كيف استطاع تنظيم ما يسمى بـ«ولاية سيناء» -الذي خرج من رحم تنظيم إرهابي آخر هو أنصار بيت المقدس- أن يصمد أمام الجيش المصري الذي تلقى تعزيزات ضخمة خلال السنوات الثلاث الماضية؟ هذا هو السؤال الذي يجيب عنه تقرير نُشِر في موقع صحيفة «جورشليم بوست» الإسرائيلية الناطقة بالإنجليزية. وينقل التقرير وجهة نظر المحللين الذين يرون أن القوات المصرية غير مجهزة بالشكل الكافي لمواجهة حرب عصابات في مناطق جبلية غير حضرية، مثل سيناء.

ويقول التقرير الذي أعدَّه شفي مازل، أن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما اتخذ قرارات لإظهار استيائه من الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين من الحكم عام 2013، حيث أوقف أوباما جزءً من المساعدات العسكرية للجيش المصري، ورفض مساعدة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتكوين وحدات عمليات خاصة، وتزويد الجيش بالمعدات الضرورية. وفي الوقت ذاته، فإنه بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين، اتحدت الجماعات الجهادية في سيناء تحت راية «أنصار بيت المقدس».

إن ما قلب الموازين، كان وصول «الكورنيت الروسي»، صاروخ موجه مضاد للدروع، إلى سيناء عام 2012

واستعرض التقرير ما نشرته صحيفة «المصري اليوم» في عددها الصادر يوم 2 فبراير (شباط) الجاري، الذي نشر فيه تحقيق صحفي بعنوان «المصرى اليوم تكشف في تحقيق عابر للحدود مسار أخطر صاروخ مضاد للدروع من بنغازى إلى سيناء: رحلة الكورنيت»، وأرجع التحقيق سبب النجاح المستمر لـ«داعش» إلى السهولة في الحصول على المزيد من الأسلحة المتفوقة، ما جعلها تتحول «من تنظيم صغير ذو أسلحة خفيفة، إلى ما يشبه الميليشيات ذات الأسلحة الثقيلة المتطورة لتصبح قوة يعتد بها»، ففي الفوضى التي تبعت الحرب الأهلية في ليبيا منذ 2011 حتى 2013، كانت المخزونات الهائلة للجيش الليبي متاحة للجميع.

ومنذ وقت قريب، استطاعت جماعة «أنصار الشرعية» أن تهرب دفق مستمر للأسلحة، وهي الجماعة التي ظهرت في شرق ليبيا حتى قبل مقتل معمر القذافي، وأصبح عدد من قادة الجماعة أعضاءً في «المجلس الوطني الانتقالي» المؤقت الذي حكم ليبيا، وهو ما أعطاهم شرعية الوصول إلى مستودعات أسلحة الجيش. وللجماعة صلات بتنظيم «القاعدة» في المغرب الإسلامي، ونشطة جدًا في شمال إفريقيا ودول الساحل، وبالتالي فإن بعض الأسلحة وصلت إلى هذه الدول، ولكن الجزء الأكبر منها وصل إلى مصر لأيدي التنظيمات الإرهابية في سيناء، وبعضها وصل إلى غزة.

ويضيف التقرير «هناك ضباط فاسدين في ليبيا يجنون أموالًا من تهريب الأسلحة»، فبحسب ما جاء في تحقيق «المصري اليوم» فإن ما قلب الموازين، كان وصول «الكورنيت الروسي»، صاروخ موجه مضاد للدروع، إلى سيناء عام 2012.

واستخدم الـ«الكورنيت الروسي» للمرة الأولى ضد الجيش المصري في كمين قرب رفح، وأسقط منذ ذلك الحين عشرات الضحايا من القوات المسلحة والمدنيين على السواء، وتعود قوة الصاروخ إلى مداه الذي يصل إلى 5 كيلومترات، بالإضافة إلى دقته وتأثيره القاتل.

الأرقام المتسلسلة للأسلحة التي ضبطتها القوات المصرية في سيناء هي نفسها
الأرقام التي تحملها تلك الأسلحة التي استحوذ عليها القذافي من الاتحاد
السوفييتي ثم من روسيا لاحقًا

ولم يكن «الكورنيت» هو السلاح المتطور الوحيد الذي جاء تهريبًا من ليبيا إلى داعش في سيناء. فهناك أيضًا صواريخ «جراد»، التي طرحت في إيلات مؤخرًا، وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ الدفاع الجوي «ستريلا»، بالإضافة إلى أحدث بنادق «كلاشنكوف»، وبنادق القنص الروسية «شتاير»، ورششات «دوشكا» الروسية الثقيلة المضادة للطائرات، وغيرها من الأسلحة التي جاءت جميعها من مستودعات القذافي، وأصبح لها تأثيرها المدمر منذ وضعت في أيدي تنظيمات متطرفة.

وبحسب «المصري اليوم» فإن نتائج التحقيقات التي قامت بها معاهد دولية مهمتها مراقبة صفقات الأسلحة في أنحاء العالم، أظهرت أن الأرقام المتسلسلة للأسلحة التي ضبطتها القوات المصرية في سيناء هي نفسها الأرقام التي تحملها تلك الأسلحة التي استحوذ عليها القذافي من الاتحاد السوفييتي، ثم من روسيا لاحقًا، وعلى الرغم من تهافت دول أخرى، مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، وحتى كوريا الشمالية على بيع الأسلحة لليبيا، فإن روسيا تظل هي الممول الرئيس.

وعرف فريق التحقيق التابع للجريدة الذي ذهب إلى شمال سيناء، معلومات من كبار القبائل وعدد من المواطنين، أنه في نهاية عام 2011، ومع ازدياد سوء الموقف الأمني في شبه الجزيرة نتيجة الاضطرابات في مصر وفي ليبيا، فإن الجهاديين ظهروا يحملون أسلحة متقدمة لم تظهر  في المنطقةمن قبل.

وفي الوقت ذاته، فإن جهاديين جاءوا من غزة وليبيا، أكثرهم من الأجانب، إلى سيناء لتعيلم العناصر الجهادية في الداخل استخدام الأسلحة الجديدة، وتدريبهم، ليس فقط على حرب العصابات، إنما أيضًا على الدخول في مواجهات في المناطق المحيطة بمدن الشيخ زويد ورفح والعريش. وفي غضون شهور من حكم المجلس العسكري لمصر كان الجهاديين يحرزون نجاحًا بعد آخر. لم يكن هناك من يعلن عن التهديد بشكل حاسم، ويلخصه في أن عناصر من قوات الأمن غادرت شبه الجزيرة إلى القاهرة بعد شعورهم أن سلسلة القيادة لم تعد موجودة.

بعد انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسًا للبلاد، زادت الهجمات في كل المناطق
المحيطة بالشيخ زويد، وهي المنطقة التي تمنى التنظيم إقامة الإمارة
الإسلامية فيها

حينها كانت العناصر الإرهابية من تنظيم «أنصار بيت المقدس» تهاجم كمائن ودوريات الشرطة والجيش، وكان الجنود يقفون في مواجهة أسلحة لم يعرفوا بوجودها من الأصل. وفي عام 2014 وقع هجوم من أجل الاستيلاء على نقطة شرطة العريش، والذي كاد أن يتحقق لولا أن الشجاعة الاستثنائية وبراعة الضباط ورجال الشرطة منعت الكارثة.

ويقول التقرير إن خط الأنابيب المصري الذي يمد إسرائيل بالغاز، تم تفجيره مرارًا وتكرارًا حتى توقفت الإمدادات بالكامل، مضيفًا أن انتخاب محمد مرسي رئيسًا للبلاد لم ينه تهريب الأسلحة والعمليات الهجومية، وبعد تعيين عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع حينها من قبل مرسي، قام بإعادة تترتيب الجيش وخطط لإطلاق حملة للقضاء على الإرهابيين في شبه الجزيرة قبل أن يرسخوا وجودهم بشكل أكبر، ويزعم أن مرسي هو من منع انطلاق الحملة. وبعد الإطاحة به أصبح تنظيم «بيت المقدس» أفضل تنظيميًا وتدريبيًا.

وبإعلان «أنصار بيت المقدس» ولائها إلى أبو بكر البغدادي و«الدولة الإسلامية»، جلب لهم المزيد من التمويل والمساعدات. وفي يوليو 2015 وبعد انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسًا للبلاد، زادت الهجمات في كل المناطق المحيطة بالشيخ زويد، وهي المنطقة التي تمنى التنظيم إقامة الإمارة الإسلامية فيها. ودخلت قوات الأمن في مواجهات مكثفة مع الجهاديين أسفرت عن مقتل 21 من الجنود ورجال الشرطة، فيما سقط أكثر من 100 إرهابي.

وينقل التقرير عن «المصري اليوم» أن إرهابيي «أنصار الشرعية» حصلوا على المساعدة من ضباط ليبيين، قاموا «بتحرير» الأسلحة والذخيرة من مستودعات الجيش، وهربوها من خلال الشريط الحدودي بطول 1200 كيلومتر، حتى أنه في بعض الأحيان تم تهريبها  عن طريق معبر «السلوم»، وكانوا ينتظرون الشحنات في مستودعات بطول الشريط الحدودي، وفي واحتي سيوة والفرافرة، حيث كانت هذه المستودعات عميقة بما يكفي لتخزين السيارات «جيب» المجهزة بالرشاشات.

التعاون المتزايد بين الجانب المصري والجيش الوطني الليبي الجديد بقيادة
اللواء خليفة حفتر، أدى إلى تضييق الحدود؛ ما خفض من معدل عمليات تهريب
الأسلحة

ويضيف أن بعض الأسلحة يتم تحويلها بعد ذلك باتجاه صعيد مصر، عن طريق بني سويف وأسيوط ومنها إلى سيناء، لكن الشحنة الكبيرة تتحرك من خلال الطرق الصغيرة الصحراوية غير الممهدة في الصحراء الغربية، باتجاه سيناء وقطاع غزة. وكانت نقاط الالتقاء مع الإرهابيين المحليين يتم تحديدها عبر هواتف «الثريا»، وعلى ما يبدو أن سيارات تابعة لمدنيين كانت ترسل في مقدمة السيارات التي تحمل الأسلحة المهربة، لاكتشاف أي نقاط تفتيش أو عراقل على الطريق لتحذير الإرهابيين، ليسلكوا طريقًا بديلًا.

كان المجلس العسكري مشغولًا بإدارة البلاد، ولم يكن يعي بشكل كاف لما يحدث، أما مرسي فغض الطرف عن الأمر لاعتبارات أيدولوجية، ويضيف التقرير، أن السيسي بخلافهما أمر الجيش بعد «استيلائه» على السلطة بوضع نهاية للإمدادات المستمرة بالأسلحة المتقدمة لداعش في سيناء.

المهمة لم تكن سهلة، فالمناطق الحدودية بطولها جميعها جبلية صحراوية، وأرسلت التعزيزات العسكرية اللازمة، لكن المهربين تصدوا للهجوم، بل هاجموا مواقع ودوريات عسكرية. فمثلًا وقع هجوم مفاجئ لنقطة تمركز للجيش في واحة الفرافرة في يوليو (تموز) 2014، سقط على إثره 27 جندي، وفي أبريل (نيسان) 2015 استهدفت طائرة حربية مصرية باص لنقل السياح عن طريق الخطأ، بدلًا عن استهداف المهربين؛ ما خلف 12 قتيلًا من السياح المكسيكيين.

ولكن التعاون المتزايد بين الجانب المصري والجيش الوطني الليبي الجديد بقيادة اللواء خليفة حفتر، أدى إلى تضييق الحدود؛ ما خفض من معدل عمليات تهريب الأسلحة، فيما تكشف القوات المصرية عن مستودعات أسلحة تحت الأرض من وقت لآخر، وكان الرئيس السيسي أعلن منذ وقت قريب، عن ضبط مواد كافية لإنتاج 100 طن من المتفجرات.

أما على الجانب الآخر، وبحسب مسؤول محلي، فإن القوات الليبية اكتشفت مستودعًا تحت الأرض به 70 حقيبة متفجرات تزن حوالي نصف طن، تكفي لتدمير 20 بناية من طابقين، على مساحة 4 آلاف متر مربع.

قال متحدثًا في الجيش الليبي، في وقت سابق، أن الأسلحة المفقودة تصل إلى 21 مليون قطعة، معظمها تم تهريبها خارج البلاد، وخصوصًا مصر

ويرجح التقرير أن المعركة لم تقترب من النهاية بعد، ومازال تنيظم «داعش» يحصل على تجهيزات مستمرة من أسلحة معينة، عن طريق ليبيا، وينقل بعض منها إلى حركة «حماس» في قطاع غزة، في إطار التعاون بينهما.

ويضيف أنه بحسب الضباط الليبيين فإن عمليات التهريب تنتشر على الحدود ليس فقط مع مصر إنما مع السودان، حيث تجد الشحنات طريقها إلى الجماعات الإرهابية النشطة في الجزائر وتونس والنيجر ومالي وحتى سوريا. في الوقت الذي لا توجد فيه معلومات موثوقة عن مدى تنوع الأسلحة التي «اختفت» من مستودعات القذافي.

لكن متحدثًا في الجيش الليبي، قال في وقت سابق أن الأسلحة المفقودة تصل إلى 21 مليون قطعة، معظمها تم تهريبها خارج البلاد، وخصوصًا مصر، أو استهلكت في الحرب الأهلية الدائرة هناك. ويشكل ذلك كارثة استراتيجية مذهلة الأبعاد، بالإضافة إلى عواقب بعيدة المدى، بالنسبة إلى مصر وإسرائيل.

ويتعجب التقرير من قصر النظر لدى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والاتحاد الأوروبي، بقيادة فرنسا وبريطانيا، حينما «أطاحوا» بمعمر القذافي، وكان هو عامل التوحيد في دولة متعددة القبائل مثل ليبيا، التن أسست ميليشياتها الخاصة في الفوضى التي تلت مقتل القذافي، لتنفيذ أجندات خاصة، وعلى الرغم من أن القوى الغربية كانت على علم بحجم صفقات التسليح الضخمة التي استحوذ عليها القذافي خلال فترة حكمه الطويلة، إلًا أن ذلك لم يوقفها عن تنفيذ الإطاحة به.

وعلى الرغم من أن هذه الدول قد تكون أعادت التفكير في نواياها مرتين، إلا أن التقرير الإسرائيلي يتساءل هل كانت على وعي بطوفان اللاجئين الذي سيغمر شواطئهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد