خلال السنوات القليلة الماضية، سعت مجموعة من تسعة إسرائيليين يقودهم الصحافي الحقوقي إيتاي ماك، نزع غطاء السرية المحيط بتواطؤ إسرائيل مع بعض من أسوأ أنظمة الإبادة الجماعية في العالم. نشر الصحافي ريتشارد سيلفرستين تحقيقًا مطولًا حول الأمر في مجلة «جاكوبين» وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص التحقيق:

فعلوا ذلك من خلال تقديم طلبات حرية المعلومات من وزارة الدفاع في بلادهم، ساعين للحصول على وثائق تخص صفقات الأسلحة الإسرائيلية، وتدريب القوات المسلحة في سريلانكا، وميانمار، وصربيا، وجنوب السودان، ورواندا خلال عقود من الصراع العرقي في هذه البلدان.

وسعت المجموعة لمعرفة مدى التجارة، ونوع الأسلحة المباعة، ولمن بيعت، وكيف استخدمت، ومدة استمرار هذه التعاملات التجارية.

ولما كانت الوزارة ترفض طلبهم كل مرة، فقد أجبروا على الاستئناف أمام المحكمة العليا. وفي كل استئناف، انحازت المحكمة للجيش، وحكمت بأنَّ هذه المعلومات ممنوعة من الجمهور بشكل مشروع لحماية أمن الدولة.

من الصعب أن نفهم العلاقة بين معرفة أنَّ إسرائيل سلّحت قتلة روانديين في التسعينات من جهة، والإضرار بالأمن القومي من جهة أخرى. لكن المرجح أنَّ افتضاح هذا الأمر من شأنه الإضرار بسمعة إسرائيل.

عمر أبو ليلى.. «رامبو فلسطين» الذي قاتل الإسرائيليين بسلاحهم حتى الرمق الأخير

حماية الدولة

في إسرائيل، وهي دولة أمن قومي تخضع فيها الحقوق الفردية وحق الجمهور في المعرفة لمصالح جهاز المخابرات العسكرية، غالبًا ما يجري الخلط بين هذين العاملين.

فمن الأسهل بكثير تبرير السرية باستخدام مفهوم حماية الدولة ومواطنيها، عن الاعتراف بأنَّ السرية مقصود بها حماية سمعة الجهاز الأمني نفسه المكلف بحمايتهم.

كانت الرقابة قد فرضت على إسرائيل تقريرين كبيرين يفيدان بأنَّها سلحت، سرًّا، دولًا وجماعات منخرطة في أعمال إبادة جماعية أو عنف جماعي. تعلق الأمر الأول، مرة أخرى، بإيتاي ماك، الذي استأنف أمام المحكمة العليا للسماح بعرض صفقات الأسلحة الإسرائيلية إلى القوات السنهالية السريلانكية.

استأصلت هذه القوات تمرد نمور التاميل خلال حرب أهلية استغرقت 30 عامًا، وانتهت عام 2009، وأسفرت عن مصرع ما بين 40 إلى 75 ألف بين مدني ومقاتل.

ها هنا سرد ماك الدور الكبير للأسلحة الإسرائيلية في بعض من أسوأ المذابح لهذه الحرب الأهلية التي استغرقت 30 عامًا:

«في سريلانكا، كان لدولة إسرائيل دور شديد الأهمية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت هناك: إذ قدمت إسرائيل طائرات بدون طيار وجهت الطائرات والسفن الحربية المصنوعة في إسرائيل، التي استهدفت، بدورها، المدنيين والمواقع الإنسانية عن عمد وقصفتهم، وحددت مصير الحرب بتكلفة بشرية عالية للغاية. تلقت القوات السريلانكية التي نفذت الجرائم تدريبًا من وزارة الدفاع الإسرائيلية (على وجه الخصوص، من القوات الجوية والبحرية الإسرائيلية)، كما تلقت تدريبًا من الشرطة الإسرائيلية.

وقعت إحدى الحالات الشهيرة التي استخدمت فيها طائرات كفير الإسرائيلية في 14 أغسطس (آب) 2006. إذ استخدمت القوات الجوية السريلانكية طائرات كفير لقصف دار أيتام للفتيات تقيم فيه 400 فتاة. زعمت القوات الجوية أنَّ الفتيات كن يتدربن ليصبحن من مقاتلي نمور التاميل.

أسفر الهجوم عن مقتل حوالي 60 فتاة على الفور، وجرح عشرات الفتيات. وقبل ذلك، عام 1999، هجمت طائرة حربية إسرائيلية أخرى على مدرسة وقتلت 21 طفلًا ومدرسًا.

وقد كشفت الحكومة السريلانكية وكبار مسؤوليها، مرارًا وتكرارًا، في مقابلات رسمية وصحافية، خلال الحرب وبعدها، تفاصيل الصادرات الأمنية الإسرائيلية، ومدى هذه الصادرات واستخدامها الضخم في الجهد المبذول للفوز بالحرب.

وأدت هذه التصريحات المتكررة، التي تقر بمشاهدة صور الطائرات الإسرائيلية بدون طيار قبل كل هجوم، إلى تجريم الحكومة السريلانكية وإثبات أنَّ المدنيين والأهداف المدنية قد تعرضت للهجوم المتعمد، مع كامل معرفة قوات الأمن الحكومية».

حكم قاضي محكمة الدرجة الأولى شاؤول شوهاط بأنَّ الوثائق التي بحوزة وزير الدفاع الإسرائيلية يمكن حمايتها من الرأي العام. لكنَّ حجته كشفت عن العمل الداخلي لجهاز الأمن، وكيف يعمل بتناغم مع القضاء وأجهزة المخابرات. وكشفت أيضًا عن أنه عقد جلسة استماع مغلقة مع ممثلي الدولة، بما في ذلك المحامون ومسؤولو الوزارة، وحتى وكالة الاستخبارات الوطنية الإسرائيلية، الموساد، واستبعد ماك من هذه الجلسة.

خلال هذه الجلسة، قدمت الدولة دليلًا سريًّا للقاضي بغرض إقناعه أنَّ الكشف عن أي من هذه المعلومات سوف يضر بالدولة بشكل لا يمكن إصلاحه. وقد اتفق شوهاط مع الدفاع، وكتب في هذا المقطع من حكمه (إحدى المقاطع التي حاولت وزارة الدفاع التكتم عليها مكتوبة بالخط المائل):

«عرفت من مراجعتي لهذه الوثائق أنَّ معظمها يتعامل مع القدرات التشغيلية لجيش الدفاع الإسرائيلي، والصناعات الأمنية المنخرطة في كثير من الصفقات، وعلاقاتها مع الصناعات العسكرية في سريلانكا.

تحتوي هذه الوثائق على تفاصيل المناقشات الداخلية بين كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية فيما يخص الموضوع، فضلًا عن المناقشات والاتفاقات بين كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية وكبار المسؤولين في حكومة سريلانكا، لا سيما تلك المتعلقة بصياغة السياسات الأمنية، وإجراءات العمل والعمليات الداخلية في وزارة الدفاع، والزيارات المتبادلة والبيانات المتعلقة بالصفقات التي وقعت، ومدى الصادرات العسكرية، بما في ذلك مواصفات أنواع متعددة من الأسلحة، إلخ.

وقد لوحظ أيضًا أنَّ هناك اتفاقًا للسرية مع سريلانكا، وأنَّ خرق إسرائيل لهذا الاتفاق من شأنه أن يؤدي إلى سابقة تنطوي على إشكالية قد تنعكس على العلاقات مع دول أخرى، وتضر بالاتفاقات السرية القائمة، وتردع الدول الأخرى عن إقامة علاقات عسكرية جديدة مع إسرائيل.

وقد قيل في هذا السياق إنَّه حتى لو خرقت سريلانكا التزامها بموجب الاتفاقية، ونشرت معلومات محددة ومخصصة، فإنَّ ذلك لا ينتقص من التزام دولة إسرائيل بموجب الاتفاقية».

Embed from Getty Images

نشر الصحافي الإسرائيلي جون براون تقريرًا في صحيفة هآرتس حول حكم شوهاط. بعد ذلك بوقت قليل، اكتشف براون أنَّ الشعبة المسؤولة عن حماية الأسرار العسكرية في وزارة الدفاع، MALMAB، قد طلبت من القاضي فرض رقابة على جزء من حكمه، أدرجه براون في مقاله.

كان الشاغل الرئيسي للوزارة منع نشر حقيقة أنَّ ممثلين من الموساد قد حضوا القاضي على تقييد النشر الإعلامي حول مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى سريلانكا.

وسعت هذه الشعبة أيضًا إلى قمع التقارير الصحافية حول الطبيعة السرية لصفقات الأسلحة. واتفق الطرفان على الحفاظ على السرية بشأن هذه الأمور (رغم أنَّ المسؤولين السريلانكيين قد كشفوا عن هذه التفاصيل علنًا منذ ذلك الحين).

وقد ناشد براون، عبر موقع فيس بوك، الآخرين للحفاظ على هذا المقال في حال تعرضه للرقابة. ويبدو أنه حتى الرقباء في دولة أمن قومي يواجهون عقبات، إذ إنَّ المقال ما يزال متاحًا، بلا رقابة، على موقع صحيفة هآرتس.

أحد الأسباب الأخرى للرقابة التي تجعل الرقيب الإسرائيلي مفرط الحساسية للكشف عن مثل هذه المعلومات أنَّ المحكمة الجنائية الدولية قد أعلنت عن إجراءات سابقة للمحاكمة للتحقيق في سلوك إسرائيل خلال حرب غزة عام 2014، المعروفة بعملية الجرف الصامد. فخلال هذا الصراع الذي استمر شهرًا، قتل 2300 فلسطيني، أعلنت مجموعات حقوق إنسان فلسطينية مستقلة والأمم المتحدة أنَّ ثلثيهم من المدنيين.

أعلنت المحكمة الجنائية الدولية عن مرحلة ما قبل المحاكمة هذه خلال مسيرة العودة الكبرى في شهر مارس/ آذار العام الماضي، التي قتلت إسرائيل خلالها حوالي 200 متظاهر فلسطيني ضد حصار إسرائيل للقطاع. يدرك المسؤولون الإسرائيليون أنَّ المشاركة في ارتكاب إبادة جماعية في صراعات أخرى من شأنه التعزيز من القضية التي سوف تقدم أمام المحكمة الدولية.

وبالعودة إلى سريلانكا، فليس من المستغرب، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين الجيشين الإسرائيلي والسريلانكي، أنَّ رئيس أركان الجيش المسؤول عن الإبادة الجماعية قد عين سفيرًا لبلاده في إسرائيل، بعد انتهاء خدمته العسكرية في سريلانكا.

سابع أكبر مصدّر للأسلحة في العالم

ليست سريلانكا سوى واحدة من المشترين الكثيرين للأسلحة الإسرائيلية. إذ إنّ إسرائيل واحدة من أكبر مصدري الأسلحة في العالم.

فإسرائيل سابع أكبر مصدر لأنظمة الأسلحة في العالم، في الوقت الذي يحتل فيه ناتجها المحلي الإجمالي، الذي تصل قيمته إلى 350 مليار دولار، المركز الثاني والثلاثين فحسب على مستوى العالم.

يعني هذا أنَّ صناعة الأسلحة في البلاد ليست مجرد واحدة من محركات التصدير بالنسبة لاقتصاد البلاد، وإنما تؤدي دورًا أكثر أهمية بكثير مما هو الحال مع الدول الرئيسية الأخرى المصدرة للأسلحة، التي تحظى باقتصادات أكبر بكثير من اقتصاد إسرائيل.

كيف نشأ اقتصاد إسرائيل؟ وما مراحل القوة والضعف التي مر بها؟ وأبرز طرق التغلب عليها؟

صناعة التسليح هذه مدعومة بالصراعات المستمرة بين إسرائيل وجيرانها الحدوديين. إذ تطور إسرائيل بعضًا من أكثر أنظمة الأسلحة تقدمًا في العالم وتختبرها وتستخدمها، والتي تحقق أقصى قدر من الموت والمعاناة لأعدائها. ثم تستدير وتصدر لا أنظمة الأسلحة فحسب، وإنما المعاناة الناتجة عنها أيضًا.

«تطور إسرائيل بعضًا من أكثر أنظمة الأسلحة تقدمًا في العالم وتختبرها وتستخدمها، والتي تحقق أقصى قدر من الموت والمعاناة لأعدائها. ثم تستدير وتصدر لا أنظمة الأسلحة فحسب، وإنما المعاناة الناتجة منها أيضًا».

وفي الواقع، تمامًا كما تزعزع إسرائيل الشرق الأوسط باجتياحاتها، واغتيالاتها، وهجماتها الجوية، وعملياتها العسكرية المتكررة خارج حدودها، فإنها تعطي زبائنها القدرة على إلحاق أقصى قدر من الضرر بمنافسيهم وأعدائهم. ويجعل هذا الأمر من إسرائيل قوة رئيسية لزعزعة الاستقرار بين دول العالم.

تذهب نصف إجمالي مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى الهند، التي تنخرط حكومتها هي الأخرى في احتلال غير قانوني لكشمير. وتعد إسرائيل أكبر مورد أسلحة للهند أيضًا.

ولفهم كيفية عمل إسرائيل بصفتها واحدة من تجار الأسلحة الرئيسيين في العالم، يجدر بنا أن نفحص بعض عملائها الرئيسيين الآخرين.

عندما جاء دوتيرتي لشراء بنادق إسرائيلية

أنهي الرئيس الفلبيني المتهم بارتكاب جرائم حرب، رودريجو دوتيرتي، الصيف الماضي، زيارة ناجحة للغاية إلى إسرائيل، وقع خلالها عقودًا لشراء بعض من أكثر الأسلحة الإسرائيلية تقدمًا. ويتهم دوتيرتي بقتل عشرات آلاف الفلبينيين المستهدفين في الحملات المزعومة لمصادرة المخدرات.

Embed from Getty Images

من بين المزارات الإسرائيلية التي زارها الرئيس الفلبيني كان النصب التذكاري للمحرقة، ياد فاشيم. كان دوتيرتي في الماضي قد شبه نفسه بهتلر وعبر عن إعجابه بالزعيم النازي. ويبدو أنَّ دوتيرتي يرى أنه يستأصل وباء المخدرات في بلاده بالطريقة ذاتها التي استأصل بها هتلر «وباء» اليهود.

ويبدو أنه ليس ثمة ديكتاتور شديد القسوة، ولا بلطجي شديد الدموية بما يكفي ليكون التعامل معه «حرامًا» فيما يخص صناعة الأسلحة الإسرائيلية.

أشاد دوتيرتي بنهج عدم طرح الأسئلة الذي تتبناه إسرائيل بخصوص مبيعات الأسلحة. وبخلاف حتى الولايات المتحدة، فإنَّ إسرائيل لم تضع أي قيود على استخدام الأسلحة. لم تسأل أي أسئلة، ولم تتوقع أي جواب من أي من زبائنها.

تسليح مجرمي الحرب الصرب والروانديين

كشف براون أيضًا، عام 2016، أنَّ إسرائيل زودت بالتدريب العسكري والأسلحة مجرم الحرب الصربي راتكو ملاديتش، الذي قاد القوات الصربية التي ذبحت آلاف المدنيين البوسنيين في سربرنيتسا.

وفقد رفضت محكمة إسرائيلية أخرى الإفراج عن أدلة وثائقية بأنَّ إسرائيل سلحت الميليشيات الرواندية، التي قتلت في نهاية المطاف 800 ألف من التوتسي خلال الإبادة الجماعية عام 1994. مرة أخرى صممت المحكمة على أنَّ تسهيل إسرائيل للمذبحة كان خبرًا ينبغي ألا يسمعه العالم، لأنَّ من شأنه الإضرار بسمعة البلاد.

«مرة أخرى صممت المحكمة على أنَّ تسهيل إسرائيل للمذبحة كان خبرًا ينبغي ألا يسمعه العالم، لأنَّ من شأنه الإضرار بسمعة البلاد».

طبعًا سوف يضر هذا الأمر بسمعة البلاد. فإسرائيل التي تعد نفسها حامية ليهود العالم في أعقاب المحرقة «الهولوكوست»، كانت مشاركًا راغبًا في بعض من أسوأ حالات التطهير العرقي منذ المحرقة. لكنَّ السلطة القضائية الإسرائيلية، بإلحاح من جهاز الاستخبارات العسكرية، تعد هذه المعلومة مدمرة للبلاد.

التطهير العرقي للروهينجا بمساعدة السفن الحربية الإسرائيلية

خلال التطهير العرقي لأقلية الروهينجا المسلمة، العام الماضي، لفتت المجموعة ذاتها من النشطاء، بقيادة المحامي إيتاي ماك، انتباه الجمهور إلى مبيعات الأسلحة الإسرائيلية للمجلس العسكري لميانمار. رفضت المحكمة التدخل لوقف التجارة بينهما، بل رفضت حتى السماح بنشر حكمها.

Embed from Getty Images

ومن حسن الحظ أنَّ أحد المتكلمين في مظاهرة عامة كشف عن هذا الحكم. وقد نشرت فيديو لخطاب هذا الشخص وحكم المحكمة، معتقدًا أنَّ مثل هذا التعتيم كان غير مبرر تمامًا. وحتى الشهر الماضي، حكم قاض بوجوب استمرار مسرحية الصمت هذه.

وبينما يتقلص العالم اشمئزازًا من أونج سان سو كي الحائزة جائزة نوبل للسلام، تحتضن إسرائيل جنرالاتها الذين أبادوا قرى بأكملها في ولاية راخين، وطردوا 500 ألف لاجئ إلى بنجلاديش. وقد أدى عمل ماك على هذه القضية إلى تعليق الجيش الإسرائيلي وشركائه في تجارة الأسلحة هذه المبيعات. لكن لو كان لنا أن نأخذ العبرة من السلوك السابق، فما إن تهدأ فورة الغضب، حتى تستأنف التجارة.

إسرائيل تغذي الإبادة في السودان

تدخلت إسرائيل أيضًا في الحرب الأهلية السودانية، فباعت أسلحة لكلا الطرفين في صراع أودى بحياة 400 ألف شخص.

Embed from Getty Images

عام 2017، قدم ماك ومجموعة من النشطاء الإسرائيليين التماسًا للمحكمة العليا لإنهاء مبيعات الأسلحة الإسرائيلية، استنادًا إلى أنها تشكل جريمة حرب. في هذه الحالة، استخدمت حكومة جنوب السودان بنادق Galil ACE إسرائيلية الصنع في الهجوم على أعضاء من قبيلة منافسة، وارتكاب مذبحة بدأت الحرب الأهلية. كما زودت معدات تنصت سمحت لحكومة جنوب السودان بمراقبة اتصالات أعدائها.

حكمت المحكمة فيما بعد بأنَّ مبيعات الأسلحة كانت قانونية.

الاعتراف ثم الرقابة

القصة الرئيسية الثانية التي ذاع سرها الشهر الماضي هي الرقابة على مقال لصحيفة جيروزاليم بوست، أكدت للإسرائيليين للمرة الأولى أنَّ جيش الدفاع الإسرائيلي زود جماعة النصرة في سوريا، التابعة لتنظيم القاعدة، بأسلحة وذخيرة.

وكنت قد كتبت من قبل أنَّ الجيش الإسرائيلي قد نسق ماديًّا مع أولئك المتمردين الإسلاميين، فوفر لهم أجهزة لجمع المعلومات والاتصالات. كما بنى الجيش معسكرًا داخل منطقة الجولان التي تحتلها إسرائيل استضاف عائلات مقاتلين سوريين. ونشرت صحيفة وول ستريت جورنال وفورين بوليسي أيضًا مقالات حول مقايضات الأسلحة هذه.

حتى الآن لم تشر إسرائيل إلا إلى مساعدتها الإنسانية والطبية إلى المعارضة السورية، متظاهرة بأنَّ ذلك كان بمثابة مساهمة إسرائيل في التخفيف من معاناة السوريين أثناء الحرب الأهلية.

وبخلاف ذلك، فإنَّ إسرائيل قد ادعت زورًا أنها إما محايدة في الصراع السوري، وإما أنها مشاركتها في هذا الصراع مقيدة. وكلا الادعاءين ليس بصحيح. لكنَّ ذلك لم يمنع الصحافيين السذج من ترديد المزاعم الإسرائيلية.

نفذت إسرائيل مئات الطلعات الجوية التي هاجمت القواعد الجوية السورية واستهدفت حزب الله وقوافل الأسلحة الإيرانية. وعلاوة على ذلك، اغتالت إسرائيل قادة عسكريين سوريين وإيرانيين، وقادة من حزب الله داخل سوريا.

ومن الصعب معرفة سبب تقديم ضابط من جيش الدفاع الإسرائيلي هذه المعلومة لمراسل جيروزاليم بوست، ثم إلغاء الرقيب العسكري لهذا الأمر، وإعلان القصة «حرامًا» وفرض الرقابة عليها. والذي يبدو أنًّ اليد اليمنى للجيش الإسرائيلي لا تعرف ما تفعله يده اليسرى.

عقدت إسرائيل هذه التحالفات مع الإسلاميين في الوقت ذاته الذي كان فيه رئيس وزرائها يخوض جولة في العالم تباهى فيها بانَّ بلاده هي الحصن الأخير ضد الإرهاب الإسلامي، وأنَّ على الغرب أن يشكر إسرائيل لتحذيرها له من مثل تلك الهجمات الإرهابية على الأراضي الأوروبية، وأنَّ داعش والقاعدة تسعيان أولًا لتدمير إسرائيل، ثم المتابعة وغزو الغرب.

ولا يبدو أنَّ رئيس الوزراء متضايق على الإطلاق من وجود قضية مشتركة بينه وبين هذه القاعدة نفسها، عندما التقت مصالحهما. عدد قليل من زعماء العالم والصحافيين لاحظوا العبثية المطلقة لهذه المناورة الإسرائيلية. في العالم الجديد الشجاع لبريطانيا العظمى تحت سيطرة الحلف الدولي لتذكر المحرقة (IHRA)، قد يجري استقبال مثل هذه الأخبار بتهمة معاداة السامية.

«الجارديان»: ماذا يعني أن تكون معاديًا للسامية أو معاديًا للصهيونية وما الفرق؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد