منذ 50 عامًا، التقى صحفي بريطاني بمجموعة من الراهبات البلجيكيات في الكونغو التي مزَّقَتها الحرب، وصاح قائلًا: «هل هناك من تعرَّضت للاغتصاب وتتحدث الإنجليزية؟» ولكن تظل قساوة تلك العبارة؛ التي اشتهرت بكونها عنوان كتاب من تأليف المراسل المخضرم إدوارد بير، معنا حتى اليوم، بل وربما تكون النزعة الشكِّية التقريرية واستغلال الضحايا أسوأ من قبل.

لقد ركَّز الصحفيون العراقيون والعالميون الذين أعدُّوا تقارير عن النساء والفتيات اليزيديات الهاربات من أَسْر داعش على أسواق العبيد والزواج القسري والاغتصاب بهوسٍ واضح.

أقيمُ في كردستان العراق، حيثُ التقيتُ بعددٍ من هؤلاء الصحفيين، بمن فيهم أولئك الذين يبحثون عن جهات اتصال داخل المجتمع اليزيدي. عندما أسأل الصحفيين عن أسباب تسليط الضوء على العنف الجنسي، أجد إجابات مختلفة. يزعم البعض أنَّ القصص المأساوية هي الطريقة الوحيدة لجذب انتباه الناس وجعلهم يهتمون ويستجيبون. أخبرتني إحدى الصحفيات أنَّها بحملِها الضحية على التحدُّث، تساعدها على التعامل مع صدمتها وخزيها.

أطلقت «داعش» مؤخرًا سراح 216 يزيديًّا في كركوك، وما يزال النساء والأطفال مستمرين في الهرب، على الرغم من انخفاض أعدادهم انخفاضًا كبيرًا في الأشهر القليلة الماضية. ويُصرّ الصحفيون على العثور على أولئك الضحايا الهاربات لسؤالهن عن العنف الجنسي الذي عانوا منه في الأَسر، على الرغم من حقيقة كونهن تعانين من صدمات نفسية وربما تواجهن القتل أو النبذ إذا ظهرَت مثل تلك التفاصيل.

هل يفوق اهتمامُ العامة بمعرفة تفاصيل العنف الجنسي حاجةَ هؤلاء الضحايا المُلحَّة للسلامة والخصوصية أهميةً؟ لا أعتقد ذلك، وهناك ما يشير إلى أنَّ الضحايا ستتَّفقن معي.

في بعض الحالات المُتطرِّفة، خدع الصحفيون الضحايا لإجراء مقابلات معهم. تحكي منظمة العفو الدولية في تقريرها «الهروب من الجحيم» قصة امرأة كانت قد طلبَت مساعدة طبية لأنَّها تعاني من نوبات هلع، بدلًا من اصطحابها لمكتب الطبيب، أُرسِلَت إلى حجرة مليئة بالصحفيين الذين ينتظرون إجراء مقابلة معها. في حالة أخرى، سجَّل رجلٌ يبدو أنَّه كان صحفيًا، ولكنه زعم أنَّه طبيب، مقابلات مع الضحايا بتسجيلات مصوَّرة وأخبرهن أنَّه لن يُظهِر وجوههن. قالت النساء لمنظمة العفو الدولية إنَّ الطبيب نصحهن بعلاج الاكتئاب عن طريق الخروج من المنزل والتنزُّه في الحقول والجلوس في الشمس.

ركَّزَت تقارير عديدة حول النساء والفتيات اليزيديات تركيزًا بالغًا على تفاصيل العنف الجنسي، برغم أنَّ هذا لم يكُن الشكل الوحيد للانتهاكات التي أوقعتها داعش على هؤلاء الضحايا، كما لم يتعرَّض كل السجناء للاغتصاب. كانت إحدى عواقب ذلك الهوس بإعداد التقارير الإخبارية عن الاغتصاب أن أصبحت كل الهاربات الآن مُشتبَه بهن من قِبَل عائلاتهن ومجتمعاتهن والعاملين بالإغاثة الإنسانية في أنَّهن قد تعرضن للاغتصاب خلال الأَسر، وتواجهن جميعًا الآن الوصم.

ظهرت في وثائقيات تليفزيونية عديدة ضحايا منفعلات وباكيات، وكشفت وثائقيات أخرى عن أسماء الضحايا ووجوههن، أو وشمٍ أو وشاح رأس أو قطعة ملابس قد تُمكِّن من التعرُّف عليهن. لدى العراقيين إنترنت واسع النطاق وقمر صناعي، وقد عرَّض الصحفيون سلامة الضحايا وخصوصيتهن للخطر بعرضِهم تلك الصور.

نشرت شبكة NBC الإخبارية في شهر فبراير مقالًا عن العاملين بالإغاثة الإنسانية الذين يساعدون النساء اليزيديات اللاتي هربن من داعش، وأخلت الشبكة في منتصف المقال مسؤوليتها بعبارة: «لا تُعرِّف شبكة NBC الإخبارية عادةً بهوية ضحايا الاعتداء الجنسي، ولكنَّها حصَلَت على إذن النساء الشابات المذكورات في المقال، وإذن أولياء أمورهن الحاليين». لِمَ توجد معايير مزدوجة للتعامل مع الضحايا الأجانب بينما لم يكُن من الممكن أن يُسمَح بذلك في الولايات المُتحدة؟

ينتمي هؤلاء الضحايا لمجتمعٍ محافظٍ، على النساء والفتيات فيه الحفاظ على شرف العائلة بالحياة وفقًا للتقاليد الجنسية والاجتماعية الصارمة. إحدى الطرق التي يمكن أن تفقد بها النساء والفتيات شرفهن في المجتمع العراقي هي تعرُّضهن للاختطاف والاشتباه في تعرُّضهن للاغتصاب، وتستخدم داعش الاغتصاب سلاحَ حربٍ ضد النساء والفتيات اليزيديات لإلحاق العار بالمجتمع اليزيدي بأكمله.

حين التقيتُ بامرأتين شابتين قد هربتا من داعش لتقديم طلب للحصول على دعم الحالات الطارئة، قالتا لي: «نحن ننتظر الموت». لقد نجحتا بصعوبةٍ شديدة في تجنُّب الزواج القسري والاغتصاب، ولكنَّهما ما تزالان تشعران باليأس فيما يتعلَّق بالمُستقبَل. أُجبِرَت فتاة مراهقة أخرى التقيتُها على الزواج من أحد المُقاتلين ثم هربَت بعد شهرٍ، لم تشعُر بالأمان وقالت لي: «أخشى أن أُختَطَف ثانيةً، فزوجي يتَّصل هاتفيًّا بأحد أقربائي بحثًا عني». يعيش العديد من هؤلاء الضحايا الآن في أنحاء متفرِّقة من كردستان العراق في خيم ومجموعات من المباني غير المكتملة، يعلم الجميع هويتهن، وهُن يخشين أن يتركن مساكنهن وأن يدينهن الناس بانعدام الشرف.

عندما يذهب الصحفيون لمناطق النزاع لإعداد تقارير عن العنف الجنسي، فهم مُلزَمون وفقًا للبروتوكولات الصحفية العالمية بإجراء مقابلات أخلاقية، يشمل ذلك وضع مستوى الصدمة النفسية التي عانت منها الضحية والأثر الذي ستُحدِثه المقابلة في الاعتبار. سيُفيد تطبيق الإرشادات الأخلاقية كثيرًا في منع إعادة الإيذاء والإصابة بالصدمات النفسية.

ليس الصحفيون عاملين مُدرَّبين بخدمات الصحة العقلية، وليسوا مُجهَّزين للتعامل مع الضحايا اللاتي تظهر عليهن أعراض نفسية خلال المقابلة. غالبًا ما يُحيل الصحفيون في كردستان العراق الحالات إلى بعضهم البعض، ويضغطون على الضحايا لتحكين قصصهن مرارًا وتكرارًا. كلما سأل صحفيٌ ضحيةً عن صدمتها النفسية، أعاد فتح جراحها مرةً أخرى.

ومع توغُّل قوات التحالف والقوات العراقية إلى المناطق التي تسيطر عليها داعش – وآخرها تكريت- ووجود خطط مزعومة لإطلاق حملةٍ ضد معقل داعش في الموصل، تستعد مجتمعات الإغاثة الإنسانية والعاملون بها لتدفُّق النازحين من جديد، ومن المُحتمَل وجود المزيد من ضحايا الاعتداء الجنسي بين السكان النازحين الجُدُد بما أنَّ هناك ما يُقدَّر بحوالي 2500 إلى 3000 أسير.

تُهمل البروتوكولات العالمية التي تُقدِّم إرشادات عامة، ولكن لم يفُت أوان وضع الإجراءات الوقائية في نصابها لمنع الممارسات الاستغلالية. هناك العديد من المصادر التي تُرشد الصحفيين الذين يُعِدُّون تقارير عن العنف الجنسي، هناك إرشادات عامة شاملة مثل «الإرشادات الإعلامية لإعداد التقارير الإخبارية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في السياقات الإنسانية» الصادرة عن المجموعة العالمية للحماية التي ترأسها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين (UNHCR)، و«أفضل الممارسات في إعداد التقارير حول الصدمات النفسية» الصادر عن مركز دارت للصحافة والصدمات النفسية. كما توجد بعض الإرشادات في «المبادئ والقيم الإخبارية» الخاصة بوكالة «أسوشيتد برس»، وقرار المجلس الأوروبي حول أخلاقيات الصحافة (رقم 1003). ووضعت وكالة ميدياوان المحلية بكردستان العراق قواعد للسلوك من 10 نقاط تُمثِّل نقطة انطلاق للمنافذ الإعلامية المحلية.

من الأمور التي يمكن للصحفيين فعلها لضمان حماية مصالح الضحايا في مناطق النزاع على نحوٍ أفضل؛ استخدام مُحاوِرات أو مُترجِمات أو على الأقل وجود امرأة خلال المُقابَلة، وإجراء المقابلات في مكانٍ سري خارج الخيم الموجودة في المُخيَّمات، وعدم الضغط على الضحايا لكي تتحدثن إذا كُنَّ منزعجات، ومنح الضحايا الحقّ في إنهاء المُقابَلة، وألَّا يُصدروا الأحكام، وأن يشرحوا بالكامل هويتهم والجهة التي يعملون لصالحها وكيفية استخدام المعلومات، والحصول على إذن الضحية أو أولياء أمورها إذا كانت قاصرة، وعدم سؤال الضحايا قط عمَّا إذا كُنَّ قد تعرضن للاغتصاب، أو وَعد الضحايا بمكافآت في مقابل الحصول على قصصهن.

ما زال الطريق طويلًا وصعبًا أمام النساء والفتيات اليزيديات، إذ تُخاطرن بنبذ عائلاتهن لهن رغم حقيقة كونهن ضحايا، وتقلقن بشأن عدم القدرة على الزواج وحياة بأكملها من الوصم. لا يمكنهن البدء في التعافي من صدمتهن النفسية حتى تشعُرن بالأمان وبإمكانية الحصول على الخدمات. تجدن من الصعب تخطِّي الأمر مع وفاة العديد من أفراد العائلة أو أَسرهم. يلعب الصحفيون دورًا هامًا في جذب الانتباه إلى محنتهن، ولكن لا ينبغي لذلك أن يكون على حساب سلامة هؤلاء الضحايا وكرامتهن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد