لو أردنا أن نصف إسحاق عظيموف، بكلمة واحدة، فسوف تكون: «غزير».

لو أردت أن تصل إلى الرقم الذي كتبه عظيموف من روايات، وخطابات، ومقالات، وكتابات أخرى، خلال حياته، فسوف يتعين عليك أن تكتب رواية كاملة كل أسبوعين لـ25 عامًا.

كيف استطاع عظيموف أن يحصل على الكثير من الأفكار الجيدة، التي يحصل الواحد منا على واحدة أو اثنتين منها طول حياته؟ للكشف عن هذا الأمر بحث الكاتب الصحافي تشارلز تشو، في السيرة الذاتية لعظيموف، والمعنونة «لقد كانت حياة جيدة» واستخرج منها 6 إستراتيجيات استطاع عظيموف بها أن يصل إلى ما وصل إليه من غزارة الإنتاج. يقول تشارلز:

لم يولد عظيموف بالقدرة على الكتابة لثمانية ساعات يوميًا، سبعة أيام في الأسبوع. لقد مزق عظيموف أوراقًا، وأصابه الإحباط، وفشل مرارًا وتكرارًا. شارك عظيموف، في سيرته الذاتية، التكتيكات والإستراتيجيات التي تبناها لئلا يهرب من الأفكار مرة أخرى.

فلنقتبس ما استطعنا من هذه الأفكار.

١. لا تتوقف أبدًا عن التعلم

بحسب تشارلز، فإنَّ عظيموف لم يكن مجرد كاتب خيال علمي، وإنما كان حاصلًا على شهادة الدكتوراة في الكيمياء من جامعة كولومبيا، وكتب في مجالات الفيزياء، والتاريخ القديم، بل إنه كتب كتابًا عن الكتاب المقدس.

كيف كان قادرًا على الكتابة على هذا النطاق الواسع في عصر التخصص الشديد؟

بخلاف الكثير من «المحترفين» في أيامنا هذه، فإنَّ تعليم عظيموف لم ينته بحصوله على شهادة، إذ يقول في سيرته الذاتية:

«لم يكن بإمكاني أن أكتب الكتب المتنوعة التي كتبتها بالمعرفة التي حصلتها من المدرسة وحدها. كان عليَّ أن أحافظ على برنامج مستمر للتعليم الذاتي. نمت مكتبتي نموًا اضطررت معه إلى الاجتهاد خوفًا من أن أسيء فهم نقطة ما، قد تبدو بسيطة بشكل مضحك لأي مطلع على هذا الشأن».

من أجل الحصول على أفكار جيدة، ينبغي لنا أن نستهلك أفكارًا جيدة أيضًا. ليست الشهادة الجامعية نهاية المطاف. هذه الشهادة ليست أكثر من بداية المشوار، لا نهايته.

قرأ عظيموف، في صغره، كل شيء:

«كل هذه القراءة المتنوعة بشكل لا يصدق، الناتجة عن غياب التوجيه، تركت بصمة لا تمحى، إذ أصبحت مهتمًا بعشرين مجالًا مختلفًا، وظل هذا الاهتمام باقيًا. فكتبت كتبًا في الميثولوجيا، والكتاب المقدس، وشكسبير، والتاريخ، والعلم، إلخ».

اقرأ كثيرًا. اتبع فضولك. لا تتوقف أبدًا عن الاستثمار في نفسك.

٢. لا تجبر نفسك على الكتابة

يقول تشارلز إنَّ من المنعش أن يعرف أنَّ عظيموف قد تعرض لعدم الرغبة في الكتابة، مثله:

«في كثير من الأحيان، عندما أعمل على كتابة قصة خيال علمي، أجدني قد أصبت بالسآمة، وأصبحت غير قادر على كتابة كلمة إضافة».

انعدام الرغبة في الكتابة أمر عادي. إنَّ ما يحدث بعده، رد فعلنا، هو ما يفرق بين المحترف والهاوي.

لم يترك عظيموف هذا الشعور بعدم القدرة على الكتابة يوقفه، فطور إستراتيجية عبر السنين، هذا ملخصها:

«لا أحملق في ورقة فارغة. لا أقضي أيامًا وليالي أفتش في رأس فارغة من الأفكار. بدلًا من ذلك، أترك الرواية، وأذهب إلى أي عمل آخر من عشرات المشاريع الأخرى المؤجلة: أكتب مقالًا، أو قصة قصيرة، أو أعمل في واحد من كتبي غير القصصية. عندما أمل من هذه الأشياء، يكون عقلي قد أصبح قادرًا على العمل بوتيرته الطبيعية، فأعود إلى قصتي وأجدني قادرًا على الكتابة بسهولة مرة أخرى».

يقول تشارلز إنه، عندما كنت يكتب هذا المقال، شعر بالإحباط إلى حد أنه تركه وعمل على مشروعات أخرى لأسبوعين. الآن، وقد فرغ مساحة لهذا المقال، يبدو كل شيء أسهل بكثير جدًا.

المخ يعمل بطرق عجائبية. عندما نترك العمل جانبًا وننشغل بمشروعات أخرى، ونتجاهل شيئًا ما بشكل فعال، فإنَّ عقلنا الباطن يخلق مساحات تنمو فيها الأفكار.

٣. احترس من المقاومة

كل المبدعين ــ سواء كانوا رواد أعمال، أو كتابًا، أو فنانين ــ يعرفون هذا الخوف من تشكل الأفكار: ما إن نجلب شيئًا إلى الدنيا، فإنه يظل، إلى الأبد، عرضة للرفض والانتقاد، وعاريًا أمام ملايين الأعين الغاضبة.

وقال تشارلز إنه يشعر، أحيانًا، بالخوف الشديد، بعد نشر مقال ما، إلى درجة أنه يتجنب، متعمدًا، كل التعليقات والمراسلات البريدية.

هذا الخوف هو أكبر أعداء المبدعين. سمى ستيفن برسفيلد هذا الخوف في كتابه، حرب الفن، بالـ«مقاومة».

عظيموف يعرف هذه المقاومة أيضًا:

«الكاتب العادي عرضة للإصابة بالشعور بالقلق والشك في قدراته، حال كتابته. هل الجملة التي كتبها حساسة؟ هل عبرت عن رأيه كما ينبغي لها أن تفعل؟ هل سوف تبدو بشكل أفضل لو كتبت بطريقة مختلفة؟ ومن ثم فالكاتب العادي دائم المراجعة، ودائم الحذف والتغيير، ويحاول دائمًا طرقًا مختلفة للتعبير عن نفسه، وعلى حد علمي، لا يشعر بالرضا أبدًا».

هذا الشك في النفس قاتل للعقل.

يقول تشارلز عن نفسه إنه محرر لا يهدأ. من المرجح أن يكون قد عدل هذا المقال، وأعاد تعديله عشرات المرات. ولا زال يراه سيئًا. لكن كان ينبغي له أن يتوقف الآن، وإلا فلم يكن لينشره أبدًا.

الخوف من الرفض يجعلنا «طالبين للكمال» لكنَّ هذا السعي نحو الكمال ليس سوى قوقعة نلجأ إليها في الأوقات الصعبة لتعطينا شعورًا بالأمان… الأمان الذي تعطينا إياه كذبة ما.

الحقيقة هي، أنَّ كل الناس لديهم أفكار. تهب بذور الإبداع الصغيرة من خلال نوافذ العقل. الفرق بين عظيموف وبقيتنا أننا نرفض أفكارنا قبل أن نعطيها فرصة. لأننا، لو لم يكن عندنا أفكار أبدًا، فهذا معناه أننا لن نضطر للفشل أبدًا.

٤. خفض معاييرك

كان عظيموف معارضًا بالكلية لفكرة السعي لتحقيق الكمال. وقال إنَّ محاولة الإتيان بكل شيء على وجه صحيح، من المرة الأولى، خطأ كبير.

بدلاً من ذلك، اكتب الأساسيات أولًا:

«فكر في نفسك على أنك فنان يضع رسمة تخطيطية من أجل أن يتضح التأليف في رأسه، الكتل اللونية، والتوازن وباقي الأمور. بعد أن تنتهي من هذا يمكنك أن تنشغل ببقية النقاط الدقيقة».

لا تحاول أن ترسم الموناليزا من المرة الأولى. خفض معاييرك. اصنع منتجًا تجريبيًا، رسمة مؤقتة أو مسودة مبدئية.

في الوقت ذاته، يؤكد عظيموف على أهمية الثقة بالنفس إذ يقول:

«لا يمكن للكاتب أن يمضي وقته في التشكيك في قيمة كتاباته. وإنما ينبغي للكاتب أن يحب كتاباته. أنا أفعل ذلك».

آمن بإبداعك. لا يعني هذا أنَّ عليك أن تخرج بأفضل منتج في كل محاولة. الثقة الحقيقية تتعلق بزيادة حدود إبداعك، والفشل الذريع، ثم التحلي بالقوة بعد ذلك لتقوم مرة أخرى.

نحن نفشل. ونكافح. ولهذا ننجح.

٥. اصنع المزيد من الأشياء

من المثير للاهتمام أنَّ عظيموف يوصي بعمل المزيد من الأشياء علاجًا لطلب الكمال:

«بحلول الوقت الذي يُنشر فيه كتاب ما، لا ينبغي أن يكون للكاتب وقت كبير لينشغل بكيفية استقبال كتابه أو نسبة مبيعاته. بحلول هذا الوقت سوف يكون قد باع بالفعل كتبًا أخرى عديدة وهو يعمل على كتب أخرى، وهذه الكتب هي ما يشغل باله. هذا الأمر هو ما يكثف السلام والهدوء في حياته».

لو كان عندك منتج يتاح للعرض كل بضعة أسابيع، فلن يكون لديك وقت للتفكير في الفشل.

ولهذا يحاول تشارلز أن يكتب عددًا من المقالات أسبوعيًا بدلًا من التركيز على قطعة واحدة «كاملة». وهكذا يكون الجرح الناتج عن فشل قطعة واحدة أقل. هذا التنوع تأمين للعقل.

٦. الخلطة السحرية

ذات مرة، سأل أحد أصدقاء عظيموف من الكتاب المتعثرين: «من أين تحصل على أفكارك؟».

أجاب عظيموف:

«عن طريق التفكير والتفكير والتفكير حتى أصل إلى مرحلة أكون معها مستعدًا لقتل نفسي. هل ظننت أبدًا أنَّ الحصول على أفكار جيدة أمر سهل؟».

أمضى عظيموف الكثير من لياليه وحده مع عقله. يقول:

«لم أستطع النوم الليلة الماضية لذا فقد استيقظت وأخذت أفكر في مقال أكتبه، وأخذت أفكر وأفكر وأبكي في الأجزاء الحزينة من المقال. كانت ليلة رائعة».

لم يقل أحد مطلقًا أنَّ الحصول على الأفكار شيء سهل. لو كان سهلًا، لما كان للكتابة أية قيمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد