تغير الوضع العسكري في سيناء في سنة 2015 ، وذلك عقب قرار الجماعة الأكثر تشددًا على وجه شبه جزيرة سيناء بتعهد البيعة لصالح تنظيم الدولة الإسلامية، تلك التطورات أعقبها تحدّيات لمصر – ولإسرائيل، على الرغم من كونها هدفـًا أقل درجة- لكنها أيضًا زودت منفذًا لإضعاف تلك الجماعة المتحصّنة بشمال سيناء.

 

من ميليشيا محلّية إلى ولاية لدولة إسلامية

منذ عام مضى، في 24 أكتوبر 2014 ، ارتكبت جماعة أنصار بيت المقدس، وهي ميليشيا جهادية تشكلت عقب الأزمة المصرية عام 2011، عملية كبرى ذات محاور متعددة ضد كمين في شبه الجزيرة؛ حيث استُخدمت مركبة مفخخة بعبوات ناسفة شديدة الانفجار لتدمير النقطة الأمنية للقوات المسلحة المصرية، تبعها إغارة من قوات صغيرة على ذلك الهدف، ونتج عنها مقتل أكثر من ثلاثين جنديًا في تلك الهجمات.

أعقب تلك الهجمة بنحو أسبوعين في العاشر من نوفمبر، إعلان جماعة أنصار بيت المقدس البيعة لصالح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ثم حوّلت اسمها إلى “ولاية سيناء”.
مع تغيير شعارهم، أضحت أنصار بيت المقدس بالفعل تنظيمًا عنيفـًا ومحترفـًا بالقتال، كما أن أعضاءها قد تلقوا تدريبًا وتمويلاً من شخصيات مُتصلة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة والعديد من الجماعات المتمردة الأخرى التي تقاتل في سورية، بالإضافة إلى الجماعات التي تتمركز بقطاع غزة وأبرزها حركة “حماس”.

كما أن قُدرات الجماعة على إحداث الضجة الإعلامية في أكثر البُقع العربية اكتظاظـًا بالسُكّان جعلت منها عونـًا كبيرًا لصالح تنظيم الدولة الإسلامية.

على مرّ عام مُنصرم، تطوّرت “ولاية سيناء” لتصبح قوة شبة عسكرية؛ مع عمليات عسكرية أكبر رُقعةً، وأكتر تكرارًا، وأشدُ تعقيدًا من ذي قبل. وللتأكيد، فإن تلك التقدمات لأنصار بيت المقدس منذ عام 2011، هي تطورات قد تكون أخذت مجراها قُبيل البيعة لتنظيم الدولة الإسلامية.
الاستثناء الوحيد – حتى الآن- يكون للاتجاه العملياتي لـ”أنصار بيت المقدس” (ولاية سيناء) في محاولة حصار مدينة الشيخ زويد، ثالث أكبر مدينة في شمال سيناء في يوم الأربعاء الموافق 1 يوليو 2015، كان الهجوم بشكل واضح محاولة من مئات المسلّحين للسيطرة على المدينة، عاكسًا مدى استلهامهم لتكتيكات التنظيم الأم في عملياتهم الاقتحامية في الشمال الغربي من العراق.

 

«أنصار بيت المقدس» أم «ولاية سيناء»؟

عملية الشيخ زويد –على الرغم من كونها غير مسبوقة- قد أبرزت ثلاث من المحاور التي تغير بها التنظيم المُسلح في سيناء. أولاً، “ولاية سيناء” قد أضحت تهديداً أكبر على عموم السُكّان. فقد قتل التنظيم العشرات ممن قد اتُهِموا بالتجسس، بالإضافة لترويع وإرهاب قادة القبائل المعارضين لهم. ومما يضاف إلى ذلك أن هجمات “ولاية سيناء” المُتخِذة في الازدياد قد وضعت العديد من المدنيين في خطر الموت، في الوقت الذي فيه سعت الجماعة إلى تضييق الخناق على تهريب السجائر والماريجوانا بكونها “مُحرّمات إسلامية”. أخيرًا، فقد هاجمت “ولاية سيناء” القوات الدولية والمراقبين متعددي الجنسيات (وهم هدف رئيسي للجهاديين على الرغم من كونهم أكبر مُوظِف لبدو سيناء).

النهج المُتغير تجاه السكان المحليين أدى بشكل واسع إلى الاختلاف الثاني عن نهج “أنصار بيت المقدس”. فقد أرجع أحد الدبلوماسيين ذلك إلى “تغير اللعبة” لدى علاقات “بيت المقدس”  مع بدو سيناء، وإن صحّ، فإن صعود المسلّحين الأجانب قد يُمثل فرصة للحكومة المصرية كي تستغلها؛ فـ”بيت المقدس” لديهم دائمًا دعم عالمي، لكنها أيضًا جماعة كانت قد تبنّت أجندة محلّية على الرغم من علاقاتها الخارجية، لذا فإن المنظور البدوي للمصالح الخارجية لهؤلاء الغرباء سواء إن كانوا أجانب أم من داخل القُطر المصري، قد يُرجح احتمالية ميل السكان المحليين لكي يكونوا إلى جانب الحكومة المصرية في ظل الظروف المناسبة.

التغير الأخير لـ”بيت المقدس” منذ بيعتها لتنظيم الدولة هو أن “ولاية سيناء” تتحكم وتُسيطر على تلك البقعة. فإن تلك المنطقة الصغيرة نسبيًا في الشمال الشرقي لشبه الجزيرة قد عانت من نقص سيادة الدولة المصرية عليها. وعلى الجانب الآخر فإن مُمارسات تلك الجماعة تهدف لكي تتحكم وتُقوي سُلطاتها بمحاذاة الشريط الحدودي. لذا فمن البديهي أن دعاية “ولاية سيناء” – كمثل تنظيمها الأم- تعكس مدى نواياهم للسلطة!

 

فُرص لرد فعلِ مصري ناجح

تُبيّن تلك التطورات إخفاقـًا لمصر حتى اللحظة، فمنذ أكتوبر 2014 أخذت السياسات المصرية في زيادة التضييق على المقيمين في سيناء؛ والجدير بالذكر أيضًا أن هؤلاء السكان المحليين أصبحوا أقل أمانـًا مما كانوا عليه منذ سنة ماضية؛ وذلك على الرُغم من تواجد القوات والآليات العسكرية في سيناء بدرجة غير مسبوقة والتقارير الحربية التي تفيد بمقتل نحو ألف “إرهابي” في هذا العام وحده؛ فإن العمليات الحربية أفضت إلى تأثيرٍ لا يُذكر تجاه تحصينات أو هجمات “ولاية سيناء”.
وأخيراً، فعلى الرغم من الحملة البرية والبحرية الهادفة لغلق المداخل المؤدية لسيناء من غزة، فإن الأسلحة المتقدمة والمقاتلين مازالوا قادرين على الوصول لشبة الجزيرة!

وعلى الرغم من كل هذا، فإن تلك النكسات قابلة للانعكاس؛ فالتغيرات في طبيعة وهيكلية “بيت المقدس” (ولاية سيناء”) زوّدت منفذًا لمصر؛ فللمرّة الأولى يحتاج السكان الدولة المصرية إلى حمايتهم من ذلك الوضع؛ ولاستغلال الفرصة، على مصر أن تقوم بأكثر من الحملات الأمنية. فالعمليات الحربية المؤثرة ذات أهمية، لكن مصر باستطاعتها أن تهاجم الدولة الإسلامية بالقول والفعل. فالهجوم الإعلامي باستطاعته أن يؤكد على أن “ولاية سيناء” تعارض مصالح بدو سيناء. ولتثبت ذلك الادعاء يجب أن تُمثّـل الحكومة البديل لهؤلاء المحليين، فمصر يجب أن تعامل مواطنيها باحترام بجانب إيصال الخدمات العامة ومعالجة المشاكل السياسية والتنموية ذات التأثير طويل المدى، بل الأهم من ذلك أن توفر القوات المصرية الأمن والأمان لسكان سيناء.

تلوح في الأفق تطورات إيجابية آتية من القاهرة مؤخرًا؛ ففي واحدة من أولى الأفعال منذ حلف اليمين الدستوري الشهر الماضي، قامت الحكومة المصرية بالإعلان عن خطتها “الشاملة لمحاربة الإرهاب في سيناء”؛ وقد نصت الاستراتيجية على توفير المساعدات الإنسانية والطبّية لسكان سيناء، وخطتها “الدقيقة” الشاملة للسكان والمتضررين والنازحين في خضم العمليات الأمنية.
وقد دعت الحكومة الجهات الأمنية لتوفير الحماية للمدنيين عن طريق تركيز العمليات الاستخباراتية والعمليات الاستباقية الدقيقة التي قد تُجنب المدنيين التهديدات المُحيقة بهم، والامتناع عن إطلاق النار على “الأهداف المحتملة” من دون التعرف على هوية المُستهدفين.

بالإضافة إلى خطة الحكومة، فإن الجيش نفسه قد أشار إلى تغير في نمط العمليات، فالـ”مرحلة الثانية” لعمليتها الأمنية الأخيرة “حق الشهيد” تهدف إلى تمدد السيطرة المصرية على مُدن شمال سيناء. وبتحقيق أهدافها فسوف يتطلب من الجيش والشرطة – بجانب القضاء على الميليشيات المسلحة- التمركز على الأرض بالقوات المُوزّعة بين السكان المحليين.

 

المؤثرات على إسرائيل

أعطت إسرائيل لمصر مجالاً ملحوظـًا في جهود محاربة التهديد المشترك للوضع العسكري بسيناء؛ فالتواجد العسكري في سيناء الذي يزيد عن الحجم المنصوص عليه في اتفاقية السلام قد تم بتنسيقٍ متبادل بين الطرفين. كما أن إسرائيل تراقب حدودها الشرقية عن كثب وتمد مصر بالمعلومات الاستخباراتية.
وفي الوقت نفسه تبقى التساؤلات عن قدرة مصر على تدمير أو حتى احتواء “ولاية سيناء”. إنّ جيش الدفاع الإسرائيلي يتجهز لاحتمالية قيام تلك الجماعة لشن هجمات على طول الحدود مستهدفين البلدات أو المواقع العسكرية الإسرائيلية بشكل مماثل لهجماتهم ضد المواقع العسكرية المصرية.
إنّ احتمالية تحسن العمليات العسكرية المصرية سوف يصب بشكل كبير للصالح الإسرائيلي، وعلى النقيض فإن إسرائيل ومصر سوف تواجهان مخاطر أمنية مستمرة متوقعة مُستقبلاً إذا أدّت السياسات المحاولة لإعادة الاستقرار الفوري إلى تفاقم التوترات المحلّية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد