«بينما تنظم داعش العديد من الهجمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم، هي تعد أتباعها لاحتمال سقوط الخلافة الحتمي».

في محاولة «الواشنطن بوست» استشراف مستقبل تنظيم الدولة الإسلامية أثارت بعض التساؤلات، وخاصة بعد التفجيرين الأخيرين في إسطنبول والكرادة بالعراق، واللذان تميزا بسهولة المكان المستهدف مع وقوع خسائر فادحة في الأرواح المدنية. فهل كانت تلك التفجيرات محاولة من التنظيم لرفع الروح المعنوية لمؤيديه، أم أنهما يعكسان انهيار التنظيم من الداخل في محاولة حفظ ماء وجهه بتنفيذ بعض العمليات في الخارج؟ وهل تعد تلك التفجيرات مرحلة جديدة وإستراتيجية جديدة يتبعها التنظيم؟ أم أنها تنذر بسقوط حتمي لكن أجله غير معلوم؟

في حوار لمسؤول رفيع المستوى بالاستخباراتية الفرنسية بشأن مناهضة الإرهاب، أبدى تخوفه من التصريحات الأخيرة للمتحدث الرسمي باسم التنظيم، فبعد أن تمكنت الاستخبارات أخيرًا من مواكبة إستراتيجية التنظيم القديمة وبدأت في تحقيق انتصارات مميزة عليه في معاقله، يبدو أن التنظيم بدأ بالفعل اتباع إستراتيجية وتكتيكات جديدة.

انهيار بالداخل ينعكس على بشاعة تفجيرات الخارج

يذكر التقرير أن الرسائل العامة للنظام وتحركاته فيها اعتراف ضمني من قادة التنظيم بانخفاض مكتسباته على الأرض، وبدا أن الخطاب العام للتنظيم يرسخ لفكرة سقوط «الخلافة».

ففي الوقت الذي يتعهد التنظيم باستمرار الضغط وتنفيذ العمليات الإرهابية، يرى الخبراء الأمريكيون أن العمليات الإرهابية المؤخرة للتنظيم ليست إلا انعكاسًا لهزائمهم الداخلية في معاقله بسوريا والعراق.

ويرجح المحللون احتمال زيادة العمليات الشبيهة لعملية مطار أتاتورك بإسطنبول والكرادة بالعراق عددًا وقساوةً. وقد تكون تلك مجرد بداية، فالتنظيم بدأ بالفعل في النمو من مجرد شبه دولة على الأرض ليصبح شبكة ظل منتشرة لها فروع وخلايا في ثلاث قارات على الأقل.

ويضيف التقرير ما أكده مجموعة من الخبراء والمحللين الغربيين أن فقدان الدولة الإسلامية مزية وجود ملاذ لها متمثل في وجود مادي على الأرض، سيكون ضربة موجعة للتنظيم من حيث قدرته على جمع الأموال والدعم المادي وتدريب المجندين والتخطيط للعمليات الإرهابية المعقدة. بيد أن طبيعة التنظيم اللامركزية هي مكمن الخطر في التنظيم وهي تحديدًا ما قد يضمن بقاءه فترةً ليست بقصيرة.

يقول «مايكل هايدن» الجنرال المتقاعد الذي كان يرأس المخابرات المركزية بين عامي 2006 و2009 إن تنظيم داعش بعكس تنظيم القاعدة الهرمي الذي يتيح له السيطرة على أعضائه، فإن الأول لديه طاقة كبيرة في ظل عدم القدرة على التنبؤ بالحركة الشعبوية فيه.

وفي المقابل، يؤكد المتحدث الرسمي باسم الدولة الإسلامية أن مشروع الخلافة «لا يزال على قيد الحياة» حتى مع اعترافه بالنكسات التي أجبرت التنظيم على تغيير إستراتيجيته فترة.

صرح أحد المتحدثين في التنظيم منذ فترة طويلة في مقطع صوتي لمقابلة تم بثها على الإنترنت أنه على الرغم من تعرض البنية الأساسية للدولة الإسلامية في العراق وسوريا للهجوم، فقد تمكن التنظيم من التوسع، بل وتغيير أماكن إصدار الأوامر والمقار الإعلامية واتخاذ القرار وهياكل الثروة، وانتقالها إلى بلدان مختلفة.

كما أكد أحد القادة في التنظيم، والذي رفض الإفصاح عن هويته؛ أن العديد من المؤيدين للتنظيم يحاولون يوميًا الوصول لهم، طالبين الانضمام للتنظيم، لكن التنظيم يرد عليهم عادة بأن عليهم الانتظار في أماكنهم حتى يأتيهم تكليف بتنفيذ عملية إرهابية حيث يتواجدون.

إلا أن أحد التقارير الصادرة مؤخرًا عن شركة «IHS Inc» المتخصصة في التحليلات والاستشارات أظهر علامات يأس متزايدة أسبوعيًّا داخل الخلافة، وذلك من خلال تحليل خطابات التنظيم على مدار الأشهر الستة الأولى من عام 2016.

وقد أورد التقرير بعض البيانات الصادرة عن التنظيم وتحركاته فعليًّا والتي استند إليها، فعلى سبيل المثال أصدر التنظيم مجموعة من القرارات بإغلاق مقاهي الإنترنت في إحدى محافظات سوريا الشهر الماضي، وأمر بتدمير أطباق الأقمار الصناعية في مدينة أخرى، وذلك بزعم محاولاته القضاء على أدوات نشر «المعتقدات الكافرة». وقد حالت تلك التحركات بالفعل دون حصول الناس في تلك المدن على أي أخبار من العالم الخارجي. إلا أن التنظيم تمكن من فعل ذلك حتى مع عدم وجود معقل له على الأراضي السورية.

تصريحات داعش باحتمال سقوط الخلافة

توالت بكثرة تصريحات القادة في داعش عن احتمالية سقوط التنظيم خلال الأسابيع الستة الماضية، الفترة التي شهدت انسحاب مقاتلي داعش في عدد من الجبهات كالفلوجة في العراق، وعلى الحدود السورية التركية.

ولعل أبرز تلك التصريحات هي افتتاحية مجلة «نبأ» التابعة للتنظيم الأسبوع الماضي والتي عرضت تقييمًا «متشائمًا» عن الاحتمالات التي تواجهها الخلافة الإسلامية، فقد اعترفت الافتتاحية بإمكانية فقد الدولة الإسلامية جميع مكتسباتها الإقليمية، على الرغم من أن التنظيم قد بشر الجهاديين ببداية «عهد جديد مجيد في تاريخ البشرية» منذ عامين بعد تأسيسها الخلافة، والتي شملت حينها شرق سوريا ورقعة كبيرة في شمال وغرب العراق، أي ما يعادل تقريبًا مساحة بريطانيا العظمى.

جاء عنوان الافتتاحية: «أوهام الصليبيين في عصر الخلافة» عنوانًا مميزًا، سعى لحشد المزيد من الأتباع عن طريق التأكيد على أن الدولة الإسلامية باقية مدى الحياة حتى لو سقطت مدنها في أيدي الصليبيين، ويقصد بهم القوات المدعومة من الغرب وروسيا. كما وصفت الافتتاحية (الصليبيين) و(عملاءهم المرتدين) أنهم واهمون في اعتقادهم أن لديهم القدرة على القضاء على الدولة الإسلامية في الحال، ومحو أي أثرٍ لها على الأرض. وأكدت على أن خصوم التنظيم ليسوا بقادرين على تحقيق ذلك حتى لو خيل لهم ذلك بعد سيطرتهم على إحدى المدن أو قتل أحد المجندين أو قتل أميرٍ أو حتى قتل «الإمام» نفسه. فالعالم كله قد تغير بالفعل منذ لحظة ظهور هذا الـ«الجيب الثيوقراطي» الذي أظهر للعالم كله ما هي الدولة الإسلامية الحقيقية.

العدناني المتحدث الرسمي باسم الدولة الإسلامية

وأضافت الافتتاحية:

«إذا أرادوا فعلًا تحقيق انتصار حقيقي – ولن يتمكنوا بإذن الله – فسيضطرون للانتظار طويلًا؛ حتى يُمحَى جيلٌ كامل من المسلمين الذين شهدوا قيام الدولة الإسلامية وعودة الخلافة».

يذكر تقرير «واشنطن بوست» خطابًا آخر ألقاه «أبو محمد العدناني» المتحدث الرسمي باسم الدولة الإسلامية في احتفالية حلول شهر رمضان. وعلى الرغم من أن خطابه تناول الموضوعات نفسها، فقد اتسم بالتفاؤل أكثر من تلك الافتتاحية. بيد أن خطابه نجح في جذب الانتباه الدولي بسبب دعوته «لحملة إرهاب عالمية خلال شهر رمضان» وفي الوقت نفسه أعد أنصار التنظيم لاحتمال وقوع خسائر فادحة أيضًا.

وقد أشار في خطابه إلى أحلك الفترات في تاريخ الدولة الإسلامية، عندما دُمِرت بعض معاقل الدولة الإسلامية في العراق في عام 2008 على يد مجموعة من القوات، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وثورة القبائل العربية السنية ضد الجهاديين الإسلاميين التي عرفت بـ«صحوة الأنبار».

وقد تساءل في خطابه مستنكرًا «هل هُزِمنا عندما خسرنا بعض المدن في العراق وصرنا في الصحراء بلا أرض أو مدينة تؤوينا؟ وهل يعتمد انتصارنا أو هزيمتنا على استيلائنا على مدينة الموصل أو سرت أو الرقة أو حتى استيلائنا على جميع المدن؟ بالتأكيد لا»، فكان خطابه مؤكدًا على أن هزيمة التنظيم لا تأتي بخسارته معاقله سواء في العراق أو ليبيا أو سوريا.

أصداء ماضٍ غير مشرف

تقول «الواشنطن بوست» أن الهزائم التي لحقت بالتنظيم منذ عام 2008، ومؤخرًا الهزائم التي لحقت به في الأسابيع القليلة الماضية ربما تتسبب في تغيير قادة الدولة الإسلامية إستراتيجيتهم وذلك لإنقاذ ما تبقى من سمعة التنظيم التي لطالما روجوا لها بأنه؛ ماديًّا هو جيش لا يمكن ردعه، ومعنويًّا هو قوة لا تنضب.

يقول «كول باتزيل» (المرشح لنيل درجة الدكتوراة في قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون) إن قادة التنظيم يحاولون تذكير الناس بتاريخهم الحافل أنهم باقون ومستمرون كما عهدوهم من قبل.

وجاء تعليق «باتزيل» موافقًا لما صرح به «ويل ماكينتس» الباحث بمعهد بروكينغز ومؤلف كتاب «ISIS Apocalypse: The History, Strategy and Doomsday Vision of the Islamic State» عن داعش ورؤيتها لنهاية العالم والدولة الإسلامية وإستراتيجيتها في المراحل المختلفة. يقول «ويل»: «على الأرجح كانت التفجيرات الأخيرة في إسطنبول وتفجيرات كرادة في العراق إحدى محاولات التنظيم لطمأنة أتباعه»، ولعل ذلك كان جليًا بسبب سهولة المناطق المستهدفة والعدد الهائل للضحايا المدنيين.

يضيف «ويل» إن الهجمات الناجحة بالخارج تعد مؤشرًا على القلق العظيم بالداخل. فبعد سنوات من التفاخر بأن التنظيم لا يقهر، يعترف قادته أمثال «العدناني» بوجود خسائر فادحة. إلا أن تلك الخطابات التي تحاول رسم إطار أكثر إيجابية يعيبها بوضوح غياب أي اعتراف بارتكاب التنظيم أية أخطاء تكتيكية أو إستراتيجية ربما كانت سببًا في المأزق الحالي للتنظيم، على سبيل المثال انتهاء التنظيم بالقتال وحده ضد قوى عديدة: القوى الغربية العظمى والسنة والشيعة والروس والأكراد.

فقادة التنظيم لا يحاولون التعامل بحكمة مع وضعهم، إنما يحاولون إعداد أتباعهم إلى احتمالية سقوط الخلافة – التي لم تعد خلافة.

ففي حوار مسجل مع أحد قادة التنظيم يقول إنه لا يعنيه إذا ما استمر مقر الخلافة في الرقة أو حتى تم نقله إلى شمال أفريقيا أو أي مكان آخر، فسقوط الخلافة حتمًا سيتبعه «انتقام».

كما وجه رسالة لقادة التحالف الغربي أنهم «لن ينسوا، وسيأتون لعقر دارهم وينفذون العمليات الإرهابية».

تنذر كل تلك التصريحات ببداية فترة جديدة وإستراتيجية جديدة للتنظيم، قد تتطلب تغيير استخبارات العالم إستراتيجياتها هي الأخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد