التفجير الذي وقع الخميس الماضي في القاهرة، والذي أستهدف مقرًّا للأمن الوطني مسفرًا عن إصابة العشرات، سيظهر كخبر فرعي وسط عناوين الأخبار العالمية. لكن ذلك التفجير، في سياق سلسلة التفجيرات المشابهة، يمثّل أهميّة وجودية لمصر، فهو الحدث الأخير من حملة متصاعدة لم تتوقف منذ إطاحة الجيش بالرئيس المنتخب محمّد مرسي بانقلاب عسكري منذ عامين.

يبدو أن الإجابة ليست كما قد تتوقّع – كما تريد منك حكومة السيسي أن تتوقّع. لا يوجد دليل واضح على أن الهجمات تصدر عن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، أو حزبها، الحريّة والعدالة، حزب الرئيس السابق. لكن الأنظار تتجه إلى حركات جهادية أكثر تطرّفًا بكثير، تتخذ صحراء سيناء مركزًا لها، وتسمّي نفسها بـ”الدولة الإسلامية”. وبالطبع، فقد أعلنت مسئوليتها عن الهجوم الأخير.

على السطح، لا تبدو الدولة المصريّة هدفًا محتملًا لهذه الجماعات، فقد رأينا حركات “الدولة الإسلامية” المنظمة تتركّز في الأماكن التي تعاني من غياب السلطة الحاكمة، من سوريا إلى غربيّ العراق، موطن المنظمة، إلى محاولات لفرض سيطرتها في ليبيا، وأفغانستان.

تتمتّع مصر، على العكس من ذلك، بجوّ من الاستقرار، برغم تجربتها الأخيرة مع قلب نظام الحكم، والمحاولات الديمقراطية. ليس هناك فراغ سلطوي في مصر. بل إن السيسي يبرز كالنسخة المحدّثة من عبد الناصر، مصدرًا القوانين والتشريعات ومستخدمًا كافة الوسائل لدعم أركان حكمه، وقمع الحريّات المدنية.

إذن ما هي استراتيجية الدولة الإسلامية في مصر، بافتراض تواجدها؟ هل هؤلاء مجرّد جهاديين يحاكون تجربة الدولة الإسلامية ويلوّحون بأعلامها دون اتصال حقيقي بالمنظمة الكبرى؟ أم أن هناك شيء أخطر، وأكثر تهديدًا للاستقرار في مصر، يجري على الساحة؟

الإجابة الأفضل هي أن الهجمات من المحتمل – جدًا – أن تكون جزءًا من إستراتيجية واعية لاستغلال تقلّب الأوضاع الذي أحدثه انقلاب السيسي، وما تلاه من القمع للإخوان المسلمين والمحاكمات الهزلية لقياداتها وصفوفها.

في خلال عُمر حكومة مرسي القصير، شنّت عناصر جهادية في سيناء هجمات على إسرائيل (أُحبِط معظمها) وعلى القوات العسكرية المصرية (نجح بعضها)، لكنّهم لم يتورّطوا في حملة تفجيرات منظمة تستهدف منشآت أمنية داخل الأحياء السكنية.

ما تغيّر هو الخطر المتزايد أن تلجأ جماعة الإخوان المسلمين إلى التصدّي لانقلاب السيسي، وتطلق حملة ترويع هي الأخرى. والنموذج الذي تستحضره الأذهان القلقة هو عشرية الجزائر السوداء في التسعينات، عندما ربح الديمقراطيون الإسلاميون الإنتخابات، لتلغي الدكتاتورية العسكرية النتائج بعدها. كان رد الإسلاميين على القمع في الجزائر، في نهاية المطاف، هو العنف، الذي دفع بالجزائر إلى حرب أهلية استمرّت لعقد من الزمان وحصدت زهاء مائة ألف نفس.

لكن الوضع في مصر ليس مماثلًا لوضع الجزائر حينها، فالأخيرة كان لها تاريخ حافل من العنف الثوريّ. أمّا جماعة الإخوان المسلمين فقد التزمت بنبذ العنف لأكثر من نصف قرن، على الرغم من محاولات أعضائها اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر قبلها. والإسلاميون المؤيدون للعنف في مصر لم يتجهوا للانضمام للجماعة، حيث رفضوا طريق التدرّج في اكتساب السلطة من خلال صناديق الاقتراع.

بالإضافة إلى ذلك، فإن قيادة الإخوان المسلمين، منذ الإطاحة بمرسي، رفضت بدأب الدعوة إلى استخدام العنف. رغم اعتقالهم، فهم يفهمون جيّدًا أن أي حملات مسلّحة ستفقد الجماعة شرعيتها المتبقيّة التي تستمدّها من كونها السلطة الوحيدة المنتخبة ديمقراطيًا في تاريخ مصر الحديث.

لكن المصريين، من نظام السيسي ومؤيديه إلى عناصر الدولة الإسلامية في سيناء إلى أعضاء الجماعة المحنّكين، يعلمون أن هذا الوضع قابل للتغيير. لكل شخص قدرة على الاحتمال، وأعضاء الجماعة الأصغر والأكثر غضبًا ربّما يركنون إلى العنف، خاصّة بعدما اتضّح لهم أن نظام السيسي لن يسمح لهم أبدًا بالانغماس في أي أنشطة سياسية، ولو حتى شبه ديمقراطية.

يراهن تابعو الدولة الإسلامية في سيناء على قدرتهم على قلب الموازين، والدفع بمصر إلى الحرب الأهلية التي نجحت في تفاديها حتى الآن. هم يختارون أهدافهم المدنية بعناية لتشابه الأهداف التي قد تستهدفها جماعة الإخوان أيضًا حال لجوئها للعنف، كاختيار مقار عادية لقوات الأمن المصرية.

يعلم الجهاديون أيضًا أن هجماتهم سيتمّ استغلالها لتبرير المزيد من الإجراءات القمعية للجماعة، ولا مشكلة لديهم في ذلك، فهم لا يحملون تعاطفًا مع اعتناق الجماعة للمبادئ الديمقراطية، التي يعتبرونها ليست من الإسلام في شيء. هم يريدون مزيدًا من القمع للجماعة علّه يدفع بأعضائها إلى الجهاد المسلّح والانحياز، إن لم يكن التحالف الكامل، مع الدولة الإسلامية.

كان يمكن للثورة المصرية أن تتخّذ مسارًا مختلفًا. فعلى مقربة من مصر، في تونس تحديدًا، لم يتم الإطاحة بالديمقراطيين الإسلاميين المنتخبين من السلطة، وإنما خسروا الانتخابات الديمقراطية التالية، ويشاركون الآن في الحكومة، كحزب سياسي عادي.

لكن النظام الديمقراطي التونسي لم يسلم من الاستهداف بتفجيرات على طريقة الدولة الإسلامية أو القاعدة، أغلبها استهدف سيّاحًا، وذلك بقصد الإضرار بالاقتصاد التونسي، وتحجيم سلطة الحكومة. يهدف الإرهابيون إلى زرع بذور عدم الاستقرار حتى في دولة لم تعرف سوى الاستقرار.

الخطر في مصر أعظم من تونس. يجب أن يكون السيسي حذرًا قبل أن يندفع إلى ربط عنف الدولة الإسلامية بجماعة الإخوان؛ لأنه قد يجد نفسه مهدّدًا بذات الخطر الذي ادّعى وجوده – ولكن على نطاق أوسع من قدرته على احتوائه. نطاقٌ يخلّف عواقب مدمّرة طويلة المدى على مصر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد