام من تحوُّلٍ تدريجيٍّ في سياسة تركيا الخارجية تجاه دول المنطقة وقضاياها. 

فبعدما كانت أنقرة تتبع نهجًا استباقيًّا وحازمًا في ساحة البحر  الأبيض المتوسط خلال السنوات الأخيرة، تحوَّلت مؤخرًا إلى تبنِّي موقفٍ أقل تصادميَّة، بعدما أدركت إدراكًا عميقًا أنها بحاجة إلى كسر عزلتها الإقليمية، والعودة إلى تكوين الصداقات مرة أخرى، وبدافعٍ من التطورات الدولية والإقليمية والمحلية، اتجهت تركيا إلى فتح قنواتٍ جديدةٍ للحوار مع جيرانها في محاولةٍ لنزعِ فتيل التوترات وإصلاح العلاقات، حسبما ورد في التحليل.

تحولات دولية وإقليمية

على الصعيد الدولي، صعدت إدارة جديدة إلى سدة الحكم في واشنطن بقيادة بايدن، ودفعت بنهج «الدبلوماسية أولًا» ليقود سياستها الخارجية، وأظهرت قدرًا أقل من التصالحية مع «مبدأ عدم التدخل» الذي تبناه ترامب حيال منافسات الشرق الأوسط، وقد مهدت هذه التطورات الطريق – وإن كان على نحوٍ غير مباشر – لإعادة صياغة موقف دول المنطقة، التي كانت حريصة بالفعل على تقديم نفسها للرئيس الأمريكي الجديد بوصفها مشجعةً على الاستقرار، فضلًا عن كونها مهتمة بالمصالحة.

ولم تكن تركيا استثناءً من دول المنطقة، وإن كانت مهمتها شديدة الصعوبة، بفعل الانتكاسات الكثيرة التي مُنِيَت بها علاقتها مع الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، على حد قول الباحثة.

Embed from Getty Images 

قطار المصالحة ينطلق من الخليج

بناءً على هذه التطورات، كانت الخطوة الأولى الملموسة على درب إعادة صياغة العلاقات الإقليمية، هي: «اتفاق العلا» الذي أدار البوصلة باتجاه استعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الكاملة بين قطر ودول الرباعية العربية (السعودية والإمارات والإمارات ومصر)، بعد حصارٍ دام ثلاث سنوات ونصف. 

وبعدما انطلق قطار المصالحة من الخليج، بدأت رياح التطبيع تهُبُّ على دول أخرى في المنطقة، أنهكها الصراع بعد سنوات من المواجهة والحروب المكلفة بالوكالة في ليبيا وسوريا واليمن؛ كما أن الاضطراب الذي أصاب الأنشطة الاقتصادية والتجارية بسبب الجائحة، والحاجة إلى التعافي من أثر هذه الوعكة؛ كان له دورٌ مُحَفِّز  لاستكشاف سُبُل التغلب على أزمات المنطقة ونزاعاتها. 

وقد أدى تقارب الدوحة مع الرياض، وبدرجةٍ أقل مع أبو ظبي، إلى إعادة صياغة الديناميكيات الجيوسياسية، مما يمهد الطريق لتخفيف حدة المنافسة تدريجيًّا بين المحور القطري-التركي ودول الرباعية العربية؛ في هذا السياق المتطور، خطت أنقرة أيضًا خطواتٍ تدريجية على درب إعادة ضبط سياستها العسكرية وتجديد ملامح علاقاتها مع منافسيها العرب الرئيسيين. 

صعوبة استدامة النهج التركي

وبعيدًا عن الديناميكيات المتغيرة على الصعيدين الدولي والإقليمي، تؤكد الباحثة صعوبة استدامة النهج العسكري التركي في الخارج، ناهيك عن تحمُّل فاتورة عزلتها الإقليمية. 

ولا غروَ، فقد كان الرأي العام المحليُّ غير متحمِّسٍ للسياسة الخارجية التدخلية التي تتبعها أنقرة، بحسب التحليل؛ صحيحٌ أن العمليات العسكرية التركية في سوريا حظيت بدعمٍ كبيرٍ على كافة المستويات، لكن كان من الصعب إقناع الشعب التركي بأن الأزمات البعيدة، كما في ليبيا، يمثِّل تهديدًا لأمنه القومي.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى ذلك، طفت على السطح اعتباراتٌ اقتصادية، في ظل عدم قدرة تركيا على تحمل التكلفة الاقتصادية المزدوجة المترتبة على التوترات الجيوسياسية ونشاطها المحموم في المنطقة، وتحت وطأة الوضع الاقتصادي الذي يموج بالاضطراب – والمرتبط في الأساس بضعف عملتها الوطنية إلى جانب الارتفاع المطرد في معدل التضخم، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة في البلاد – بدا أن تغيير المسار الذي تنتهجه أنقرة في إدارة علاقاتها الإقليمية هو الخيار الرئيس القابل للتطبيق. 

ولا شك أن البراجماتية الاقتصادية لها دور مهم في دفع تركيا إلى إصلاح علاقاتها مع شركائها القدامى داخل المنطقة وخارجها؛ فعلى مدار العام المنصرم، ركزت أنقرة جهودها الدبلوماسية على مصر والسعودية والإمارات، ووصلت إلى نتائج متباينة حتى الآن. 

مصر.. المصالح أعلى صوتًا

بعد جولتين من المحادثات بين تركيا ومصر، عادت الاتصالات الثنائية بعد انقطاع دام ثماني سنوات؛ لكن على الرغم من «أن الجانبين أكدا رغبتهما في اتخاذ مزيد من الخطوات.. واتفقا على مواصلة المشاورات»، ترى الباحثة أن الطريق إلى المصالحة لا يزال طويلًا، وتستبعد أن يتوافق الطرفان على استعادة العلاقات الثنائية كاملةً قريبًا. 

يَخلُص التقرير إلى أن الطريق لا يزال طويلًا بين القيادتين التركية والمصرية، حتى لو بدا أن ردم تلك الهوة ليس مستحيلًا مع مرور الوقت؛ فمنذ إزاحة الرئيس المصري السابق محمد مرسي عن الحكم في عام 2013، دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره عبد الفتاح السيسي في حلقة طويلة من تبادل الاتهامات.

اقتصاد

منذ شهرين
أمريكا ستتبع سياسة نقدية جديدة.. كيف سيؤثر ذلك في مصر وتركيا؟!

وأحد الركائز الرئيسة للخلافات بين الجانبين هو دعم أنقرة لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، خاصةً بعد أن تحولت إسطنبول إلى ملاذٍ إقليمي آمن لأعضاء الحركة المنفيين؛ وفي حين ترى مصر أن على تركيا تقديم تنازلاتٍ أولًا، تشير الباحثة إلى أن الجانبين لديهما أسباب وجيهة للتوصُّل إلى تسويةٍ لنزاعاتهما الممتدة من الساحة الليبية إلى ملف غاز شرق البحر المتوسط. 

لكن بعيدًا عن التوترات الدبلوماسية، استمرت التجارة الثنائية بين البلدين في الازدهار، وإن كان لا يزال مجال كبير لتحسين هذه العلاقة؛ فوجود أكثر من 100 مليون شخص يجعل السوق المصري واعدًا للغاية، وقد تصبح مصر أيضًا بوابة الوصول إلى الأسواق الكبيرة الأخرى في أفريقيا. 

علاوةً على ذلك، ترى تركيا أن مصر يمكن أن تكون بديلًا مناسبًا لتنويع إمدادات الغاز، خاصةً الغاز الطبيعي المسال، ولتقليل اعتمادها المفرط على روسيا؛ ومع ذلك، يستبعد التحليل حدوث تطورات على صعيد ملف الغاز؛ لأن أي محادثات ثنائية بين تركيا ومصر لن تكون سوى جانبٍ واحدٍ من لعبةٍ إقليميةٍ أوسع وأكثر تعقيدًا تشمل أيضًا إعادة رسم الحدود البحرية المتنازع عليها. 

وعليه، تخلص الباحثة إلى أن فتح قنوات الحوار ليس كافيًا، بل يتعين حلُّ عديدٍ من العقد، وإلا فيستبعد في الوقت الحالي أن تخطو الدولتان خطوات ملحوظة على درب تحسين العلاقات الثنائية.

الإمارات.. قصة مختلفة

أما الإمارات، فقصتها مختلفة، ومن المفارقات أن الدولة التي كان يُنظر إليها على أنها المنافس الإقليمي الرئيس لتركيا، أصبحت أول دولة تستأنف علاقاتها مع أنقرة. 

وقد جاء الاجتماع الذي انعقد مؤخرًا بين ولي عهد الإمارات محمد بن زايد آل نهيان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو الأول منذ ما يقرب من عقد، ليضفي صبغةً رسميةً على عملية التقارب التي انطلقت منذ شهور وشكلت نقطة تحولٍ في العلاقات بين الجانبين بعد خلافٍ طال أمده، ووضع الدولتين على طرفي نقيضٍ في النزاعات الإقليمية الرئيسة. 

Embed from Getty Images

كانت المصالح الاقتصادية بلا شك هي القوة الدافعة الرئيسة وراء المصالحة، فبينما تراهن أبو ظبي بقوةٍ على الدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز تعافيها من أثر الجائحة، تبحث أنقرة عن استثمارات وشركاء اقتصاديين جدد في الفترة المقبلة. 

وآية ذلك، أن وقَّع الطرفان خلال الزيارة على عشرات الاتفاقيات التي تمهد الطريق للتعاون في عدة مجالات، أبرزها: الطاقة والتجارة والبيئة؛ علاوة على ذلك، أسست الإمارات صندوقًا بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمارات الإستراتيجية في تركيا، كما أفادت تقارير بأن الجانبين أجريا محادثاتٍ حول اتفاقٍ محتملٍ لمبادلة العملات بين البنك المركزي التركي ونظيره الإماراتي. 

ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي تسعى فيها تركيا إلى إبرام اتفاقيات لتبادل العملة، بهدف زيادة احتياطياتها ودعم الليرة في أزمتها (انخفضت العملة الوطنية خلال هذه الأيام فقط بنسبة 15%)؛ ففي عام 2020، على سبيل المثال، وقعت تركيا اتفاقية مبادلة مع قطر بقيمة 15 مليار دولار. 

ماذا عن السعودية وإسرائيل؟

وفي ضوء الزيارة المتوقع أن يقوم بها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى الإمارات العربية المتحدة في شهر ديسمبر (كانون الأول)، ترجح الباحثة اتخاذ المزيد من الخطوات خلال الأشهر المقبلة لتعزيز الشراكة المتجددة بين البلدين، وقد ينتج عن ذلك تداعيات تؤثر في التوازن الجيوسياسي في المنطقة. 

صحيحٌ أن علينا الانتظار حتى نرى كيف سيؤثر هذا التقارب في جهود المصالحة التركية مع اللاعبين الإقليميين الآخرين، وبالتحديد المملكة العربية السعودية وإسرائيل، يرجح التحليل، استنادًا إلى الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية، أن تتسمك تركيا بالسير على هذا الدرب في عام 2022، مهما كان طريقها وعرًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد