تناول جويل بليتشر في مقال له على موقع «ذي أتلانتك» المراحل التاريخية التي مرّ بها الفكر الإسلامي واستيعاب المسلمين له منذ بعثة النبي محمد وحتى اليوم.

يقول بليتشر – أستاذ مساعد في قسم التاريخ في جامعة «جورج واشنطن» ويدرّس التاريخ الإسلامي – إنّه لطالما سئل من طلابه عن رأي القرآن الكريم في مسألة ما أثناء محاضرات التاريخ الإسلامي التي يلقيها. ويرى بليتشر أنّهم إذا كانوا يبحثون عن تفسير لتطور الفكر الإسلامي عبر التاريخ بالإجابة على هذا السؤال، فسيصابون بخيبة الأمل.

اقرأ أيضًا: «الإسلام الرسمي».. ما الذي يعنيه الصراع على المجال الديني؟

أوضح بليتشر أنّ العديد من طلابه متأثرون بالقيم الدينية والمدنية المستقاة من النصوص المقدسة، التي غزت المجتمع في أعقاب حقبة التنوير، وهكذا افترضوا أنّ أكثر كتاب يؤثر في حياة المسلمين هو القرآن. ومنذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ومع تعاقب الهجمات الإرهابية حول العالم، التي طال بعضها المثليين مثلما حدث في الملهى الليلي في أورلاندو، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية وما ارتكبه من فظائع باسم الدين، اتجهت الكثير من وسائل الإعلام إلى فحص القرآن باعتباره مصدر العنف.

ولأنّ القرآن بات يؤثر في حياة المسلمين وغير المسلمين على حد سواء فقد بات لزامًا علينا تطوير وعي أوسع نطاقًا بالنصوص والأشخاص والحركات التي أثّرت على الفكر الإسلامي عبر الزمن. يقول الكاتب إنّه قد اطلع مؤخرًا على مخطوطة قديمة – في مكتبة المخطوطات في مسجد السليمانية في إسطنبول – تظهر أنّ الإسلام كان محل مراجعة دومًا، بل وحتى كان المؤلفون أنفسهم يعيدون تقييم مؤلفاتهم الدينية كل فترة زمنية.

هناك اختلافات جوهرية بين هذه المخطوطة والنسخة التي تباع الآن من الكتاب. على سبيل المثال، هناك تحليل لحديث عن أذان ثانٍ إلى الصلاة في الأسواق يوم الجمعة، وهي إحدى أكبر نقاط الاختلاف بين السنة والشيعة. وأجاز العسقلاني الأذان الثاني في المخطوطة الأولى. لكنه أسهب في الحديث عنها في هوامش النسخ اللاحقة، فهاجم منافسيه على نشرهم الشك بترويجهم أحاديث مشكوك في صحتها.

كانت المخطوطة التي يسعى بليتشر لفحصها تعود لكتاب «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني، الذي وضع الأساس للإسلام السني كما نراه الآن. وقد اشتمل الكتاب على الممارسات والأحاديث الصحيحة الصادرة عن النبي محمد ويؤمن بها أهل السنة. كما احتوى الكتاب على شرح لآلاف الأحاديث التي وضعت أسس جوانب حياة المسلم كافة: مثل العبادة والحب والحرب والتجارة والحكم والقانون والتاريخ والطب، وحتى تنظيف الأسنان.

ويشدد بليتشر على أنّ منزلة هذا الكتاب بالنسبة إلى السنة تماثل منزلة تعليقات توماس أكويناس على الأناجيل بالنسبة إلى المسيحيين الكاثوليك، أو تعليقات راشي على التلمود بالنسبة إلى اليهود، فهذا يساعد على إعادة تشكيل نظرة المجتمع المتدين لتقاليده. وقد بات من المستحيل قراءة الأحاديث والأناجيل والتلمود في نفس الوقت، ومن هنا تنبع قوة تلك المؤلفات.

لقد كان لكتاب فتح الباري منزلة عظيمة قديمًا – يشير بليتشر – فقد كان السلاطين من مصر وبلاد فارس وتونس واليمن والهند مستعدون لبذل الغالي والنفيس للحصول على جزء من الكتاب حتى. أما اليوم، فإن الكتاب ينتشر في كل متاجر الكتب الإسلامية والعربية. وقد امتد سلطانه إلى الحد الذي جعل معظم الشخصيات الدينية – بدءًا بالمفتيين ودعاة الفضائيات وعناصر التنظيمات المتشددة مثل تنظيم الدولة الإسلامية – تقتبس منه. وقد جسد مسلسل درامي مصري حياة ابن حجر العسقلاني تخليدًا لذكراه.

اقرأ أيضًا: المسلمون في آسيا الوسطى.. ما الذي تعرفه عنهم؟

ويؤكد بليتشر على أنّ المؤلفات القديمة تصل إلى القراء بعد إدخال تعديلات كثيرة عليها، فتبدو وكأنّها أعمال كُتبت بين عشية وضحاها، على الرغم من أنّ كتابًا مثل فتح الباري قد استغرق 30 سنة على الأقل لإنجازه. «فهل أعاد ابن حجر النظر في تفسير بعض الأحاديث، ففسرها بشكل ما وهو في الأربعين من العمر، ثم فسرها بشكل آخر وهو في السبعين من العمر؟» يتساءل بليتشر. وعلى الرغم من أنّ ابن حجر كان يتلوا نسخًا أولية من كتابه على تلامذته، إلا أنّ هناك اعتقادًا سائدًا أنّ النسخ الممتدة من الكتاب هي التي بين أيدينا الآن.

«لهذا اتجهتُ إلى إسطنبول» يضيف بليتشر، حتى يطلع على نسخة أولية من الكتاب. وبعد أن تفحص تاريخ عدد لا يحصى من نسخ الكتاب في مكتبة السليمانية، عثر على النسخة الأولى. يعود تاريخ النسخة الأولى إلى عام 1419 ميلادية، أي قبل 20 عامًا من إعلان اكتمال الكتاب. وكان الناسخ هو أحد تلامذة ابن حجر، وأُدخلت تعديلات على الكتاب لاحقًا.

تفاجأ بليتشر من وجود اختلافات جوهرية بين هذه المخطوطة والنسخة التي تباع الآن من الكتاب. على سبيل المثال، هناك تحليل لحديث عن أذان ثانٍ إلى الصلاة في الأسواق يوم الجمعة، وهي إحدى أكبر نقاط الاختلاف بين السنة والشيعة. فهل كان ذلك مباحًا – مثلما يميل العديد من السنة – أم أنّ أحد الخلفاء المكروهين من الشيعة دسّ الفكرة على الإسلام؟

أجاز ابن حجر العسقلاني الأذان الثاني في المخطوطة الأولى – يستدرك بليتشر – وأدلى بتعليق مقتضب عن الخلاف حول أصل المسألة. لكنه أسهب في الحديث عنها في هوامش النسخ اللاحقة، فهاجم منافسيه على نشرهم الشك بترويجهم أحاديث مشكوك في صحتها. وفي زمن لاحق، جادل حول المصادر التي يتعين على المسلمين الوثوق فيها أثناء نقل التعاليم الدينية من جيل إلى آخر. وقد تحاشى ابن حجر تضمين أحاديث غير موثوقة في المخطوطة الأولى، حتى لا يمنح لأحد فرصة للتشكيك.

إنّ علينا السعي خلف أبسط تفسير للإسلام في عصر ظهر فيه أمثال داعش. لكن
علينا أن ندرك أنّ قيام ابن حجر بمراجعة كتاباته كل حين يعني أنّ الإسلام
لا يمكن أن يحدد في نطاق كتاب مقدس واحد لا يراعي الأبعاد الزمنية.

وقد استفاض ابن حجر في هذه النسخة في شرح معنى الحديث الخاص بأنواع المسلمين السبعة الذين سيظلهم الله في عرشه يوم القيامة. فوفقًا لهذا الحديث، هؤلاء السبعة هم صديق محب، وحاكم عادل، وشخص يقوم بالأعمال الخيرية إلخ. وفي المخطوطة الأولى، يتضح أن هذه القائمة ليست مقيدة بمعنى محدد، مثلما افترض بعض أقرانه. بل إنّه قد قدم قائمة أخرى للسبعة الذين يظلهم في عرشه، وهم بطل حرب وتاجر أمين وأشياء أخرى. وفي النسخ اللاحقة، يضيف ابن حجر سبعة آخرين، ثم سبعة غيرهم! فما انفك يراجع مؤلفاته حتى يتجاوز التفسير الضيق للأحاديث التي قد تعطل سبل تعبد المسلمين المختلفة لله.

يرى بليتشر أنّ علينا السعي خلف أبسط تفسير للإسلام في عصر ظهر فيه أمثال داعش. لكن علينا أن ندرك أنّ قيام ابن حجر بمراجعة كتاباته كل حين يعني أنّ الإسلام لا يمكن أن يحدد في نطاق كتاب مقدس واحد لا يراعي الأبعاد الزمنية. فالإسلام تراث مرن ومعقد خضع للمراجعة مرارًا وتكرارًا. وقد عمِل المسلمون على مراجعة تاريخهم لتطبيق تراثهم النصي بما يتوافق مع الظروف السياسية والاجتماعية الراهنة.

يختتم بليتشر بالقول إنّه عندما يسأله طلابه عن رأي القرآن في مسألة ما، فسيحيلهم إلى هذه المخطوطة – التي تعود إلى القرن الـ15 الميلادي – التي جرى تعديلها على مر السنوات، علهم يعيدون التفكير في نظرتهم حال هذا التراث الغني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد