أفرد موقع «سي إن إن» مساحة لمناقشة مستقبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ضوء الهزائم العسكرية الأخيرة التي مني بها التنظيم، وفي ضوء ترنُّح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بفعل الخسائر بطول «الخلافة» المزعومة، وذلك بعد ما يقارب ثلاث سنوات من إعلان زعيم التنظيم، العصي على الإمساك، عن قيام الخلافة الإسلامية في العراق وسوريا.

حاليًا تفقد الجماعة، بسرعة، سيطرتها على الموصل، أكبر معاقلها في العراق، أما مدينة الرقة، عاصمتها الفعلية في سوريا، فهي محاصرة من كل الجهات.

لكنَّ الأمر لا يتوقف عند فقدان الأرض.

فقد شهدت الجماعة، خلال الشهور الستة الأخيرة، تناقص تمويلها، وتوقف عملياتها الإعلامية، بالإضافة إلى قتل الكثير من كبار قادتها أو أسرهم.

ويعقد التحالف الدولي ضد داعش أكبر اجتماعاته حتى الآن، في واشنطن يوم الأربعاء، في الوقت الذي تتقدم فيه قوات سوريا الديمقراطية – وهي تحالف من القبائل الكردية والعربية – ناحية ضواحي الرقة. وسوف تحضر 68 حكومة ومجموعة – باستثناء روسيا وإيران – ما وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بأنها «لحظة محورية في وضع داعش على طريق الهزيمة النهائية التي لا رجعة فيها».

ومع أنَّ المعركة مع داعش أبعد ما تكون عن الفوز، إلا أنَّ خطوط هذه المعركة يعاد رسمها ببطء. ففي الوقت الذي طردت فيه الجماعة من المدن والقرى المهمة فيما كان، يومًا ما، أرض خلافتها، فإنَّ داعش تتطور من كونها خطرًا على الأرض، لكي تصبح خطرًا أيدcولوجيًا.

والسؤال الآن: كيف سوف تبدو النسخة الثانية من داعش؟

العمل السري

قال المتحدث السابق لداعش، أبو محمد العدناني، قبل أن يلقى حتفه في هجمة نفذتها طيارة بدون طيار، العام الماضي، إنَّ النكبات المحتملة الحدوث في الموصل والرقة لن تتسبب في نهاية الجماعة: «لا: فالهزيمة هي فقدان الإرادة والرغبة في القتال».

قال التقرير إنه لن يكون ثمة مهرب من معارك الموصل والرقة بالنسبة لبعض مقاتلي داعش. لا ولا هم يريدون هذا المهرب. سوف يعتنق أولئك المقاتلون، بعد حث رسائل العدناني والبغدادي لهم، فكرة الشهادة في أزقة الموصل والمساحات الشاسعة من صحراء الجزيرة. من المرجح أن يكون معظم أولئك الذين يقاتلون حتى الموت مقاتلين أجانب، ولو كان لنا أن نخمن من التجارب السابقة، فسوف يكون المغاربة والتونسيون والشيشانيون من بين أولئك المقاتلين.

اقرأ أيضًا:  داعش ستسقط.. لكن ماذا عن فكرة الخلافة؟

وقال التقرير إنَّ داعش تخطط لفترة ما بعد الخلافة منذ اليوم الأول لها. كان شعار الجماعة في المعارك «باقية وتتمدد». ومع أنَّ تمدد الجماعة قد يستغرق أجيالاً، إلا أنَّ قادة الجماعة مستعدون لدولة إسلامية بلا دولة. من المرجح أن يستمر كبار القادة، وأشرس المقاتلين في العراق وسوريا، ليشكلوا مقاومة سرية.

غرست داعش جذورًا عميقة في الأجزاء السنية من العراق (وجذورًا أقل في سوريا حيث يعتبرها الكثير من الجهاديين متطفلة). طورت الجماعة، خلال العقد الماضي، شبكات ماهرة في جمع المال، والحصول على الأسلحة والتنظيم السري في أنحاء واسعة من العراق ـ من ديالى في الشرق إلى الرطبة القريبة من الحدود الأردنية.

حتى في ظل الضغوط التي تتعرض لها داعش في الموصل، فإنَّ التنظيم ما يزال نشطة في الكثير من هذه الأماكن، وقادرًا على تنفيذ تفجيرات انتحارية في بغداد، وتكريت، وأماكن أخرى. أظهرت داعش مرونة في سوريا، عندما بحثت عن إيجاد مواطئ أقدام لها بعيدًا عن مقراتها في الرقة. وقد عاد التنظيم إلى يحسن فعله أكثر من غيره: الهجمات السريعة وسهولة الحركة والمفاجأة.

تبديل الولاءات

وقال التقرير إنَّ بعض المقاتلين ربما يحاولون تبديل ولائهم إلى جماعات أخرى، مع تناقص حظوظ داعش. تشمل هذه الجماعات في سوريا، جبهة فتح الشام، التابعة سابقًا لتنظيم القاعدة. لكن هناك تاريخ طويل من الدماء بين الجماعتين، الذين اختلفا خلافًا مريرًا وعلنيًا منذ ثلاثة أعوام، وعليه فلن يفكر الكثير من قادة داعش في مثل تلك الخطوة.

أما في العراق، فليس ثمة الكثير من البدائل لمقاتلي داعش بسبب أنَّ الجماعة قد هاجمت خصومها في تلك المنطقة بشكل منتظم.

حتى مع ذلك، فإنَّ انحسار داعش يمثل فرصة للقاعدة في العراق وسوريا وما ورائهما. ويقول الخبير في شؤون الإرهاب، بروس هوفمان، إنَّ بعض مقاتلي داعش سوف يرون في القاعدة الخيار الوحيد المتاح لاستمرار نضالهم. ذلك أنَّ أصل داعش يعود إلى فرع القاعدة في العراق.

شن الجهاد على الغرب

قتل ما لا يقل عن 75٪ من مقاتلي داعش منذ شن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضربات جوية في العراق وسوريا، وذلك بحسب مسؤولين أمريكيين. وقدر أولئك المسؤولون أنه بحلول نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كانت أعداد التنظيم قد انخفضت لتصبح 12 إلى 15 ألف مقاتل.

من الصعوبة بمكان تقدير عدد المقاتلين الأجانب الذين ظلوا في المنطقة. لكنَّ عدد من استطاعوا، العام الماضي، الوصول إلى «الأرض الموعودة» أقل بكثير من ذي قبل.

على أنَّ أكثر الاحتمالات إخافة بالنسبة للغرب أن يعود أولئك المقاتلون، بعد أن يجدوا من الصعب الاستمرار في العراق وسوريا بعد الخلافة، إلى بلادهم لتنفيذ هجمات منفردة إلى جانب تجنيد أعضاء جدد وإحياء الشبكات السرية.

سوف يحاول أولئك المقاتلون استخدام طرق المهاجرين، وغالبًا ما سوف يسافرون منفردين. لقد كشفت أنماط السفر لأولئك المتورطين في هجمات باريس وبروكسل، عيوبًا جسيمة في تتبع أولئك الأفراد بين أجهزة الأمن الأوروبية. ومع أنَّ سفر المقاتلين الأجانب عبر تركيا أصبح أصعب بكثير الآن، وذلك لتباطؤ تدفق المهاجرين، إلا أنَّ عددًا غير معروف قد تسرب من بين الشقوق.

ولا يتطلب الأمر أكثر من عدد قليل من الأفراد يعبرون البحر المتوسط، أو يسافرون عبر البلقان دون اكتشافهم، لكي تصبح مدينة أوروبية معرضة لهجمة مدمرة أخرى.

وقال التقرير إنَّ المساعدة اللوجستية والمالية لأولئك النشطاء سوف يتوجب عليها أن تجد موطنًا آخر عندما تسقط الرقة. (الهجمات الأخيرة في بروكسل وإسطنبول يبدو أنها قد نسقت من الرقة).

حتى مع ذلك، في عصر التشفير، فإنَّ بإمكان المتعاطفين أن يجدوا طرقًا للتواصل الآمن مع قيادة داعش. فالأوزبكي الذي نفذ هجمة رأس السنة على مهلى ليلي في إسطنبول لم يذهب قط إلى سوريا، لكنه تواصل مع قادة داعش من خلال دردشة مشفرة على تطبيق تليجرام، وذلك بحسب الشهادة التي أدلى بها إلى المدعي العام التركي.

وربما تكون تركيا الدولة الأكثر هشاشة لهجمات داعش، بالنظر إلى مجاورتها لسوريا والعراق واستخدامها قاعدة لوجستية من قبل داعش.

وبحسب أحمد يايلا، الرئيس السابق لدائرة مكافحة الإرهاب في تركيا: «لقد أدى التراخي الحكومي التركي إلى تنامي هذا التهديد، إلى جانب التخليص من الخبراء المحترفين في مجال مكافحة الإرهاب، بما في ذلك أولئك الذين فصلوا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي».

توسع أفرع داعش

ربما يحاول بعض أعضاء داعش التواصل مع رعاة جهاديين آخرين، بدلاً من المخاطرة بالعودة إلى أوطانهم.

ثمة دليل يشير إلى أنَّ مئات قد وصلوا بالفعل إلى أقاليم (ولايات) أخرى تابعة للتنظيم، خصوصًا في ليبيا، التي يبدو أنها كانت الخطة البديلة لقيادة التنظيم (حتى العام الماضي).

قامت المجموعات المسلحة في كل العالم، من شمال القوقاز الروسي إلى نيجيريا، بربط أعلامها بشعار داعش، خلال السنوات الثلاثة الماضية. بعض هذه المجموعات تشمل عشرات المقاتلين المختبئين في الجبال والغابات، وبعضها مجموعات معقدة وحسنة التمويل، وتربطها روابط وثيقة بالقيادة الأساسية لداعش. أما باقي المجموعات فهي مجموعات متمردين متشددين قادرة على إيقاع خسائر جسيمة بالجيوش.

إحدى هذه التنظيمات هو تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سيناء، الذي أوقع المئات من القتلى بين صفوف القوات الأمنية المصرية منذ انضمامها إلى داعش عام 2014.

مؤخرًا، قام التنظيم بإخبار المسيحيين أنَّ عليهم مغادرة سيناء، وتباهى بعمل نقاط تفتيش في وسط مدينة العريش الساحلية. كما أعلن التنظيم مسؤوليته عن تفجير الطائرة الروسية التي انفجرت في الهواء، وتحطمت في شبه جزيرة سيناء في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2015.

من غير المرجح أن يستطيع تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سيناء الاستيلاء على أراضي والحفاظ عليها، لكنه لا يبدو قريب الهزيمة، على الرغم من الهجوم الشديد من قبل الجيش المصري.

ربما يحاول بعض مقاتلي داعش الموجودين حاليًا في سوريا والعراق، الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سيناء والأفرع النشطة الأخرى، بنفس الطريقة التي انتقل فيها مقاتلو القاعدة إلى العراق واليمن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. سوف يحاول أولئك المقاتلون استخدام طرق المهاجرين وغالبًا ما سوف يسافرون وحدهم. لكنهم سوف يأخذون معهم مهارات تعلموها خلال سنوات من القتال.

العقلية الداعشية

ربنا يكون المناصرون الافتراضيون للنسخة الثانية من داعش أقل عناصر هذه النسخة قدرة على التوقع. أولئك الذين تطرفوا على الإنترنت ولديهم عدد من المظالم التي تتحول لأفعال عنف عشوائية.

تقع الهجمتان القاتلتان اللتان تعرضت لهما الولايات المتحدة، في الملهى الليلي بأورلاندو، وهجمة سان برناردينو، ضمن هذا التصنيف. وكذلك هجمة الشاحنة على نيس العام الماضي، والهجمات الأصغر حجمًا، المستوحاة من داعش في كل أوروبا.

نفذ هذه الهجمات أفراد لا يفهمون أيدولوجية داعش حق الفهم، أصحاب أحقاد شخصية عميقة وبلا اتصال مباشر بقادة التنظيم. لكنَّ ذلك لم يمنع داعش من التصريح بأنَّ مقترفي هذه الهجمات «جنود الخلافة».

أولئك الأفراد الذي تطرفوا بسبب ما يقرؤونه وما يسمعونه، يشكلون خطرًا مستمرًا، خصوصًا في المجتمعات التي يسهل فيها الحصول على الأسلحة المتطورة.

أولئك الأفراد المنعزلون يشكلون تحديًا متفرقًا، لكنه جدي للولايات المتحدة وأوروبا. أولئك الأشخاص، بالتعريف، لديهم شركاء قليلون، لو كان ثمة شركاء أصلاً. يستلهم أولئك الأفراد أعمالهم من الخطب والمحاضرات المبثوثة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل خطب أنور العولقي، الذي ألهم أكثر من عشر هجمات على الغرب منذ موته.

وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «قصف داعش حق القصف». ربما يكون هذا الأمر ممكنًا بين الأركان المتداعية للخلافة، لكن مع اختفاء بقايا داعش أو هروبهم، فإنَّ تلك العقلية الكارثية التي يمثلونها سوف تستمر. سوف تجد هذه العقلية ــ أو أية عقلية شبيهة للغاية ــ ترحيبًا بين السنة في الشرق الأوسط، الذين يشعرون بالاضطهاد، وبين عدد قليل من الشباب المسلمين الذين يشعرون بالغربة في المجتمعات الغربية، الذين يسعون لإيجاد معنى والانتقام من المظالم الحقيقية أو المتخيلة على حد سواء.

وقال تشارلي وينتر، الزميل البارز بالمركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي بكلية كينج لندن، والذي درس دعاية داعش لسنوات، للسي إن إن: «الدولة الإسلامية تنهزم عسكريًا، وهي تخسر أراضيها. لكن حتى لو فقدت داعش الموصل والرقة، فإن أيدولوجيتها سوف تستمر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد