في عيد الفطر الماضي بشهر أغسطس عام 2014، أصدرت داعش مقطع فيديو عالي الجودة، مدته 20 دقيقة، ترسل فيه تحياتها للعالم الإسلامي.

وعرضت فيه صورًا لطيفة للمصلين وهم يبتسمون، وتلتها صورة طفل يوزع الحلوى احتفالًا بانتهاء رمضان وقدوم العيد. وتكررت تلك اللقطة عدة مرات لكن لمجموعة من “المهاجرين” للدولة من جنسيات مختلفة، فمنهم البريطاني والفنلندي والإندونيسي والمغربي والبلجيكي والأمريكي والجنوب أفريقي وغيرها من الجنسيات المختلفة. وكل المقاطع تشبه بعضها وتوصل نفس الرسالة.

“أدعو كل المسلمين الذين يعيشون بالغرب وأمريكا وأوروبا وفي كل مكان آخر ليأتوا وليهاجروا مع عائلاتهم لأرض الخلافة” هذا ما قاله مقاتل فنلندي من أصل صومالي. وأضاف “فهنا، ستقاتل ثم بعد ذلك تعود لعائلتك. وإذا قُتلت فستدخل الجنة بمشيئة الله، وسيرعى الله أولئك الذين تركتهم خلفك. فهنا ستعيش تحت رعاية الخلافة”.

وحينما يتحدث المقاتلون عن الهجرة فهم هنا يشبهونها بهجرة الرسول من مكة للمدينة، بما تشتمله من ترصد الكفار له لمحاولة قتله. ويُعرّف عبد الله عزام – الأب الروحي للحركة الجهادية الحديثة- الهجرة بأنها: “مغادرة أرض الخوف إلى أرض الأمن” ثم تم تكبير هذا التعريف ليشمل “ترك المرء لأرضه وأسرته ليجاهد في سبيل إقامة الدولة الإسلامية”. ولكل الإسلاميين المتطرفين اليوم فكلمتا الهجرة والجهاد مترابطتان بشدة.

وبعد عدة أشهر من إصدار فيديو العيد، تم إصدار فيديو آخر يُركز على كتائب داعش المكونة من المقاتلين الأجانب بطريقة مختلفة تمامًا.

في موكب مكون من طابور به على الأقل 17 مقاتلًا أجنبيًّا، والعديد منهم أوروبيون بشرتهم بيضاء، كل منهم يقتاد بذراعه اليسرى مسجونًا تم تعريفه بأنه جندي سوري. وواحد فيهم فقط يرتدي قناعًا – الجهادي البريطاني المعروف بـ”الجهادي جون”- والذي قام بإعدام الصحفي جيمس فولي وبعض الرهائن الأوروبيين والأمريكيين الآخرين.

بعد أن قطع الجهاديون رقاب ضحاياهم، قامت الكاميرا بالتركيز على وجوههم مما أدى لبدء حملة محمومة للتعرف عليهم. وذكرت التقارير في وسائل الإعلام أن الجهاديين هم مواطنون فرنسيون وألمان وبريطانيون ودنماركيون وأستراليون. لكن هذه التقارير لم تكن مؤكدة ونهائية.

الجهادي جون

وتميل دعاية داعش لتمثيل غير متناسب نحو المقاتلين الأجانب، في كل من محتواها والجمهور المستهدف بها. ورسائل داعش المهمة تصدر عادة بالإنجليزية والفرنسية والألمانية في نفس الوقت، ثم تترجم لاحقًا للغات أخرى كالروسية والإندونيسية والأردو.

“المقاتلون الأجانب يُقدمون أكثر من اللازم، وعلى ما يبدو فهم يقومون بأسوأ الأعمال بين منفذي أحكام الدولة الإسلامية”، كما قال توماس هيجهامر – وهو باحث كبير في تاريخ الجهاديين- في مقابلة مع billmoyers.com. وأضاف: “وبذا هم يساعدون على زيادة الراديكالية في الصراع وجعله أشد وحشية. بالإضافة إلى أنهم في الأغلب يجعلون الصراع أصعب في الحل، لأن المقاتلين الأجانب في الأغلب لديهم دوافع عقدية أكثر من الثوار السوريين العاديين”.

كم عدد المقاتلين الأجانب الموجودين هناك، ومن أين أتوا، وأين سيذهبون بعد القتال هناك؟

أحد أهم الأسئلة حول التهديد التي تسببه داعش، وحول الصراع الحادث في سوريا والعراق عامة، هو عن “العدد”. كم عدد المقاتلين الأجانب الموجودين هناك، ومن أين أتوا، وأين سيذهبون بعد القتال هناك؟

هذا السؤال تقريبًا من المستحيل الإجابة عليه بأي إجابة محددة، بسبب الخطورة التي تمثلها داعش على الصحفيين وعملاء المخابرات الموجودين بميدان المعركة. وفي عالم المعلومات المتاحة للجميع، فهناك فقط تخمينات، ولا يبدو الوضع مختلفًا في عالم المخابرات. وطبقًا لإحصائية لإذاعة أوروبا الحرة-إذاعة الحرية عام 2013، فهناك ما بين 17,000 و19,000 مقاتل في العراق وسوريا، لكن تبدو هذه الأرقام قليلة للغاية.

أغلب هؤلاء المقاتلون نشأوا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة تونس والسعودية. والباقون أتوا من أماكن مختلفة في العالم، بما فيها الجمهوريات السوفيتية السابقة والأمريكتين وأستراليا. وعامة فعدد المقاتلين الأجانب غير واضح سواء فيما يتعلق بداعش أو غيرها، وهل هم مهتمون بسوريا والعراق فقط؟

والتقديرات الحكومية لأعداد الأمريكيين المنضمين لداعش متضاربة بشكل كبير. وتبعًا للتحليل المعتمد على شبكات التواصل الاجتماعي والحكايات الشفهية التي يتم مشاهدتها للمقاتلين الأجانب على تلك الشبكات، فنحن نعتقد بأنه حاليًا هناك ما يقارب 30 إلى 40 أمريكيًّا منضمًا للجهاديين في سوريا والعراق، سواء المقاتلين أو غير المقاتلين، ونعتقد أيضًا أن أكثر من عشرة أشخاص منهم منضمين لداعش. وهذا الرقم يُمثل ما يمكن أن نعرفه من المصادر المتاحة للجميع، وهذا يعني بأن الرقم الحقيقي أكثر من هذا بالتأكيد، بل وربما يكون أكثر من هذا بكثير.

وبالنسبة للمملكة المتحدة البريطانية فنفس أسلوب الإحصاء يتم تطبيقه، لكن الأرقام المُقدرة أكثر مما قبل، وخاصة حينما يتم التقدير بالنسبة لعدد السكان. ففي شهر أغسطس قدرت تقارير من بريطانية بأن 500 مواطن بريطاني قد انضموا لداعش في سوريا والعراق، لكن زادت التقديرات بشكل مفاجئ وغير متوقع مع انتهاء عام 2014. المقاتلون المتحدثون باللغتين الفرنسية والألمانية تم ملاحظتهم بأعداد كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وأقل الأعداد المقدرة لهم هي 550 مقاتلًا من ألمانيا وأكثر من 1,000 من فرنسا. كما لوحظت أعداد كبيرة من المقاتلين الكنديين أيضًا في مواقع التواصل الاجتماعي.

صفات الجهادي الأجنبي المعتاد

الجهادي الأجنبي المعتاد يتراوح سنه بين 18 و29 عامًا، طبقًا لدراسة تمت بواسطة مجموعة صوفان، بالرغم من وجود العديد من الاستثناءات بالطبع. فبعضهم فوق الثلاثين عامًا، بل وليس من المستغرب رؤية مقاتلين بين الـ15 والـ17 عامًا.

وبعيدًا عن العمر والجنس، فهناك عدد قليل من الأنماط الثابتة وليس هناك تصور واضح عمن يمكن أن يكون مقاتلًا أجنبيًّا في المستقبل، لكن ممن تم تجنيدهم من الغربيين فعدد غير متناسب مع المتحولين للإسلام يمكن أن يتحول لمقاتل (وخاصة أن المتحولين الجدد يكونوا معرضين بشكل أكثر للتأثر بالأفكار الأصولية، ويجمعون بين الحماس الكبير ونقص العلم بشأن دينهم الجديد، مما يجعلهم عرضة للتجنيد) وقد تكرر هذا النمط لعدة عقود في صراعات جهادية مختلفة.

لماذا يسافر شخص ما للمشاركة في صراع عنيف يخص أناسًا آخرين؟

ليس هناك نمط موحد، ولا خلفية اجتماعية أو اقتصادية مشتركة، ولا حتى تربية دينية متشابهة بين الأفراد الذين ينجذبون لمثل هذا النوع من القتال الأجنبي عنهم عامة أو الصراعات الجهادية خاصة.

“أربعة عقود من الأبحاث النفسية عمن يمكن أن يصبح إرهابيًّا؟ ولماذا؟ وليس لدينا حتى الآن أي تصور كامل”، كما قال جون هورجان رئيس قسم دراسات الإرهاب والأمان بجامعة ماساتشوستس لويل، وقد درس هذا الموضوع بكثافة. وبينما فشلت كل الجهود لتكوين نظرة شاملة للموضع، إلا أنه يقول بأن: “فهم بعض الأنماط التي يتخذها بعض الأشخاص ممكن”.

العديد من الدراسات عن سبب انضمام الناس للجماعات المتطرفة العنيفة يذهب إلى التفريق بين الدوافع الداخلية أو الذاتية وبين الدوافع الخارجية.

الدوافع الخارجية للجهاد

فالدوافع الخارجية تتعلق برؤية الأفراد للأحداث الكبرى في العالم، بينما أشار العديد من المحللين والسياسيين إلى بعض العوامل الخارجية المؤثرة مثل ضعف الدولة، ونوع التعليم، والحرمان الاجتماعي والاقتصادي. لكن بين من يدرسون التطرف بتعمق فهناك الكثير من الخلاف حول أهمية ومدى تأثير تلك العوامل.

وفي الأغلب، فالعوامل الخارجية التي ذكرها المتطرفون أنفسهم تشير أكثر إلى أهمية وجود حادثة معينة، كصراع عسكري أو إبادة عرقية… إلخ. وعادة ما تتضمن حملات التجنيد العديد من ضحايا تلك الأحداث.

دعاية الجهاديين تعتمد تمامًا على هذه الأحداث المشتعلة الخاطفة، مثل غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان أو التطهير العرقي في البوسنة، ويستخدمونها كنقاط دخول للاستفادة من كثرة الحديث حول ذلك الحدث. ويتم وصف المشاركة في الحرب ليس فقط كخيار معقول، بل على أنه الفعل الأخلاقي الوحيد المتاح. وبالفعل، فالأيديولوجيا الجهادية غالبًا ما تركز على إلزام الجميع بالجهاد – وكونها فرض عين- عندما تتعرض الأمة الإسلامية لخطر أو تهديد.

لكن هذه الأحداث الطارئة لا توفر بالضرورة دوافع كافية بذاتها. لكنها توفر منفذًا أمام الضغط الاجتماعي الواقع على المقاتلين في أوطانهم أو ضد صراعاتهم النفسية الداخلية.

الدوافع الذاتية للجهاد

أما الدوافع الذاتية فتنبع مما يريده المرء أو يحتاجه لنفسه، من فوائد الانضمام لجماعة متطرفة كالشعور بالانتماء، أو الهروب لهوية جديدة، أو المغامرة أو المال. فللمقاتلين الأجانب احتياجات يتم تلبيتها بالانضمام لجماعة، وهذه الاحتياجات قد تصبح أكثر أهمية مع مرور الزمن.

ووفقًا لسكوت أترن، فالمتطوعون الغربيون في الأغلب: “مهاجرون، طلبة، يتنقلون بين وظائفهم ورفيقاتهم. يبحثون عن عائلات وأصدقاء ورفقاء سفر جدد. أغلبهم لم يحصل على تعليم ديني تقليدي، ويشعرون بأنهم ولدوا من جديد في دعوتهم الدينية المتطرفة بالاستجابة للمليشيات الجهادية”.

القبول الاجتماعي والدعم المعنوي من العناصر المهمة. وخلُصت أبحاث أترن إلى أن ثلاثة من كل أربعة مقاتلين أجانب في سوريا قد سافروا معًا بصحبة آخرين، وهي نتيجة تتوافق مع دراسات سابقة عن هذا الموضوع. وتقليديًّا، فقد وجد المجاهدون الدافع الداخلي في وعود المكافآت الدينية مثل الوعد بدخول الجنة. لكن للعديدين، وربما لأغلب الجهاديين فالدوافع الدينية ضرورية ولكنها ليست كافية لشرح الخطوة المفاجأة بإلقاء أنفسهم في أتون المعركة.

صعود داعش وتغيُر أهداف الثورة الأولية

وخلال فترة الحرب الأهلية في سوريا، فتوازن العوامل الداخلية والخارجية قد تغير مع مرور الزمن. فمع بداية الصراع، اتحد مجموعات مختلفة ومتنوعة من المقاتلين الدينيين الأجانب مع الثوار العلمانيين بسهولة حول هدف الإطاحة بنظام الأسد القمعي. وبالنسبة للجهاديين، فقد كان الهدف بعيد المدى هو إقامة دولة يتم حكمها بالشريعة الإسلامية، لكن التركيز المبدئي لأغلب المقاتلين كان حول محاربة النظام. وخلال رحلة صعود داعش – وفقًا لبحث بواسطة بيتر نيومان وسكوت أرتن وآخرين- فقد تغير هذا الهدف بشكل ملحوظ للحكم بالشريعة أولًا ودعم مؤسسة الخلافة، بغض النظر عن تطلعات السكان السوريين.

ومع ظهور عدد كبير من المقاتلين الأجانب على مواقع التواصل الاجتماعي، صار من الممكن استخلاص معلومات أكثر حول دوافعهم الداخلية، والتي عادة ما تكون أكثر من مجرد الوعد بالجنة وتتحول بدلًا من ذلك لنوع من المغامرة. أحد المقاتلين البريطانيين، عمره 23 عامًا ويُدعى افتخار جمان صك مصطلح “جهاد خمس نجوم” لوصف المتعة التي حظي بها بقتاله في سوريا، في كلمة كانت بمثابة صيحة استنفار لمواطنيه، والذين أتوا بأعداد متزايدة بعد ذلك. (قُتل جمان في شهر ديسمبر عام 2013.)

وعدد من “مشاهير” المقاتلين رفعوا سقف التطلعات أكثر. وأحد أكثرهم شعبية كان جندي ألماني سابق يُدعى يلمز، والذي ساعد في تدريب المقاتلين في فصائل مختلفة في سوريا. وقد وثّق خبرته بسوريا على موقع إنستجرام، ونشر عليه صورًا للمعارك وللمقاتلين، بالإضافة لصور سكان سوريين بما فيهم الأطفال، ولقطات تبدو متعارضة مع الأحداث لجهاديين يلاعبون القطط.

مقاتل يلاعب القطط

مجتمع داعش: (القلة المختارة من أراضٍ مختلفة)

ومع إعلانها للخلافة في يوليو 2014، بدأت داعش العمل على تحسين وتصدير التصور المتعلق بالمجتمع التي تريد إنشاءه، مقدمين بذلك أجوبة جديدة للسؤال “لماذا نلتحق بكم؟” كما ركز الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي بندائه على المسلمين في كل مكان ليهاجروا “لأرض الإسلام” كواجب ديني. واستمر قائل:

نخص بدعوتنا طلبة العلم والعلماء والفقهاء وعلى رأسهم القضاة وأصحاب الكفاءات العسكرية والإدارية والخدمية والأطباء والمهندسين في كافة التخصصات والمجالات.

مقاتل كندي في داعش يُدعى جون ماجواير

وفي يوليو عام 2014، أطلقت مؤسسة الحياة الإعلامية التابعة لداعش مقطع مدته 11 دقيقة بعنوان “القلة المختارة من أراضٍ مختلفة” وكان يدور حول هذه النقطة. والمقطع تحفة فنية من الدعاية المتطرفة، فقد أظهر مقاتلًا كنديًّا اسمه “أندرو بولين”، وهو أبيض تحول للإسلام ويُدعى بين رفاقه باسم “أبو مسلم”. وافتتاحية المقطع كانت صورًا عالية الدقة بشكل مدهش لكندا – أو صور مشابهة لها- وأخذ بولين يصف حياته في وطنه.

“أنا كنت كما أي كندي عادي قبل الإسلام، كان لدي المال والعائلة والأصدقاء”، كما قال.

الطبيعة الهمجية لداعش يمكن أن تقود المراقبين لاستنتاج أن أتباعها مجموعة من البسطاء العنيفين الأغبياء. “القلة المختارة” يبين حرص ووعي داعش بتلك النقطة ونشاطهم لتبيان خطئها، بعرضها لبولين كنموذج لطيف لها.

وأوضح بولين: “لم أكن منعزلًا اجتماعيًّا، ولم أكن شخصًا أناركيًّا، أو شخصًا يريد تدمير العالم وقتل جميع الناس. لا، بل كنت شخصًا جيدًا للغاية، وكما تعلمون فإن المجاهدين أشخاص عاديون أيضًا، ولدينا حياة خارج عملنا”.

الحياة كانت جيدة في كندا، كما قال بولين، لكنه أدرك أنه لا يمكنه العيش في دولة كافرة، ويدفع ضرائب تستخدم بعد ذلك “لشن الحرب على الإسلام”.

في الحقيقة، لم يكن بولين المثال الذي صوره في المقطع في الاندماج الاجتماعي. فقد نمّى اهتمامًا مبكرًا بالمتفجرات، وانخرط في الشيوعية والأناركية قبل أن يستقر على الإسلام الراديكالي كمنفذ لاهتماماته. وقد تم القبض عليه مرتين على الأقل لتهديده بالعنف ضد زوج امرأة كان على علاقة بها. وهذه الحقائق تم حذفها من سيرته بشكل يلائم سيرته الجديدة التي تصوره كقديس.

“قد أجاب نداء ربه وسلم روحه بدون تردد، وترك العالم خلفه” كما قال الراوي بإنجليزية سليمة وبدون لكنة. “ليس نتيجة اليأس والقنوط، بل اليقين من وعد الله”.

في النهاية تحدث بولين مرة أخرى، وبدت صورته كأنها تشع بضوء خفيف، وقال: “ضع الله قبل أي شيء آخر”.

كتائب الخنساء

العديد من أشد المناصرين والمتحدثين عن داعش على الإنترنت من النساء. وبتحليل وسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بداعش أظهرت المئات من المستخدمين الذين يعرفون عن أنفسهن بأنهن نساء، ويعملن بنشاط على نشر رسالة الجماعة.

وكانت تتزعم هذه الحملة من التجنيد على الإنترنت امرأة متمرسة على التحريض على الإنترنت وتستخدم عدة حسابات تحت اسم “الخنساء”، وهي إحدى الصحابيات اللواتي أسلمن في وقت النبي، وقد اشتهرت بإرسالها لأبنائها الأربعة للقتال لنصرة الإسلام. وقد قُتل أبناؤها الأربعة؛ فقالت كلمتها المشهورة: “الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم”.

كانت الخنساء نشطة على المنتديات المرتبطة بالقاعدة قبل صعود داعش بكثير. وتبنت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مبكرًا بين أعضاء هذه المنتديات. فقامت بإنشاء حساب على موقع Twitter في شهر سبتمبر عام 2012، كما تواجدت على موقع Facebook وباقي مواقع التواصل الاجتماعي.

“أقصى محمود” كانت واحدة من النساء الأخريات اللواتي تعملن بلا كلل لتجنيد الأجانب للانضمام لداعش. وقد نشأت كمراهقة بمدينة جلاسكو بإسكتلندا وقد تحولت من الحياة النمطية السعيدة للشباب، والتي كانت تقضيها في قراءة روايات الشباب، والاستماع لموسيقى الروك إلى النظرة المتشددة للعالم ولتراثها الإسلامي، وأخذت انعطافة حادة عن وجهة نظر عائلتها.

الفتاة أقصى محمود

وقد وثّقت “أقصى” تحولها على موقع Tumblr مع كل الحماس الذي يمكن أن تبديه فتاة في سن المراهقة. واصفة الانتقال السريع من أسلوب الحياة العلماني إلى الراديكالية. وقد كتبت ذات مرة: “يعتقد أبواي أني أصبحت متشددة”.

وأصبح أصدقاؤها على الإنترنت – والذين كانوا غارقين في التفسيرات السلفية للإسلام، ورعب بداية الحرب الأهلية بسوريا- بمثابة عائلتها الجديدة. وخلال عام 2013، تحولت كتاباتها نحور الرؤية الجهادية، بالإضافة لشعورها المتزايد بوجوب مشاركتها في الصراع الدائر في سوريا. وفي شهر نوفمبر، وعن عمر يناهز 19 عامًا، فاجأت أسرتها المرتعبة بوداعهم.

ويتذكر والدها كلامها: “سوف أراكم يوم الحساب. وسوف آخذ بأيديكم للجنة. أريد أن أصبح شهيدة”.

وواصلت نشاطاتها على الإنترنت من سوريا من خلال حساباتها على Twitter وTumblr لتشجيع الآخرين على خوض نفس التجربة التي خاضتها. وغردت علىTwitter قائلة: “والذين ما زلوا يستطيعون ويقدرون على اختيار طريقهم، من فضلكم خافوا الله ولا تتأخروا أكثر من ذلك. فسارعوا سارعوا سارعوا بالمجيء لأرضنا واحيوا بشرف”.

وهناك عدد غير معلوم من الفتيات الشابات تم استدراجهم للانضمام لداعش والمجيء لسوريا والعراق، متضمنين المئات من الغربيات وأكثر منهن من المتحدثات بالعربية.
“أغلب الفتيات الأجانب سوف يتزوجن من مقاتلين أجانب بمجرد وصولهن”. كما قالت ميا بلووم وهي خبيرة كبيرة بدور النساء في الحركات الجهادية. “في الحقيقة، يتم عرض العديدات كتعويض للرجال الذين يقاتلون من أجل البغدادي”.

لكن كانت القذائف التي تلقى على كتائب الخنساء هي النقطة السلبية في الوهم الذي تم نشره على الإنترنت. وذلك طبقًا لامرأة سورية انشقت عن داعش. في مقابلة أجرتها مع قناةCNN ووصفت بذلك الانضمام لكتيبة الخنساء في الرقة بسوريا، حيث يتمركز العديد من المقاتلين الأجانب.

المرأة المنشقة يتم الإشارة إليها باسم مستعار وهو خديجة، وذلك لإخفاء هويتها. وقد أخبرت بقصة منفرة عن فرقة شرطة الآداب النسائية، وهم يجلدون النساء اللاتي يتم مشاهدتهن في الشوارع يرتدين أي شيء مخالف لمقاييس داعش عن ملابس المرأة المثالية الحيية.

داعش والجهاد فائق العنف

وقد تخلت داعش عن نموذج القاعدة في اجتذاب المقاتلين أولًا ثم محاولة جعلهم متطرفين فيما بعد. ومع مزيج دعاياتها بين العنف المرئي وتصوير الحياة المثالية، تسعى داعش لتجنيد المؤيدين المُغاليين في التطرف الأيديولوجي، أو من يميلون للتصرف العنيف.

وفور وصول هؤلاء المقاتلين المتطرفين من قبل مع أسرهم إلى العراق وسوريا، يتعرضون لبيئة تصدمهم بما فيها من العنف الجنسي، والعبودية، والإبادة العرقية، والموت، وعقوبات تقطيع الأوصال أمام أنظار العامة.

من بين المقاتلين الأجانب في الأجيال السابقة والذين شاركوا في حروب البوسنة وأفغانستان ثم عادوا لبلدانهم مرة أخرى، فواحد من كل تسعة منهم يستمرون في الإرهاب عند العودة لأوطانهم. لكن مقاتلي داعش الحاليين سلالة جديدة لم يتم اختبارها من قبل. فهل سيفكرون في العودة هم وعائلاتهم إلى أوطانهم يومًا ما؟ وماذا سيفعلون بعدها؟ فهم مختلفون تمامًا عن أسلافهم.

لم تخترع داعش الجهاد فائق العنف، بل كان هناك عدة أمثلة في الماضي، لكنها أدت إلى عواقب مختلفة. ففي مذبحة الأقصر المروعة عام 1997 بمصر، والتي تم فيها – حرفيًّا- تقطيع 62 سائحًا – من ضمنهم أطفال ونساء- بواسطة أعضاء منشقين من الجماعة الإسلامية المصرية. فقد أدى رد الفعل الحكومي العنيف الواقع على الجماعة بسبب تلك المذبحة إلى اعتدال منهجها العام.

جماعة “أبو سياف” قد قطعت رؤوس رهائنها لوقت طويل، وبعض تلك العمليات كان مصورًا، لكن عنفها الشديد والاستهداف العشوائي أدى إلى النظر إليها كمنظمة إجرامية مع مسحة جهادية لتخفي أعمالها خلفها.

لكن داعش قد توصلت لصيغة جديدة لخلط العنف الوحشي مع الإيهام بالاستقرار والكرامة. وانتقلت تلك الحالة لمجنديها. بالإضافة لاعتمادها على ثلاثة عناصر هي: استراتيجيتها الميدانية الناجحة، ورسائلها العدوانية، وميلها للتغلب بالقوة على نقاط الضعف. وبذا قد أثبتوا قوة فريدة من نوعها، بالإضافة لوجود عشرات الآلاف – على الأقل- من الأنصار المتحمسين.

التحدي الماثل الآن أمام الجماعة هو مدى مقدرتها على الاستمرار على إبقاء العناصر الثلاثة مع الزمن، وهل ستؤدي كمية العنف الزائدة التي تتمتع بها في النهاية إلى نفور الجميع بما فيهم أتباعها المخلصين؟

وحتى إذا نجت في العنصرين الأولين، فستحصد ما زرعته من العنصر الثالث، فإذا استمر اعتمادها على العنف الفائق في مجتمعاتها، فسيؤدي هذا لدخولهم عصرًا من الظلام لا يمكن الفرار منه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد