في السادس عشر من شهر أبريل (نيسان) المقبل، ستكون تركيا على موعد مع استفتاء على التعديلات الدستورية، الذي ستحدد نتيجته تحول البلاد إلى النظام الرئاسي، أو بقاء النظام البرلماني الحالي.

وتشهد البلاد حالةً من الانقسام بين الأحزاب السياسية المؤيد منها، والمعارض لهذه التعديلات. فيما يدور جدلٌ حول ما إذا كان الرئيس التركي الحالي «رجب طيب أردوغان» يسعى لتركيز كل السلطة في يده.

مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية نشرت تقريرًا لمحرر شئون الشرق الأوسط بالمجلة «ديفيد كنر»، قال فيه إن التصويت على التعديلات الدستورية سيعكس وجهات نظر البلاد حول حكم «أردوغان» الذي دام 14 عامًا. أما بقية دول العالم، فهي تجري استفتاءها غير الرسمي على «أردوغان».

أضاف التقرير أنه على مدار أكثر من ثلاثة أيام من الاجتماعات التي عقدت الأسبوع الماضي في أنقرة مع صحافيين أمريكيين، فقد دافع المسؤولون الحكوميون عن التعديلات باعتبارها إجراءات مشجعة لضمان الاستقرار الإداري، وإصلاح الدستور غير الديمقراطي، الذي وضعه الديكتاتوريون العسكريون السابقون في البلاد.

وحذر زعماء المعارضة الذين يتزعمون حملة «لا» في الاستفتاء من أن البلاد تنزلق إلى الاستبداد، ففي بعض الأحيان يقارنون أسلوب حكم الرئيس التركي مع الديكتاتوريين مثل «صدام حسين».

وتابع التقرير بقوله إنه من السابق لأوانه التنبؤ بما إذا كان «أردوغان» سيفوز بالاستفتاء المقبل، ولكن حكومته أثبتت بالفعل أنها غير قادرة على تسويق قضيتها في الغرب.

خلاف مع الدول الأوروبية

أثار الاستفتاء -بحسب التقرير- بالفعل خلافًا جديدًا بين تركيا والعديد من الدول الأوروبية. وقد حظرت كل من ألمانيا التي ستشهد انتخابات عامة في سبتمبر (أيلول)، وهولندا التي جرت فيها الانتخابات العامة، وسط تزايد المشاعر المعادية للمهاجرين، عقد أي تجمعات انتخابية للمسؤولين الأتراك، الذين يسعون إلى كسب أصوات المغتربين الأتراك لصالح الاستفتاء. ورد «أردوغان» بوصف كلا البلدين بالنازيين، محذرًا من أن هولندا «ستدفع الثمن» على موقفها.

وقال التقرير: «إن الخلاف مع ألمانيا وهولندا هو مثال واحد فقط. في مجموعة من القضايا –من حالة الديمقراطية في تركيا إلى الدور التركي في سوريا، وطلب تركيا تسليم رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن، الذي تتهمه تركيا بالتخطيط لمحاولة الانقلاب في الصيف الماضي– رفضت الدول الغربية تبني آراء أنقرة».

ورأى التقرير أن أنقرة مسؤولة بشكل جزئي عن حالة الاغتراب التي تشهدها عن بقية الدول الأوروبية.

الأسبوع الماضي نظم عمدة أنقرة «ميليه غوكسيك» زيارةً إلى تركيا لأكثر من 12 صحافيًاّ أمريكيًّا من صحف مثل صحيفة نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وول ستريت جورنال. وصف هذا الحدث بأنه فرصة للقاء كبار المسئولين في البلاد، ومن بينهم الرئيس «أردوغان» للاستماع إلى روايتهم لمحاولة الانقلاب، ولماذا يتعين على الولايات المتحدة تسليم «كولن».

غير أن الاجتماعات لم تنجز، وتقابل الصحافيون في اجتماع استمر أربع ساعات مع «غوكسيك» نفسه. وغادر غالبية الصحافيين الاجتماع احتجاجًا. خلال الحديث، فشل «غوكسيك» في تقديم دليل واحد على تورط «كولن» في الانقلاب، وبدلًا من ذلك قدم رؤيته التآمرية الخاصة، بحسب ما أورد التقرير.

حذر عمدة أنقرة، وهو عضو في حزب العدالة والتنمية الحاكم، من أن الأعداء الأجانب والمحليين تسببوا في زلازل بتركيا. كما اعتبر أن «باراك أوباما» و«هيلاري كلينتون» ساهما في تأسيس تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، مستشهدًا بتصريحات للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب».

ونقل التقرير عن «غوكسيك» قوله عندما طلب منه تقديم المزيد من الأدلة: «أتحقق كثيرًا. لدي أكبر جهاز استخباراتي في العالم. أتدري ما هو ذاك؟ جوجل».

اقرأ أيضًا: بعد تصريحات أردوغان عن «نازية ألمانيا».. معركة حظر الدعاية إلى أين؟

دفاع المؤيدين

مسؤولون آخرون دافعوا على التصويت بـ «نعم» عبر الإشارة إلى عدم استقرار الائتلافات الحاكمة –فقد كان لدى الجمهورية 65 حكومة في تاريخها البالغ 94 عامًا– إذ يمثل عاملًا أساسيًّا في عرقلة الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها، وتمكين كادر من البيروقراطيين غير المنتخبين وضباط الجيش.

ونقل التقرير عن نائب رئيس الوزراء «محمد سيمسيك» قوله: «إنني أؤمن حقًّا بأن النظام الحالي غير مستدام… ومعرض للأزمات والصراعات. إنني أوصي تمامًا بالنظر إلى نص التعديلات بدلًا من التركيز فقط على المخاوف والنظريات حول الرئيس أردوغان».

وفقًا للتقرير، ستركز التعديلات الدستورية السلطة التنفيذية في يد الرئيس. ومن شأن التعديلات أن تمنحه سلطة تعيين الوزراء وفصلهم، فضلًا عن وضع ميزانيات الدولة. وسيكون الرئيس قادرًا على العمل لمدة خمس سنوات، وعلى عكس الوضع الحالي، الاستمرار في العمل رئيسًا لحزب سياسي. ومع دخول هذه التغييرات حيز التنفيذ في عام 2019، من شأن ذلك أن يسمح للرئيس التركي بالبقاء في السلطة حتى عام 2029.

بيد أن المسؤولين الحكوميين يؤكدون أن مجموعة التعديلات ستعزز فعلًا فصل السلطات في تركيا عن طريق تقسيم السلطات القائمة للبرلمان مع الرئاسة. وسيحتفظ البرلمان بسلطة الموافقة على ميزانية الرئيس، والتصديق على المعاهدات الدولية، وإعلان الحرب، وإلغاء المراسيم الرئاسية من خلال التشريع.

مع وضع المزايا القانونية للتغييرات الدستورية جانبًا، يصور المسؤولون الحكوميون التصويت بـ«نعم» على أنه انتصار ضد خصومهم المحليين، وأبرزهم أنصار «كولن» وحزب العمال الكردستاني، الذي خاض منذ عقود طويلة التمرد ضد الدولة.

موقف المعارضة

على الجانب الآخر، تعتقد المعارضة التركية أن تمرير التعديلات الدستورية يعني أنهم سيفقدون أي نفوذ سياسي حازوا عليه منذ محاولة الانقلاب في الصيف الماضي، وحملة «أردوغان» المحلية التي تلت محاولة الانقلاب، من خلال ترسيخ مكانته بصفته شخصية سياسية بارزة في البلاد.

ونقل التقرير عن «كمال قليتش دار أوغلو»، زعيم حزب المعارضة الأكبر بالبلاد قوله: «إننا لا نريد حكم الرجل الواحد. إنه نظام استبدادي. إن سلطة سن القوانين ستعطَى لرجل واحد مع مشروع التغيير هذا، ونحن نجد أن هذا خطير جدًّا».

ويتولى «قليتش دار أوغلو»، رئيس حزب الشعب الجمهوري، قيادة حملة «لا». لكنه يقول إنه يفعل ذلك في ظروف غير مواتية.

حالة الطوارئ التي تحكم تركيا منذ محاولة الانقلاب في الصيف الماضي أثرت تأثيرًا خطيرًا في المناقشات العامة؛ مما منع المجتمع المدني والمنظمات العامة من التعبير عن رأيهم في الاستفتاء خوفًا من الحكومة.

كما أكد «قليتش دار أوغلو» أن الغالبية العظمى من وسائل الإعلام التركية متعاطفة مع «أردوغان» بعد حملة قمع للصحافة خلال العام الماضي. وذكرت منظمة العفو الدولية مؤخرًا أن أكثر من 160 صحيفة قد أغلقت منذ محاولة الانقلاب، وسجن أكثر من 120 صحافيًّا؛ مما يجعل تركيا «أكبر سجن للصحافيين في العالم»، بحسب ما وصف التقرير.

وقال «قليتش دار أوغلو»: «لا توجد حرية للصحافة في تركيا»، مضيفًا بأن «أردوغان» جلب البلاد إلى «حافة الهاوية».

يذكر أن حزب الشعوب الديمقراطي، ثاني أكبر حزب معارض، لديه مخاوف من حملة قمع حكومية بعد الاستفتاء. يقبع حاليًا 13 من أعضاء الحزب الموالي للأكراد بالبرلمان في السجن، على خلفية اتهامات بصلاتهم بحزب العمال الكردستاني. وقد سجن كل من زعيمي الحزب «صلاح الدين دميرتاس»، و«فيجن يوكسكداغ» الذي تم تجريده من مقعده في البرلمان بعد إدانته بتهمة الإرهاب.

ومن بين المعتقلين المتحدث باسم الحزب «إيهاب بيلجن». وفي مقر حزب الشعوب الديمقراطي بأنقرة، يتولى «عثمان بيدمير»، عمدة مدينة ديار بكر الكردية، مهمة المتحدث باسم الحزب.

وقال «بيدمير» إن «أسلوب أردوغان السياسي يشبه أسلوب صدام حسين، أو بشار الأسد. إنهم يريدون إقامة دولة الحزب الواحد، كما هو الحال في كوريا الشمالية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد