يواجه بلدُنا [أمريكا] خطرين قاتلين في رأي المُرشَّحين الرئاسيين من الحزب الجمهوري؛ أحدهما هيلاري كلينتون، والآخر الإسلام المُتطَرِّف. ولا يكفي استهداف الجهاديِّين بالقوة العسكرية كما فعل الرئيس أوباما، بل يقول الجمهوريون بضرورة التمادي أكثر من ذلك، فعلينا تعريف الإسلام المتطرف بأنه العدو.

قال سكوت ووكر حاكم ولاية ويسكونسن أثناء زيارة حملته الانتخابية لولاية نيو هامبشاير منذ شهرين: «نحن بحاجة إلى قائد عام يقف بقوةٍ ويقول أنَّ الخطر الأكبر الذي يُهدِّدنا هو الإرهاب الإسلامي المُتطَرِّف»، وأكَّد ووكر أنَّ «الإرهاب الإسلامي المُتطَرِّف كالفيروس، وإن لم تقتلعه من جذوره تمامًا، فسيعود مرارًا وتكرارًا مثل فيروس الكمبيوتر». وصف السيناتور تيد كروز بعد ذلك بأسبوعٍ عند إعلان ترشُّحه، رئيسًا سيتعهَّد بوضوحٍ بهزيمة الإرهاب الإسلامي المتطرف، قاصدًا نفسه.

اقرأ أيضًا: دليلك إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016

تجمَّع المزيد من المتفائلين بالفوز في انتخابات 2016 في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري بولاية جنوب كارولينا الأسبوع الماضي. قال ريك سانتورام إنَّ داعش «تريد إعادة إنتاج النسخة الشائعة للإسلام في القرن السابع» وأضاف مُقتَرِحًا: «لنقصفهم حتى نعيدهم إلى القرن السابع». تحدَّث متنافسون آخرون، وبينهم جيب بوش، عن تعرُّض المسيحيين واليهود للاعتداءات، وربط ريك بيري بين الصراع الحالي وبين الحرب الباردة، ودعا للتحلِّي بنفس العزم الذي تحلَّى به الأمريكيون لهزيمة الشيوعية السوفيتية، وسَخر من أي مقارنة بين العنف الإسلامي والعنف المسيحي، وقال: «نحتاج رئيسًا لا يُبرِّر للإرهاب الإسلامي المُتطَرِّف باعتباره مماثلًا للحملات الصليبية ومحاكم التفتيش».

انضمَّ مايك هاكابي إلى تلك الأصوات صباح الأربعاء، فوضَّح أنَّ لأعدائنا «جذورًا في الجهاد الإسلامي، سواء كانوا القاعدة أم داعش، فكُلّهم فروع من الشجرة ذاتها». وقال هاكابي إنَّ أكبر فشل لأوباما هو عدم تعريفه لهذا العدو بأنَّه الجهاد الإسلامي.

هؤلاء المُرشَّحون مُحقِّون من نظرةٍ سطحية، فداعش والقاعدة ومن على شاكلتهما إسلاميُّون، إذ تُمثِّل هذه المجموعات قطاعًا من الإسلام، على الرغم من أنَّها لا تُمثِّل قطعًا الدين بأكمله. ولكن تعكس غوغائية الحزب الجمهوري فيما يتعلَّق بهذه القضية – إذ يتودَّد للمسيحيين واليهود عبر تصوير الإسلام بالأخص كأنَّه دين عنيف أو مريض – الجهل بالتاريخ الديني وتُكرِّس له. ليس اليهود والمسيحيون مُحصَّنين ضد التعصُّب الذي يُحرِّك الإسلام الآن، فقد مررنا بهذه المرحلة سابقًا.

تجلَّى هذا الدرس الأسبوع الحالي في منتدى Faith Angle؛ وهو مؤتمر مُدته يومان عن الدين والحياة العامة. لم يكُن المُتحدِّثون فيه سياسيِّين أو مُسلِمين، بل كانوا باحثين في «داعش»، أو بمعنى أدق، في التاريخ الديني. لذا لم يشعروا بحاجةٍ إلى تمويه الصلات بين الإسلام والعنف ولا المبالغة فيها. أدار برنارد هيكل الأستاذ بجامعة برينستون النقاش، واعتبر الادِّعاء الأكاديمي بأنَّ داعش ليست إسلامية تافهًا، خلال سرده للفروق بين الإسلاميين – فالسلفية مجرَّد فرع واحد من الإسلام، ويُمثِّل الجهاديُّون العنيفون أقلِّية بين السلفيين، وداعش فئةٌ مختلفةٌ من القتلة -. أشار إلى أنَّ أيديولوجيتها هي ما يجذب أتباعها، إذ يفرض قادتها القوانين الإسلامية ويقدِّمون تفسيرات مُتعمِّقة، وإن كانت مُشوَّهة، للنصوص المُقدَّسة.

ولكنَّه اعتبر كذلك أنَّ فكرة ضرورة محاربة الإرهاب مثل الشيوعية تافهةً. إذ قال إنَّ  داعش لا تُمثِّل خطرًا حقيقيًا على الغرب، فتركيزها ينصَبّ على التحريض على الحرب بين المُسلِمين، وليس بين المُسلِمين والمسيحيين، فتستهدف الشيعة والصوفيين والأنظمة العربية التي تراها كافرةً. اتَّفق معه ويل مكانتس الخبير في مؤسسة بروكينجز والمستشار السابق لمكافحة الإرهاب. فداعش والسلفيون الآخرون يعتقدون أنَّ مهمتهم إنقاذ الإسلام، ويرون أنفسهم إصلاحيِّين.

يشير الإصلاح في الولايات المتحدة ضمنًا إلى التغيير البَنَّاء السلمي، ويزعم كلٌ من كروز وهاكابي وبيري وسانتورام وووكر أنَّهم مُصلحون، ولكنَّ للإصلاح أيضًا تاريخًا دمويًا. يسمع هيكل أصداء الإصلاح البروتستانتي في الثورات العربية في القرن الحالي، فكان هناك في عصر مارتن لوثر كذلك تراجع للسلطة التقليدية وثورة تأهيلية في تكنولوجيا المعلومات وحركة ارتجاعية دينية ضد الفساد وتطلُّع لوضوح أوَّلي للعقيدة، بما يشمل فهمًا مباشرًا للنصوص المُقدَّسة. يُنذر ذلك التشابه بسوءٍ، فقد ظلَّ المسيحيون يتقاتلون لما يزيد عن قرنٍ قبل أن يعدلوا نهائيًا عن الحرب الدينية.

وسَّع جوناثان ساكس؛ حاخام بريطانيا الأكبر السابق، من هذا التشابه في الجلسة الختامية للمؤتمر، وقال إنَّ نمط الحروب الأهلية الدينية لا يرجع فقط إلى عصر الإصلاح، وإنَّما إلى الانتفاضات اليهودية في القرنين الأوَّل والثاني. فقد كادت الثورة اليهودية الكُبرَى ضد روما وثورة الشتات وثورة بار كوخبا أن تمحو اليهود من على وجه الأرض. لم يتنازل اليهود عن جنون محاولة التسبُّب في نهاية العالم أو العيش فيها سوى بعد عقودٍ من إراقة الدماء.

يرى ساكس الأديان الإبراهيمية الثلاثة إخوة متنافسين، فكلٌ منهم خاضع لثنائية مَرَضية يمكنها أن تنفجر في صورة عنفٍ مُطوَّل. مرَّت اليهودية بمرحلة المذابح الخاصة بها بعد ميلادها بحوالي 1500 عام، وكذلك فعلت المسيحية، والآن حان دور الإسلام. إذا كان ساكس مُحِقًّا، فالدين في حد ذاته ليس مصدر العنف، ولكن لا يمكن الزعم بعدم ارتباطه به على الإطلاق. ولا يجب أن يتخيَّل أيٌ من الأديان الإبراهيمية الثلاثة أنَّه مَنيع. يقول ساكس أنَّ اليهودية والمسيحية ليسا أفضل من الإسلام من حيث العنف، إنَّهما فقط أقدم منه.

هل يمكن للانفجار الإسلامي أن يُنهي مساره أسرع ومع إراقة دماء أقل ممَّا فعلت المسيحية أو اليهودية؟ عرض المُتحدِّثون أفكارًا ولكنَّهم يعترفون بأنَّه لا يمكن لأحدٍ الفصل في حربٍ أهلية إسلامية سوى المُسلمين. وما يمكن لبقيتنا فعله هو مقاومة الاستجداء السياسي لحِسِّنا الساذج بالأفضلية الأخلاقية، فكُلنا فروع من الشجرة ذاتها. لا يمكننا القضاء على الحرب الأهلية الإسلامية بقصف داعش حتى نعيدهم إلى القرن السابع، ولا يجب علينا بالطبع أن ندافع عن الحملات الصليبية أو محاكم التفتيش.

تُمثِّل كلٌ من داعش والقاعدة خطرًا إسلاميًا، ولكن ما يعنيه ذلك في الحقيقة أنَّ هناك خطرًا أكبر كثيرًا على المسلمين مِمَّا على غيرهم؛ والمَرَض الذي أنتَجهم ليس إسلاميًا وإنَّما بشريٌ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد