تحوّل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أنظارها من سوريا إلى لبنان وفقًا لمقالٍ جديد نشره المحلل الإسرائيلي المختصّ بالشرق الأوسط «تسڤي برئِل» على موقع «هآرتس»، مشيرًا إلى الظروف المواتية لذلك من تصاعد الصراع الإيراني السعودي، وطريقة إيران الجديدة في تجاوز العقوبات الأمريكية، فضلًا عن حشدِ «حزب الله» لسلطته السياسية على نطاقٍ واسع.

تهجّم إعلاميّ

ينطلق المحلل من حادثةٍ محددّة حصلت في نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، حين نشرت صحيفة «الديار» اللبنانية المقرّبة من حزب الله مقالًا تحت عنوان «دعوة من الديار إلى البخاري لزيارتها». ضجّ هذه المقال بالكلام المدين بشكلٍِ مباشر لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وجاء فيه بالنصّ:

«أنت يا محمد بن سلمان يا خنزير تقتل أطفال اليمن الأبرياء. هل تعتقد يا خنزير أنك قادر على العيش بين العرب الأحرار؟ والشعب العربي سينتقم من كل ولاية عهدك.

أنت يا محمد بن سلمان يا خنزير تستدعي صحافيًا وتقتله وتقول عن نفسك إنك رجل! لا، بل إنك خنزير، وليس لك مع الرجولة علامة، أما ممثلك البخاري فلا نريده، ونريده أن يرحل، ولا نريد ممثلًا للشيطان في بيروت».

انتقدت جميع الفصائل السياسية بلبنان تقريبًا هذه المقال، ورُفع على إثرها دعوى قضائية بناءً على طلبِ وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية سليم جريصاتي. وكان ردّ رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري متماشيًا مع الموقف العلني العامّ، معتبرًا أن المقال: «لا يمت إلى أخلاق اللبنانيين وصحافتهم بصلة، وهذا العمل المدان محاولة فاضحة لضرب علاقات لبنان مع المملكة العربية السعودية، وخرق موصوف للقوانين التي ترعى الحرية الإعلامية التي نحرص جميعًا عليها». يُلاحظ الكاتب أن الحريري أسقطَ صفة «الممتازة» من عبارة «العلاقات»، وامتنع عن الإشادة بعملِ السفير السعودي في لبنان، أو الدفاع عن ولي العهد السعودي، لكن لماذا؟

الحريري في مواجهةِ مصير مشابهٍ لـخاشقجي

يذكّر الكاتب بحادثة احتجاز الحريري في السعودية قبل عامٍ بالضبط، فربما هي سببٌ له ليدرك أنه كان في وضعٍ مشابه للصحافي السعودي جمال خاشقجي. لم تصوّب سكاكين الجزّار بشكلٍ مباشر ضد الحريري، لكنه وضع في الإقامة الجبرية لأيام في فيلّا بجوارٍ فندق «ريتز كارلتون» في الرياض، موضع احتجازِ عدة عشراتٍ من أصحاب الملايين والمليارديرات السعوديين بأوامرٍ من ولي العهد السعودي أيضًا.

اضطر الحريري حينها إلى بثّ بيان استقالته من منصب رئاسة الوزراء، فضلًا عن تعرضه للإهانة عبر إجباره على الانضمام إلى جولةٍ قام بها ولي العهد في عددٍ من دول الخليج لإثبات أن الزعيم اللبناني لم يكن أسيرًا. وعلى النقيض من وعد ولي العهد للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن يكون الحريري حرًا وقادرًا على العودة إلى بيروت بعد زيارته لمصر، أجبر رئيس الوزراء اللبناني على الهبوط في قبرص قبل أن يلمس تراب بيروت. فشلت محاولة ولي العهد الطائشة لإحداث انقلابٍ في لبنان وتعيين شقيق الحريري الأكبر في منصب رئيس الوزراء بعد أن أوضحت عائلة الحريري وحدتها المنيعة في دعم سعد الحريري، بالرغم من صلاتهم الوثيقة مع العائلة المالكة السعودية.

يعقّب المحلل أنه كان على الولايات المتحدة الأمريكية المساهمة في الإفراج عن الحريري في الإقامة الجبرية أن تدرك من سلوك محمد بن سلمان في تلك القضية أن ولي العهد السعودي ليس إلا قنبلة موقوتة، لكن إدارة ترامب بهوسِها في معاداةِ إيران اعتبرت الخطوة السعودية وسيلةَ مقبولة لضرب النفوذ الإيراني في لبنان عبر إزالة رئيس الوزراء الحريري الذي أرسى نوعًا من الاستقرار السياسي المعين بإبقائه باب الحوارِ مفتوحًا مع حزب الله.

منذ حادثة احتجاز الحريري، كان على إدارة ترامب معرفة أن ابن سلمان ليس إلا قنبلة موقوتة

حزب الله يتمّدد سياسيًا

باءت محاولة الانقلاب السعودي بالفشل وفقًا للكاتب، بل ازداد الطين بلّة مع الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو (أيار)، وخسر فيها الحريري نحو ثلث المقاعد لمنافسيه، بما في ذلك حزب الله.

منذ الانتخابات حاول الحريري تشكيل حكومة مرارًا دون جدوى. اتضّح أن حزب الله لن يكون شريكًا رئيسًا في الحكومة وحسب، بل قد يمتلك القدرة أيضًا لمنع أيّ قرارٍ لا يوافق هواه. فوفقًا للدستور اللبناني، يتطلّب أيّ قرار أساسي – مثل الموافقة على الميزانية أو إعلان الحرب – دعم ثلثيّ أعضاء مجلس الوزراء الثلاثين. ولذلك فإذا حازت أيّة حركة أو تحالف على ثلث الوزراء وفوقهم وزير واحد، يمكنها إذًا إحباط أيّ قرار – وتلك غاية حزب الله بالضبط. ومع العمل على تعيين وزيرٍ آخر من بين المسؤولين السنيين المستقلّين الداعمين للحزب، ستتوسع سلطته إلى أربع وزراء. وبإضافة الوزراء الذين يملك الرئيس اللبناني ميشال عون صلاحية تعيينهم، سيضمن حزب الله الحصول على نسبة الثلث + 1 وفقًا للكاتب.

 لن يكون حزب الله شريكًا رئيسًا في الحكومة وحسب، بل قد يتمتّع بالقدرة على تعطيلِ أيّ قرارٍ لا يوافق هواه

صرّح الحريري لعون بكل وضوح أن تعيين حزب الله لوزيرٍ سنّي آخر سيكون بمثابة «انتحارٍ سياسي له»، ولن يقبل به تحت أيّ ظرفٍ من الظروف. سيأتي تعيينٌ مماثل على حسابِ مقاعدِ الوزراء المخصصين لقائمة الحريري «تيار المستقبل».

يدعم ميشال عون موقف الحريري في الوقت الراهن، لكن الكاتب يذكّر بماضي عون وتغييره لولاءاتِه سابقًا؛ فبعد قتالِه ضد «الاحتلال السوري» في لبنان ونفيه إلى باريس لمدة 15 عامًا، عاد عون إلى بيروت ليصبح حليفًا للنظام السوري وشريكًا سياسيًا مسيحيًا لحزب الله.

Embed from Getty Images

فشل الحريري مرارًا في تشكيل الحكومة، ويقولرإنه لن يقبل بتعيين حزب الله وزيرًا سنيًا آخر مهما حصل

 

منهجٌ تصادميّ

يتطرّق الكاتب إلى مطالبة حزب الله بوزارة الصحة، والتي ستضع لبنان في مسارٍ تصادمّي مع المؤسسات الدولية وفقًا لتحليل الكاتب، وتحديدًا المؤسسات الرافضة للتعاون مع وزارةٍ يرأسها مسؤولٌ في حزب الله، خاصة بعد العقوبات الأمريكية المفروضة عليه وعلى إيران.

لكن لا يظهر حزب الله أيّ بوادر للاستسلام، فزيادة قوته السياسية في لبنان أكثر حيوية وضرورة الآن من أيّ وقت سابق وذلك للحفاظ على النفوذ الإيراني في البلاد وضمان استمرار التعاون اللبناني السوري، فضلًا عن منع النفوذ الأمريكي في لبنان. تقول الإفادات الرسمية للقيادة اللبنانية أن البلاد لن تتأثر بالعقوبات على إيران لضيق النطاق التجاري ما بين البلدين.

يمتثل النظام المصرفي اللبناني أيضًا للعقوبات المفروضة على إيران وحزب الله. صرّح الحزب بأنه لا يستخدم البنوك اللبنانية على الإطلاق، لكن ووفقًا لتقارير غربية يستخدم حزب الله رجالَ أعمال وشركات لتغطّي حركة الأموال المنقولة له.

يشكل حزب الله قوة اقتصادية مهمة في لبنان، ودعم إيران المادي له يحرّك عجلة الاقتصاد اللبناني أيضًا

أفادت الإدارة الأمريكية هذا الأسبوع أن إيران تمنح حزب الله حوالي 700 مليون دولار سنويًا على شكلِ موارد مالية وأسلحة وذخيرة، لكن في لبنان قُدّر المبلغ بأقل من نصف ذلك. حزب الله الذي يدفع رواتب 70 ألف موظّف – بما في ذلك المقاتلين والعمال والمسؤولين والناشطين في مؤسسات الرعاية – هو قوةٌ اقتصادية مهمّة في لبنان بكل وضوح، والأموال التي تصله من إيران تدعم من حركةِ عجلة الاقتصاد اللبناني، وليس الحزب وحسب. لذا فإذا ألُزِمَت إيران بخفض مساعداتها، فسيكون لها تأثير على استقرارِ لبنان الاقتصاديّ أيضًا.

«الجارديان»: ماذا تعرف عن حرب إسرائيل الباردة مع رعاة الغنم اللبنانيين؟

تهديدات عسكرية جادة

يدرس الكونغرس الأمريكي خيار تجميدِ أو وضعِ حدّ للمساعدات العسكرية الممنوحة للقوات المسلحة اللبنانية، والتي بلغت 120 مليون دولار في العام الماضي وحده. يطالب أعضاء الكونغرس بألا يكتفي الرئيس ترامب بالإبلاغِ عن التعاون العسكري مع الجيش اللبناني، بل أيضًا عن تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 1701 الصادر عام 2006 جزءًا من نهاية حرب لبنان الثانية. بموجب القرار، يتوجب نشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان ومنع حزب الله من السيطرة على جنوب نهر الليطاني، وكذلك يجب مساعدة قوات الأمم المتحدة في تطبيق القرار الشامل لنزع سلاح حزب الله.

كان الجيش اللبناني أول من قاتل مع القوات الأمريكية الخاصة ضد قواعد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على الحدود اللبنانية السورية، لكنه تعاون أيضًا مع حزب الله ضمن الغاية ذاتها.

أما بالنسبة لنزعِ سلاح حزب الله، فيقول الكاتب أنه لن يفكر أحدٌ في لبنان في مناقشة المسألة هذه حتى، مضيفًا أن إسرائيل اشتكت مرارًا ولأكثر عقدٍ من الزمان بأن حزب الله لا ينفّذ قرار 1701 بملاحظةِ مواصلتِه تسليح نفسه فقد حصلَ على عشرات الآلاف من الصواريخ منذ الحرب. ويذكّر الكاتب بتهديدٍ سابقٍ للبنان أقدمت عليه إسرائيل.

حذّرت إسرائيل علنًا أنه إذا ما استمرّ لبنان بالسماح لحزب الله ببناءِ مصانع لتحسين دقّة صواريخه، فإن لبنان نفسه سيصبح هدفًا بدلًا عن سوريا

ويرجّح الكاتب أن تركيز إسرائيل سينصبّ على لبنان الآن، بعد إسقاطها الطائرة الروسية في سوريا، وتخوّفها من عواقب ذلك؛ إذ ربما تتجه روسيا للعمل بشكلٍ أكثف وأكثر حزمًا في البلد الممزق بالحرب.

يعتبر الكاتب أن هذا الأمر سيمثّل إشكالية خاصة، فبالرغم من الهجمات الإسرائيلية المتكررة في سوريا، لكنها لم تتلقّ أي نيران مضادة من الداخل السوري أو ردود فعل عسكرية، لكن الضربات على لبنان قد تعيد فتح الجبهة الشمالية وتزيد من قوة حزب الله وقوة إيران وراءه، بالإضافة إلى الأضرار التي ستصيب البشر والممتلكات.

Embed from Getty Images

يتمدّد حزب الله في سوريا ويتلقّى الدعم المالي والعسكري من إيران ليواصل تسلّحه وعملياته

في هذه الأثناء، يوسّع حزب الله من وجودِه في جنوب سوريا، وبحسب مصادر استخباراتية لبنانية وغربية يحاول الحزب تجنيد مقاتلي الميليشيات الحاصلين على دعمٍ أمريكي وإسرائيلي. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في وقتٍ سابق من هذا الشهر أن حزب الله يعرض على كلّ مجنّد جديد مبلغًا يقاربُ 200 دولار شهريًا، ويمكن أنه جنّد ما يصل إلى ألفيّ مقاتل. تهدف هذه الخطوة إلى تعويض مقاتلي الميليشيات المؤيدة لإيران – من المقاتلين الأفغان والإيرانيين – والذين تراجعوا إلى شرق سوريا.

يتمثّل أحد أهداف العقوبات على إيران في منع تدخلها في اليمن وسوريا والعراق، لكن وفقًا للكاتب فإن الاستراتيجية الإيرانية المعتمدة على قوى محلية – مثل المتمردين الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان وسوريا – ستستمر بمساعدة البلاد بهدفِ المحافظة على وجودها وتمددها في تلك المناطق دون أن تتأثر بالعقوبات.

«ميدل إيست آي»: هل «حزب الله» هو الرابح الحقيقي في الحرب السورية؟ 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!