قال كريشناديف كالامور في تقرير له على موقع مجلة «ذي أتلانتك» إنه في أغسطس (آب) من عام 2010، أعلن الرئيس باراك أوباما انتهاء مهمة بلاده في العراق، التي بدأت مع الغزو في عام 2003، الذي أطاح صدام حسين من السلطة. ولكن بعد ثماني سنوات، تظهر الهجمات التي تضرب البلاد اليوم، التي يتبنى معظمها تنظيم الدولة، مدى صعوبة تحقيق الاستقرار في بلد لم يشهد استقرارًا كبيرًا منذ ذلك الحين.

أعلن العراق «النصر» على داعش في أواخر العام الماضي –يضيف كالامور– بعد أن طردت قوات الجيش المتحالفة مع المقاتلين الأكراد والميليشيات الشيعية، وبدعم من التحالف الدولي، المتطرفين إلى خارج المدن العراقية. في أوج قوته في عام 2014، سيطر داعش على مساحة واسعة من الأراضي العراقية والسورية. ويقول مسؤولون عسكريون أمريكيون إنه تم الآن طرد التنظيم من 98% من الأراضي التي كان يسيطر عليها ذات يوم. لكن التنظيم ظهر مجددًا في وسط العراق، حيث نفذ هجمات وصفتها صحيفة «واشنطن بوست» بأنها «تذكرنا بشدة بالتكتيكات التي ميزت التمرد في السنوات التي سبقت عام 2014». كل هذا على الرغم من المليارات التي بددتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتعزيز أمن العراق ومؤسساته المدنية وبنيته التحتية.

عودة بعد غياب

شهدت مدينة القائم في محافظة الأنبار بالقرب من الحدود مع سوريا هجومًا أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص على الأقل. وبشكل منفصل، أدى تفجير انتحاري في كركوك إلى مقتل شرطيين. كلتاهما منطقتان ينشط فيهما التنظيم.

ينقل كالامور عن مايكل نايتس، الخبير في شؤون العراق بمعهد واشنطن: «لم يتغير أو يختفي تنظيم الدولة. كل ما فعلوه هو أنهم استبدلوا السيطرة على الأراضي بحرب العصابات».

احتفلت الحكومة العراقية وحلفاؤها بالانتصارات ضد التنظيم العام الماضي في بلد يغرق منذ سنوات في الاضطرابات. لكن داعش، وفقًا لنايتس، لا يهتم بخسارة المدن العراقية الرئيسية التي كان يسيطر عليها ويراهن على مد أمد الصراع. وقال: «إنهم لا ينظرون إلى الأمر على أنه نهاية عملياتهم، بل مرحلة جديدة من الحرب». زار نايتس مؤخرًا بغداد، والتقى بالمسؤولين هناك.

عناصر من داعش في بادية حمص في سوريا

ويكشف كالامور عن أن المحافظات الثلاث ذات الأغلبية السنية التي كان يسيطر عليها التنظيم –ديالى وصلاح الدين والأنبار– تشهد عودة ظهور الجماعة للقيام بهجمات متمردة قوية. يقول نايتس: «تشير الأرقام الكمية إلى أن داعش نشط في أوائل عام 2013 في معظم الأماكن»، ثم يضيف: «لكن من الناحية النوعية، يمكنك أن ترى أن التنظيم قد عاد إلى أسلوب العنف الذي سمح له بالسيطرة على المناطق الريفية في 2012 و2013».

يقول نايتس: إن أحد المؤشرات القوية على ما إذا كان داعش يستعيد قوته في العراق هو شيوخ القرى الذين يقتلهم المسلحون. فعلى مدار الأشهر الستة الماضية، قُتل حوالي ثلاثة منهم كل أسبوع. ويوضح: «هذا يعني أنه في غضون شهر، شهدت 14 قرية مقتل شيوخ القرى من قبل داعش. على مدى ستة أشهر، يصبح الرقم 84 قرية. وعلى مدى عام، يعني ذلك أن 168 قرية شهدت قتل أهم شخص في القرية دون أن تتمكن قوات الأمن من فعل أي شيء حيال ذلك».

ويضيف نايتس: «إن هذا يضعف تمامًا ثقة السكان في قوات الأمن، ويجعلهم لا يتعاونون مع قوات الأمن بدافع الخوف. فلا يعارضون التنظيم أو يبلغون عنه. وفي النهاية، يبدأ أطفالهم برؤية التنظيم بوصفه أقوى قوة في المنطقة».

من السيطرة على المدن إلى حرب العصابات

ويؤكد كالامور أن استراتيجية التنظيم السابقة اعتمدت على الذوبان بين السكان المدنيين. إذ يختبئ المقاتلون في الأماكن حيث يصعب العثور عليهم؛ مثل الكهوف والجبال ودلتا الأنهار. كما عاد التنظيم أيضًا إلى قواعد اللعبة التي جعلت منه قوة في عامي 2012 و2013: هجمات واغتيالات وترويع، خاصةً في الليل.

يستدرك نايتس: «يمكنك أن تقول إن العراق كله تقريبًا قد تم تحريره من داعش خلال النهار، لكنك لا تستطيع أن تقول ذلك في الليل»، ثم يضيف: «ففي الليل، يتحكم التنظيم في الكثير من الأراضي أكثر مما يفعل خلال النهار. وإذا تحدثت إلى مسؤولي المخابرات العراقية في بغداد سيخبرونك بأن مقاتلي الدولة الإسلامية لديهم حرية مناورة كاملة ليلًا في العديد من المناطق».

التنظيم نشر الرعب في سوريا والعراق

وهذا يمثل تحديًا للعراق الذي يواجه مشكلات عديدة، كما يؤكد كالامور. تعاني بغداد من صراع على تشكيل الحكومة، واحتجاجات على الفساد، وتدخل الجيران، والتوترات الطائفية، مما يهدد الديمقراطية الهشة. إذا ما بقي تنظيم داعش في قوته الحالية في المستقبل المنظور، سيستحيل على الحكومة تقريبًا تحقيق الاستقرار في المناطق السنية، وهي خطوة أساسية إذا أريد للعراق أن يبقى في شكله الحالي.

كما أن ثمة شكوكًا في قدرة قوات الأمن العراقية على تحويل نفسها من جيش نظامي استعاد الأراضي من داعش في المدن، إلى قوة يمكنها مكافحة التمرد على نطاق واسع وفعال في المناطق الريفية في العراق. تحتاج القوات إلى أن تكون قادرة على تقديم ضمانات موثوقة لقادة القبائل، ومعظمهم سنة، بأن الإبلاغ عن خلية لداعش ليس فقط الشيء الصحيح الذي ينبغي أن يقوموا به، ولكن أيضًا بأنه لن يمسهم سوء لأنهم سيحمونهم. هذا يستغرق سنوات، ناهيك عن المال.

إن مهمة مقاتلي داعش بسيطة للغاية بحسب نايتس، إذ تتمثل في «الجلوس في كهفه انتظارًا لليوم الموعود. ثم الانطلاق إلى قرية ما وإطلاق النار على شيخها. ما أسهل ذلك!».

تضارب في تقدير حجم التنظيم

ليس ثمة تقدير دقيق لعدد مقاتلي داعش المتبقين –يقول كالامور– فقد قدرت الأمم المتحدة أن هناك ما بين 20 إلى 30 ألف مقاتل للتنظيم في سوريا والعراق، مقسمة بالتساوي بين البلدين. وفي تقرير للكونجرس، حدد المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية عدد مقاتلي التنظيم في العراق بين 15 إلى 17 ألف مقاتل «مع 14 ألفًا في سوريا». تقترب هذ الأرقام من أعداد مقاتلي التنظيم في ذروة التمرد في عام 2014.

وفي حديثه إلى الصحافيين، رفض الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة، تلك التقييمات، قائلًا إن لديه شكوكًا في بعض الإحصاءات. قال: «ليس لدي ثقة كبيرة في هذه الأعداد. نحن نعرف أن هناك جيوبًا متبقية من داعش داخل العراق، ولهذا نساعد قوات الأمن العراقية. نحن نقر بوجود عمل متبقٍ، لكنني متيقن من أن قوة التنظيم ليست كما كانت في ذروتها في 2014».

التنظيم لم يتورع عن تجنيد الأطفال

ينفي نايتس بشدة التقديرات الحالية لعدد مقاتلي التنظيم. ويقول: «كيف تميز مقاتل داعش؟ هل هو مقاتل أجنبي؟ أم هو من كادر القيادة؟ هل هو الرجل الذي انضم إلى التنظيم، ثم تركه بعد ضعفه؟ إن مقاتل داعش شخص همجي، وعضو عصابة، وسيكون بالقدر نفسه من السعادة إذا انضم إلى ميليشيا حكومية».

وأضاف نايتس أنه قد يكون هناك 15 ألف مقاتل يتعاونون مع داعش، لكن عدد المقاتلين الفعليين لا بد أنه أقل بكثير. هناك عدة أسباب لهذا –يكشف كالامور– فقد دمر داعش سوريا. وقد تحسن أداء قوات الأمن العراقية، وبات الدعم الذي تحصل عليه أفضل مما كان عليه من قبل. ويعرف العراقيون السنّة الذين عاشوا في ظل حكم داعش مدى بشاعة الحياة تحت قبضة التنظيم. ليس لدى داعش القدرة، ولا الدعم، للاستيلاء على مدن العراق وحقولها النفطية كما فعل في عام 2014.

يقول نايتس: «إن التهديد الذي يمثلونه ليس أنهم يستطيعون السيطرة على المدن، أو منع العراق من تصدير النفط، أو اغتيال رئيس الوزراء. المشكلة هي أن داعش سيجعل من المستحيل تحقيق الاستقرار في وسط البلاد وشمالها وغربها. إنهم مثل السم في الأرض أو الملح في الأرض. وإلى أن يُقضى عليهم، لا يمكنك إعادة بناء أي شيء. لا يمكنك إعادة تدوير عجلة الاقتصاد. لا يمكنك جعل الناس يعودون إلى قراهم، ويخرجون من معسكر النازحين. لا يمكنك فقط تطبيع الحياة في وجودهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد