نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أمس الإثنين (14 شباط/ فبراير) مقالًا للصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك يتحدث فيه عن رؤيته لمستقبل أفغانستان وفق المعطيات الحالية، في ظل الصراع الدائر بين تنظيم داعش وحركة طالبان سعيًا للسيطرة على مقاليد الأمر، حيث يرى أن الصراع لا يتعلق بالدين أو الحكومة على الإطلاق، بل إن الأمر يشبه حروب المافيا التي تهدف في النهاية إلى السيطرة الكاملة على مقاليد الأمور.

يقول فيسك إنه إذا أردت فهم الوضع المخزي في أفغانستان من عمليات القتل وقطع الرؤوس وسبي النساء، فإن المرجع الأفضل سيكون تقرير الأمم المتحدة الصادر في كابول، حيث يرصد التقرير المكون من 87 صفحة حقائق مرعبة عن ما تقوم به داعش في أفغانستان، حيث بلغ عدد الضحايا من المدنيين في العام الماضي رقمًا قياسيًّا جديدًا لم تشهده البلاد منذ 2009.

تشير الأرقام إلى مقتل 3545 مدنيّصا بالإضافة إلى أصابة 7454، ليصل بذلك إجمالي أعداد الضحايا من المدنيين منذ 2009 (غير العسكريين أو المنتمين لميليشا أو تنظيمات) إلى ما يزيد عن 21 ألف قتيل. يرى الكاتب أن المشهد الأفغانستاني لا يجب أن يغيب عن تصور المجتمع العالمي، خاصة مع كونها منبعًا لتكوّن الكثير من المجموعات الإرهابية.

يعتقد الكاتب أن بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان قد أدت دورها باحترافية شديدة، حيث استطاعت رصد ما يحدث، والتحدث مع شهود عيان ليخرج التقرير الأخير لها وقد جمع الكثير من الشهادات والاقتباسات من ضحايا تلك الحرب المستمرة في البلاد. وفق تقرير الأمم المتحدة، فإن 62% من القتلى والمصابين سقطوا بنيران عناصر مناهضة للحكومة، فيما سقط 17% نتيجة اعتداءات قوات موالية، بينما وصلت نسبة ضحايا قوات الأمن القومي التي تلقت تدريبًا أمريكيًّا إلى 14%.

يروي التقرير شهادة أب لأحد ضحايا قصف قوات الجيش الأفغاني في إقليم ورداك، حيث يقول:

“كُنا في الثامنة صباحًا، كُنا قد انتهينا من تناول الإفطار عندما سمعنا الانفجارات. عندما نظرت من النافذة، رأيت رجلًا يهرول تجاه المسجد، حينها أخبرني ابني الأصغر أن أخاه كان قريبًا من المسجد في الصباح، وحينما وصلت إلى هناك، رأيت الكثير من جثث القتلى، ثم وجدت ابني. كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، لم أستطع حتى نقله. لقد قتل ذلك الانفجار ثمانية أشخاص.. هل يمكن أن تتخيل مدى صعوبة أن ترى ابنك غارقًا في دمائه وأنت تصرخ من أجله؟”.

رصد التقرير الكثير من الشهادات المؤلمة من مختلف مناطق البلاد، فمنهم من كان ضحية هجمات قوات الجيش، ومنهم من كان ضحية التنظيمات المسلحة. يروي أحدهم شهادته على إعدام حركة طالبان لأحد المهندسين العاملين بالحكومة قائلًا: “قام رجلان من طالبان بتقييد يدي المهندس وحينها أمر زعيمهم بإعدامه، حينها قام الرجلان بقطع رأس المهندس بلا تردد، في حين طلب زعيمهم من رجل آخر أن يقوم بكتابة ورقة قال فيه إن هذا سيكون عقاب من يدعم أو يعمل مع تلك الحكومة، ثم قام بوضع الورق على جثة القتيل”.

الشهادة التالية جاءت لأخ أحد الضحايا المدنيين الذين قتلوا في تبادل لإطلاق النار في إقليم كوندوز شمالي أفغانستان، حيث قال له أخوه قبل أن يموت مباشرةً في مكالمة هاتفية: “يا أخي، لقد أُصِبت بطلق ناري في بطني، ولا أدري من أطلق النار عليّ.. إن إصابتي خطيرة حقًّا، لقد رأيت أمعائي”. يقول الشاهد أنه رأى جثة أخيه على شاشات التلفاز في اليوم التالي، وأن الجثة ظلت ملقاة في الشارع لمدة ثلاثة أيام قبل أن يتمكنوا من استعادتها ودفنها.

النساء كذلك لم يسلمن من تلك العمليات الوحشية وفق ما اقتبسه فيسك من التقرير، حيث تروي امرأة قصة أصابتها جراء هجوم انتحاري في كابول قائلةً: “بعدما قمت بإرضاع طفلي ووضعه على الفراش لينام، شربت القليل من الماء ثم عدت للنوم قبل أن نسمع دوي انفجار كبير أدى إلى انهيار سقف المنزل. لقد سقطت السقف فوقي وفقدت الوعي، وعندما أفقت، وجدت نزيفًا في يديّ وقدميّ وظهري، ثم بعد ذلك سمعت صراخ زوجي وهو يسأل عن الآخرين، حيث أصيب أيضًا هو وابني بإصابات خطيرة، بينما فقد شقيق زوجي بصره بالكامل. نحن فقراء وخسرنا كل شيء”.

بالإضافة لكل تلك الأطراف التي لم تفرق بين أعدائها وبين المدنيين، دخلت داعش إلى خريطة الصراع لتضيف بُعدًا جديدًا أكثر وحشية. وفق تقرير الأمم المتحدة كما يقتبس فيسك، فقد قامت قوات التنظيم بإغلاق 25 مدرسة في مقاطعة باغ بالا، ما أدى إلى حرمان 14,102 طالب (بينهم 4900 فتاة) من حقهم في التعليم، بالإضافة إلى فقدان 341 مدرسًا لعملهم.

يرى فيسك أن ما يحدث في أفغانستان لا يختلف كثيرًا عما يحدث في سوريا والعراق، حيث تم رصد الكثير من الهجمات المتعمدة على المستشفيات والعيادات ومراكز الرعاية الطبية، كما أصبح الصراع ممتدًا حاليًا بين حركة طالبان وتنظيم داعش، بالإضافة إلى صراعات مسلحة أخرى بين ميليشيات موالية للحكومة مع بعضها البعض، مع تأكيد تقرير الأمم المتحدة على عدم احترام أي طرف من أطراف هذا الصراع لحقوق الإنسان أو لحياة المدنيين، فيما يعتقد فيسك أن الصراع في أفغانستان -بين طالبان وداعش تحديدًا- ليس بشأن الدين أو الموقف من الحكومة على الإطلاق، بل إن الأمر يشبه حروب المافيا التي تهدف لفرض السيطرة على الأرض.

يعتقد فيسك أن الوقود الرئيسي لهذا الصراع المشتعل هو تلك المليارات التي تضخ من الخارج لتمويل جهات مختلفة في هذا البلد الفقير منذ 2001. يروى أحد الأفغان لفيسك قصةً طريفة للغاية عن مدرب عسكري أمريكي يقوم بتدريب طلاب الجيش الأفغاني على استخدام البنادق الآلية، إلا أن الطريف في الأمر هو أن الطلاب كانوا يجيدون استخدامها بشكل أفضل من مدربهم الأمريكي، لقد تربى هؤلاء على استخدام تلك الأسلحة.

يختتم فيسك الحديث قائلًا بأن تقرير الأمم المتحدة لم يعكس سوى قصة قديمة معلومة للجميع عن المعاناة التي يمر بها ذلك البلد، ويقول ساخرًا: “نعم، هذا هو ذلك البلاد الذي كنا نرغب في إنقاذه منذ 15 سنة”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد