تناولت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في تقرير لها، السبت، العلاقة التي باتت تزدهر بين الإدارة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، والتبشيريين المسيحيين.

وأكدت الصحيفة في تقريرها الذي أعده ثلاثة من صحافييها (دافيد دي كيركباتريك، وإليزابيث دياز، ودافيد إم هالبفينغر) أن حكومة نتنياهو أحدثت نقلةً تاريخيةً واستراتيجيةً، حينما بدأت تعتمد على قاعدة أضخم وأوسع من يهود الشتات تتكون من التبشيريين المسيحيين.

وقالت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته «عربي21» إنه بعد ليلة واحدة من افتتاح سفارة الولايات المتحدة الجديدة في القدس، دعا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو التبشيريين الأمريكيين للاجتماع والتخطيط لما سيتخذونه بعد ذلك من خطوات.

يوم الثلاثاء، داخل غرفة اجتماعات في مكتبه، شكر السيد نتنياهو المجموعة الصغيرة من القساوسة والنشطاء لما مارسوه من ضغوط على الرئيس ترامب حتى يفتح السفارة، مخالفًا بذلك سياسة أمريكا التي استمرت عقودًا، وكانت تقضي بأن وضع القدس ينبغي أن يتقرر من خلال محادثات السلام.

ما هي السفارة التالية؟ ذلك ما أراد السيد نتنياهو معرفته وهو يتفقد قائمة بأسماء البلدان الأخرى التي توجد بها كنائس تبشيرية قوية. ويذكر أن جواتيمالا والبراجواي لحقتا مباشرة بالولايات المتحدة وأعلنتا عن نيتهما نقل سفارتيهما من تل أبيب إلى القدس، ولكن ماذا عن البرازيل والهند أو حتى الصين؟

يذكر ماريو براميك أن «رئيس الوزراء كان في غاية الحماس». ورباميك هذا الذي كان حاضرًا في اللقاء قس أمريكي من أصول كوبية يعمل في كنيسة خمسينية بالقرب من ميامي، وهو من أنصار ترامب.

ما تحقق خلال الأسبوع الماضي من افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، في ما يعتبر ذروة عقود من ممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية، يرقى إلى كونه أكبر اعتراف علني حتى الآن بما توليه حكومة نتنياهو من اهتمام بحلفائها من المسيحيين المحافظين، حتى وإن كان بعضهم متهمًا بإصدار تصريحات معادية للسامية.

ظلت إسرائيل منذ وقت طويل تعتمد على دعم الشتات اليهودي، إلا أن حكومة نتنياهو أحدثت نقلة تاريخية واستراتيجية حينما بدأت تعتمد على قاعدة أضخم وأوسع تتكون من التبشيريين المسيحيين، حتى ولو كان في ذلك مخاطرة تتمثل في فقد دعم يهود أمريكا الذين قد يزعجهم ما يمارسه بعض التبشيريين من تحقير للدين اليهودي.

المفارقة هنا معروفة جيدًا: وذلك أن اعتقاد كثير من المسيحيين التبشيريين أن إسرائيل لها وضع خاص عند الرب –بل يعتبرها بعضهم مؤشرًا على نبوءات آخر الزمان– يقود كثيرين منهم إلى الغلو في دعم الدولة اليهودية؛ بينما يصرون في الوقت نفسه على أن الخلاص إنما يكون من نصيب من يقبل بيسوع مخلصًا.

حسبة نتنياهو تلك إنما تعكس حسبة حليفه القوي في واشنطن، إذ إن السيد ترامب ينهل من نبع الدعم التبشيري المتدفق. ولقد شارك عدد من كبار مستشاريه التبشيريين في حفل افتتاح السفارة، وكذلك في اجتماعات مغلقة مع السيد نتنياهو طوال الأسبوع الماضي.

إلا أن الإسرائيليين الليبراليين يحذرون من أن العلاقات الوثيقة والمتنامية بين اليمين الإسرائيلي، واليمين المسيحي تسرع من حالة الاستقطاب التي تؤدي إلى تحول دعم إسرائيل إلى قضية حزبية في واشنطن، ولا عجب أن نائبًا ديمقراطيًّا واحدًا لم يحضر افتتاح السفارة.

كما يشكو الليبراليون اليهود من ازدواجية المعايير التي تمارسها الحكومة اليمينية التي يترأسها السيد نتنياهو، وذلك أنها تبدي حساسية أكبر تجاه أي ادعاءات بالتعصب تنسب إلى اليسار السياسي؛ بينما تغض الطرف عما يبدر من مؤيديها المحافظين.

يقول الحاخام دافيد ساندميل، مدير التواصل بين الأديان في رابطة مناهضة التشهير: «أعداد الناخبين في أوساط التبشيريين تفوق بمراحل أعداد الناخبين اليهود. ولذلك قد تقول الحكومة الإسرائيلية إنه في سبيل الحصول على ذلك الدعم فلن نبدي كثيرًا من الاهتمام إزاء هذا التصريح أو ذاك التصريح؛ مما قد يبدو لنا إشكاليًّا».

شهد الأسبوع الماضي صورًا جلية من هذه المقايضات، ومنها تلك التي تخص روبرت جيفريس، وهو من أوائل داعمي ترامب وأكثرهم صدحًا بذلك. كان جيفريس، الذي يعمل قسًا في كنيسة معمدانية جنوبية كبيرة في مدينة دالاس، هو الذي رتل الصلاة التي افتتحت بها عملية تدشين السفارة.

حذر السيد جيفريس من أنه «لا يمكنك أن تنجو بكونك يهوديًّا»، وقال إن اليهودية والإسلام والهندوسية والمرمونية تقود أتباعها إلى الخلود في الجحيم.

وأومأ في صلاته الافتتاحية التي أداها يوم الاثنين إلى النبوءات التوراتية حول المجيء الثاني للمسيح، مشيرًا إلى أن تأسيس دولة إسرائيل الحديثة قبل 70 عامًا كان بمثابة «إعادة تجميع» لشعب الرب. ثم ختم صلاته «باسم الرب وروح أمير السلام، سيدنا يسوع»، وهي عبارة تبجح مسيحية أرقت حتى أكثر المنظمين اليهود نشاطًا ضمن التحالف مع المبشرين.

يقول الحاخام ياشئيل إكستين، مؤسس الزمالة الدولية بين المسيحيين واليهود: «تجد هذا التبشيري يختم صلاته بعبارة يعرف يقينًا أنها غير لائقة، ويعرف أن اليهود المتواجدين سيستاؤون منها، وأنهم لن يتمكنوا من التعقيب على صلاته بكلمة آمين». محذرًا من أن مثل هذه الصلاة المسيحية بشكل صريح أحيت مخاوف لدى كثير من اليهود من أن الدعم التبشيري لإسرائيل إنما هو «وسيلة لتطويعنا وإعدادنا لاستقبال يسوع من الباب الخلفي».

يقول الحاخام ساندميل من رابطة مناهضة التشهير إن السيد جيفريس كثيرًا ما يصدر تصريحات تعتبرها المجموعة «غير مقبولة»، مشيرًا إلى أنه طوال التاريخ كانت التصريحات المشابهة لمواعظه بأن اليهود سينتهي بهم الأمر إلى الجحيم كثيرًا ما تساهم في تأجيج أعمال العنف المعادية للسامية.

في افتتاحية نشرتها في عددها الصادر يوم الجمعة، علقت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الليبرالية على ذلك قائلة إن ذلك كان بمثابة «لكمة في بطن اليهود الأمريكيين». ورأت الصحيفة أن التحالف مع التبشيريين «يقوض مكانة إسرائيل في مراكز النفوذ التقليدية، وأهمها على الإطلاق يهود الولايات المتحدة، الذين يعتبرون التبشيريين خطرًا ماحقًا يهدد قيمهم»، ومن شأن هذا التحالف أن يخاطر بإقصاء «الأنصار الذين قد تحتاجهم في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم؛ فيما لو فاز الديمقراطيون بالسيطرة على مجلس الشيوخ أو مجلس النواب في الولايات المتحدة».

كان السيد نتنياهو يجلس في الصف الأمامي إلى جانب جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، وكلاهما صفقا بأدب قبل تلاوة السيد جيفريس لصلواته وبعدها.

المبشر التلفزيوني جون سي هاغي الذي الذي تلا الصلاة الختامية كان قد قال إن المحرقة (الهولوكوست) وقعت لأن الرب «من أولى أولوياته إعادة الشعب اليهودي ليستقروا في أرض إسرائيل»، تمهيدًا للمجيء الثاني للمسيح. ولكنه ما لبث أن قال في رسالة عبر البريد الإلكتروني إن تصريحه الذي جاء في خطبة حول مشكلة الشر في عالم خلقه الله، قد أخرجت من سياقها، ثم اعتذر عن أي إساءة قد يكون تسبب بها.

أما السفير الأمريكي لدى إسرائيل دافيد فريدمان، والذي أدار حفل تدشين السفارة؛ فقال إن المبشرين المسيحيين «يدعمون إسرائيل بحماسة وإخلاص يفوقان ما يتوفر لدى كثيرين من أبناء الجالية اليهودية».

وقال في مقابلة صحافية: «حينما تدير بلدًا فأنت بحاجة إلى أصدقاء، وبحاجة إلى حلفاء، وبحاجة لأن تحمي نفسك».

كثير من الإسرائيليين، وخاصةً ممن هم في اليمين، يقللون من أهمية ما يؤمن به حلفاؤهم المسيحيون باعتباره مجرد قضية نظرية، ويرددون النكتة القديمة التي تقول حينما يصل المسيح فسوف نسأله ما إذا كانت تلك زيارته الأولى أم الثانية.

لم تكن علاقات السيد نتنياهو باليهود الليبراليين في الولايات المتحدة سلسة، وذلك جزئيًّا بسبب ما يعتبرونه عدم اهتمام من طرفه باستئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين، ولكن أيضًا بسبب خضوعه لحاخامات إسرائيل الأرثوذكس بشأن الجدل الذي يدور مع زعماء التيار الإصلاحي والتيار والمحافظ حول اعتناق اليهودية والصلاة في الحائط الغربي. ولذلك فإن تحالفه مع التبشيريين يحرره من الحاجة إلى استرضاء اليهود الليبراليين.

يقول أنشيل بفيفر، مؤلف كتاب حول سيرة نتنياهو: «يعتقد أنهم سيذوبون وأنهم لن يعودوا مهتمين بهويتهم اليهودية. ويرى أن الأقلية الأرثوذكسية من يهود أمريكا، والتي هي أكثر انسجامًا وتوافقًا مع فكره اليميني، سيشكلون أغلبية اليهود الأمريكيين بعد جيل أو جيلين. ويرى أن الجمهوريين والمبشرين المسيحيين وليس اليهود في أمريكا هم من يشكلون القاعدة الصلبة لدعم إسرائيل داخل الولايات المتحدة».

تشير استطلاعات الرأي إلي أن تأييد الحكومة الإسرائيلية يتنامى داخل اليمين الأمريكي بالقدر نفسه الذي يتنامى به النقد الموجه إليها في أوساط اليسار. ويتبين من تعداد السكان أن النسبة المئوية لليهود بين الناخبين الأمريكيين آخذة في التناقص، وهي أكثر تراجعًا في أوساط اليهود من غير الأرثوذكس.

وهذا سفير إسرائيل في واشنطن رون ديرمر، والذي يشارك بانتظام في النشاطات التي تنظم هناك لكسب تأييد التبشيريين، يقول: إن «المسيحيين الملتزمين دينيًّا» يشكلون الآن «العمود الفقري» للدعم الذي تحظى به إسرائيل داخل الولايات المتحدة. وأضاف في إحدى المقابلات التي أجريت معه: «لا ريب أنه جزء صلب من الشعب، ولعله من حيث العدد يعادل 10 أضعاف عدد اليهود، أو ربما 15، أو 20 ضعفًا».

إلا أن السيد ديرمر أصر على أن إسرائيل لا تقصد إطلاقًا إلغاء دور الديمقراطيين أو اليهود الليبراليين في أمريكا. وقال: «بإمكانك القول إن ثمة تبدل هنا أو هناك، ولكن بالنسبة لنا من الواضح أنه من المهم أن نحظى بدعم قوي، وأن يشارك في ذلك الجميع ومن كلا الحزبين. لا يمكنك أن تحلق بطائرة ليس لها سوى جناح واحد».

أما عالميًّا، فالنسب مذهلة، إذ يقدر عدد التبشيريين بما يقرب من 600 مليون، وتقود النمو في الأعداد بلدان أمريكا اللاتينية التي كانت تقليديًّا تتبع المذهب الكاثوليكي.

يقول الليبراليون الإسرائيليون إن احتضان السيد نتنياهو للتبشيريين الأمريكيين لم يكن المرة الأولى التي يبدو فيها توجسه من معاداة السامية انتقائيًّا. ففي الخريف الماضي، على سبيل المثال، أطلقت الحكومة اليمينية في المجر حملة دعائية كلفتها عدة ملايين من الدولارات لمهاجمة الممول الليبرالي وأحد الناجين من المحرقة جورج سوروس بسبب دعمه للهجرة المفتوحة، واشتملت الدعاية المستخدمة ضده على لوحات إعلانية كبيرة في الشوارع تحمل رسومات معادية للسامية.

ندد السفير الإسرائيلي لدى المجر بالدعايات التي تحمل ما يشير إلى المحرقة، وقال إن الحملة «تثير ذكريات حزينة، وتبث كذلك الكراهية والخوف».

إلا أن حكومة السيد نتنياهو أصدرت «توضيحًا»، قالت فيه إن السفير قصد فقط التنديد بمعاداة السامية بشكل عام. وجاء في بيان الحكومة: «لم تقصد التصريحات بأي شكل من الأشكال نزع الشرعية عن انتقاد جورج سوروس، والذي ما فتئ ينال من حكومات إسرائيل المنتخبة ديمقراطيًّا».

ومع ذلك يصر الحاخام ساندميل من رابطة مناهضة التشهير على أنه إذا كان التبشيريون المسيحيون في بعض الأوقات يظهرون بمظهر شوفيني إزاء عقيدتهم، فقد يرى البعض أن دعمهم لدولة إسرائيل يساعد في التكفير عن ذلك.

يذكر أن علاقات السيد نتنياهو مع المحافظين المسيحيين في أمريكا أقوى من علاقاته بأي مكون آخر في الخارج. ويقول الحاخام إكستين من الزمالة الدولية بين المسيحيين واليهود إن السيد نتنياهو يتمتع بشعبية في أوساط التبشيريين تفوق ما كان يتمتع به أي رئيس وزراء إسرائيلي سابق.

يقول الحاخام إكستين: «بإمكانه أن يخاطبهم بلغتهم، وتراه مرتاحًا بينهم، وكأنه يبادلهم حبًّا بحب».

قال السفير فريدمان إنه دعا السيد جيفريس والسيد هاغي لأنهما «اثنان من أكثر الزعماء أتباعًا في الوسط التبشيري، وأردت أن أكرم هذا المجتمع لما قدمه من مساعدة بناءة ساهمت في قرار نقل السفارة».

وقام السيد نتنياهو بدوره بدعوة أكثر من 100 من كبار الزوار إلى وزارة الخارجية للمشاركة في احتفال نظم عشية افتتاح السفارة، وتوجه بشكر علني للسيد هاغي بسبب دعمه منذ وقت طويل لإسرائيل.

وفي مقابلة أجريت معه قال السيد هاغي: «لقد عرفت رئيس الوزراء نتنياهو منذ سنين طويلة، وأنا فخور بأن أعتبره صديقًا لي، وأعتبره من وجهات متعددة تشرشل زماننا هذا».

يقول إيلي بيبرز، وهو يهودي أرثوذكسي يمثل منظمة للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية: «إذا كان هناك شخص في هذا العالم ساعد إسرائيل واليهود في جمع المال وبناء الدعم السياسي فإنه القس هاغي».

اعتبر السيد جيفريس أن من السخف مساواة المعتقدات المسيحية الشائعة حول الخلاص بمعاداة السامية. وقال في مقابلة أجريت معه: «حقيقة أن المسيحيين يعتقدون أن الخلاص يحصل من خلال الإيمان بالمسيح وحده لا يعتبر تعصبًا، ولا يستحق الاهتمام. يفهم الشعب اليهودي ذلك وتفهمه إسرائيل، وهما يعتمدان على التبشيريين الذين يعتبرونهما أصدقاء داعمين لهما».

وقال إنه على علاقة «عظيمة» مع ابنة الرئيس إيفانكا، ومع زوجها السيد كوشنر، وهو يهودي أرثوذكسي. وقال: «أعتبرهما من أصدقائي، وأعلم أنهما يعتبرانني صديقًا لهما».

وأضاف: «ليس سرًّا أن اليسار يكره هذا التحرك الذي يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسوف يهاجمونه من كل زاوية ممكنة. وهذا جزء من محاولة أكبر للنيل من الرئيس ترامب، ولا أرى لما يقومون به أدنى تأثير».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

علامات

إسرائيل
عرض التعليقات
تحميل المزيد