مجاهدو الإمارة الإسلامية قد أثاروا موجة استياءٍ عالمية بمهاجمتهم صُروحًا أثريةً قديمة بالمطارق والبلدوزرات. لكنهم أيضًا، قد أجروا تصفية لها ببيع القِطع الأثرية الأصغر الآتية من سوريا والعراق؛ رابحين ملايين الدّولارات خلال عمليات نهبٍ منظّمة آخذةٍ في الازدياد، لكنوزٍ وطنيّة طبقًا للخبراء وللإحصائيات الرسمية.

دافعت الإمارة الإسلامية عن تدميرها الإنشاءات الثقافية التي قد أبدعها الإنسان، قائلين بأنها وثنية، وتمثّل ثقافاتِ ما قبل الإسلام (جاهلية). خلف المَشاهد رغم ذلك؛ جَنْيُ الغنائم بالنسبة للجماعة قد صار أمرًا نِظاميًّا للغاية؛ حتّى أنّ الدّولة الإسلامية قد دّمجت تلك الُممارسة في بنية خِلافتها المزعومة، مانحةً التراخيص بالحفْر في المواقع التاريخيّة تحت بند: «موارد نفيسة».

التجارة المُتنامية تعكسُ كيف أنّ مُقاتلي الإمارة الإسلامية قد تخندقوا منذ أن استولوا على المدينة العراقية ”المُوْصل“ ذاتَ يومِ أربعاءَ من العام الماضي، في توسُّعٍ مفاجئ للمُقاطعة التي يبسطون سيطرتهم عليها في تلك الدولة، وفي الدولة المجاورة؛ سوريّا.

استيلاءُ الجماعة المُتطرّفة الأخير على آثار سوريّا العظيمة، التي يعود تاريخها إلى ألفي عام في ”مملكة تدْمُر“، ألقى الضوء على الخطر الذي تُشكّله الإمارة الإسلامية على منطقة الموروث الثقافي الثريّ. إنها برغم ذلك واحدةٌ فقط، مِن بين أربعةِ آلافٍ وخمسمائة موقعٍ، يقع تحت سيطرة الجماعة.

«إنهم يسرقون كل شيء يستطيعون بيعه، وما لا يستطيعون بيعه، إنهم يدمّرون!“ بهذا تحدَّث قيس حُسين رشيد، نائب وزير الآثار والتراث العراقي، ”قد لاحظنا أنّ تهريب القِطع الأثرية قد تزايد للغاية مُنذ يونيو الماضي» أضاف مشيرًا للشهر الذي قد أخذ فيه مقاتلو الإمارة الإسلامية زمام السيطرة على الموصل، وأجزاء كبيرة من شماليّ العراق.

في تلك الأثناء، استولى المجاهدون أيضًا على عاصمة المملكة الآشورية القديمة ”نينوى“، في تسجيل تم إطلاقه هذا العام، تُظهر الإمارة الإسلامية مقاتليها، يثقبون وجوه الثيران المُجنّحة الحجرية الشامخة، على أبواب المدينة. قام المجاهدون أيضًا بتصوير أفلامٍ لأنفسهم وهم يدمّرون تماثيلَ مُتحَف المُوْصل. لكنَّ بعضًا من تلك العناصر كانت في الواقع نُسَخًا مُطابقةً للقِطع الأثرية المحفوظة في بغداد، أخبر بذلك مسؤولٌ رسميّ.

«أيُّ شيءٍ أصيلٌ وصغيرٌ بما فيه الكفاية كي يُنقَل، كان على الأرجح يُجرى تصفيتُه بَيعًا، أو يتمَّ تخزينه ضمن البضائع الإحتياطية من قِبَل المجاهدين» هكذا أخبروا.

 

 

قد عانى العراقُ من سنواتِ نهبٍ لمواقعه التاريخيّة؛ حيثُ قد استغلّ اللصوص حالة عدم الاستقرار داخل البلاد. عملياتُ النّهب من قِبَلِ الإمارة الإسلامية بدأت كصيحةٍ تصادفيّة، حين ربح المتطرّفون أوَّلَ موطيءِ قدمٍ في سوريّا. لكنَّ التجارة قد صارت أكثر تنظيمًا حين غزت الجماعةُ المنطقة.

تمنحُ الإمارةُ الإسلامية تراخيص لأجل التنقيب عن الآثار في المواقع القديمة في ”ديوان الركاز“، جزء تم إحكام السيطرة عليه، من أجل مراقبة الموارد في ”الخلافة“. لدى هذا الجزء قِسم للنَّفط والغاز – تمامًا كما للقِطَع الأثريّة- استنادًا للوثائق التي تُظهرها الجماعة.

حجم ما تجنيه الإمارة الإسلامية من التجارة عصيٌّ على التقدير. مسؤولون عراقيّون أخبروا بأن ذلك هو ثاني أكثر نشاطاتِ الجماعة الاقتصادية أهمّيّةً بعد مبيعات النَّفط، جانية الأرباح من ملايين الدولارات للمجاهدين.

بخصوص الجماعة المتطرفة في كفاحها للإبقاء على عوائدها من النفط، عقب الضربات الجوية من أمريكا، والتي قد دمّرت بِنيتها التحتية؛ خبراء ومسؤولون رسميون يبدون قلقًا من أن الإمارة الإسلامية – المعروفة بداعش- من الممكن أن تمركز بؤرة نشاطها أكثر على حفريّات الآثار غير القانونية.

«إنه مصدرٌ للدخل يُعتمَدُ عليه، والذي يجعله جذّابًا للغاية، وغيرَ متسغَلٍّ بصورةٍ مثيرة للدهشة قال ميشيل دانتي، بروفيسور لعلم الآثار في جامعة بوسطن بمرور الوقت، قد شاهدنا داعش ومثيلاتها من التنظيمات، تزيد قدرتها في التخطيط لجني العوائد من تلك الجرائم».

دانتي الذي قد قدم النُّصح بشأن التجارة في القِطع الأثرية المسروقة من سوريا والعراق، قال بأن بعضًا من العناصر المنهوبة قد وَجَدتْ طريقها إلى الولايات المتحدة، وللأسواق الغربية الأُخرى؛ خاصَّةً؛ القِطَع التي يتراوحُ سعرها ما بين الرخيص ومتوسط الثمن، كالخواتم الحجرية ذات النقوش المسماريّة.

على المدى البعيد، أكثرُ العناصر الاستثنائيّة من الممكن أنها سوف تذهب في عمليّات غسيل الأموال التي تتطلب أعوامًا، وتتضمَّنُ تلفيق الوثائق، لأجْلِ اقتراحِ تواجدٍ قانونيٍّ لها. كي يتم الإتجارُ فيها بشكل قانونيّ؛ العناصر التي يجب التنقيبُ عنها أو إخراجها قد تم منعها بالقوة من قبل مؤتمر اليونسكو قبل عام 1970؛ حين تمت المتاجرة بمثل تلك الأشياء ذات الطابع الثقافيّ. لكن، السُّوق منظَّمٌ بشكل ضعيف، ومعهد أمريكا للشؤون الأثرية، يُقدِّرُ بأن 90% من مجموعات الإبداعات الإنسانيّة الكلاسيكية من الممكن أن تكون قطعًا مسروقة.

«العناصرُ الأصغر القادمة من سوريّا و العراق، تُغرِقُ السوق الآن، و تباع على الإنترنت على نطاقٍ واسع» صرَّحت بذلك ديبورا لير، عضوٌ مؤسِّسٌ في رابطة الآثار. وقالت لير بأن منظّمتها قد رُوسِلت عبر البريد الإلكتروني من قِبَل سماسرة، يبيعون الأثريّات المُهرَّبة، والذين قد قصدوا جمعيتها خطأً كهواةٍ لجمع التُّحَف.

وأضافت: «هناك حاجةٌ للتوعية والتنظيم بشكلٍ أفضل؛ فالعامة في حاجة لأن يُدركوا أنهم بشرائهم تلك المواد، فإنهم يُشاركون ضِمنيًّا في تمويل الإرهاب».

في بغداد، المسؤولون يُعلنون أنهم يفعلون ما يستطيعون كي يُوِقِفوا الطّوفان، لكن، الإمارة الإسلاميّة تستغلُّ شبكات التهريب المؤسّسة منذُ عقود، والتي قد نشأت، بينما نهب القطع الأثري يتزايد.

أثناء الحرب الإيرانيّة على الخليج في عام 1991، وحركاتُ التمرُّد التي تبعتها، آلاف العناصر فُقِدَت؛ حيثُ إنّ اللصوص قد جنوا فائدةً من تحرير قبضة صدّام حُسين على مواقع البلاد الموروثة. سرقَ اللصوص آلاف العناصر الأثرية غير المحميّة من مُتحَف بغداد الدُّوليّ. ومِن العِراق، تم تهريب الآثار إلى الكويت وإسرائيل وتُركيا، حدّث بذلك فِراس حُسين عابد؛ قائدُ بالجيش العراقيّ، قد شهد تحقيقًا في دائرة التهريب في أبريل بفعل غارة من قِبَل ضُبّاطه؛ أدت إلى القبض على أربعةِ أشخاصٍ، واسترجاع خمسةٍ وعشرين عُنصرًا، والتي يقوم الخُبراء بفحصها، كي يتأكدوا، إذا ما كانت قد أتت من المواقع التي تقع تحت سيطرة الإمارة الإسلامية.

بالقُرب من الموصل، ثمَّة تقارير بعمليات تنقيبٍ عن عناصر أثريّة كي يتم بيعها.

عمرو الجُليميّ، المُحاضِرُ بقسم الآثار بجامعة المُوْصل – قبل أن يُغلق بواسطة داعش- قال إنّ السّكان قد أعلموه أنّ الجماعة تقوم بتنقيب في المناطق المحيطة بمقابر الجونة، حيث مكان النبي المذكور في الديانة الإسلامية والمسيحيّة بكونه تم التقامه من قبل الحوت هُناك. الجماعة تعتبره شيئًا وثنيًّا.

وأضاف الجُليمي: «كلما طالت المدَّة حتّى تتحرر الموصل، زاد الخطر على تراثنا الإنساني لأن يُمحى. مؤشِّرٌ واحد لكيفية تنامي التجارة غير الشرعية بصورة متسارعة، هو الأرقامُ التي تم الإعلانُ عنها، بواردات القِطع الأثرية داخل الولايات المتحدة الأمريكيّة».

قيمة الِقطَع النادرة والعناصر القديمة التي تم جلبها من العراق إلى داخل الولايات المتحدة، قد قفز لأربعة أضعافٍ ما بين عاميّ 2010 – 2014، بالغًا ثلاثة ملايين دولار ونِصف، طِبقًا لإحصاءات اللجنة الأمريكية للتجارة الدولية. وارداتٌ مِن سوريّا ومِصر قد تصاعدت أيضًا بسرعة الصاروخ.

قال دانتي، بروفيسور بجامعة بوسطن: «ذلك مثيرٌ للشّكّ على نحوٍ بالغ. فتلك الشوكة في وارداتٍ مُفتَرضٌ قانونيّتها، ترتبطُ تمامًا بانهيار القانون والنّظام في تلك البلاد. سأُصدَم إذا ما كان كُلُّ ذلك مُرخَّصًا له بشكلٍ قانونيّ».

في العراق، يبسُط رشيد غطاء التحريم على الإتجار في التحف النادرة الموجودة بالدولة. في نفس النّهج؛ حيث مكتبه في المتحف الوطنيّ، أعادَ مؤخّرًا فتح أبوابه للجمهور لأول مرة منذ عام 2003، فيما يصفه المسؤولون كإعلان التمرُّد ضد إبادات الإمارة الإسلامية.

يقول:

«الشعب العراقيُّ في حاجة لأن يكون قادرًا على أن يشهَدَ تاريخه، ما يحدث الآن هو مأساة».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد