«الجنود المنفردة» هو مصطلح يُطلق في إسرائيل على الجنود «المرتزقة» الذين يأتون إلى إسرائيل من يهود الشتات للانضمام إلى الجيش الإسرائيلي ويعيشون فيها بدون عائلاتهم أو أقاربهم أو أصدقائهم. ويمثل يهود الشتات 2% فقط من الجنود الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، لكن في العام الماضي ارتفع معدل الانتحار بينهم بصورة كبيرة، ونشرت صحيفة «هآرتس» تحقيقًا مطولًا للكاتبين «جودي مالتز» و«يانيف كوبوفيتش» يسلط الضوء على ما وراء هذه الظاهرة.

وتستهل الصحيفة تحقيقها بالإشارة إلى تحية وترحيب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس روفين ريفلين بالمئات ممن تجمعوا في تل أبيب قبل أيام لحضور حفل استقبال لـ300 يهودي من الشتات – غالبيتهم من الولايات المتحدة – الذين قرروا حزم حقائبهم وتوديع الأصدقاء والعائلة والانضمام إلى الجيش الإسرائيلي، مشيدين بصهيونيتهم، وقد قدم هؤلاء إلى إسرائيل من خلال برنامج يُعرف باسم «غارين تزابار».

وتلفت الصحيفة إلى أن ما يقرب من 3500 جندي في الجيش الإسرائيلي يعيش آباؤهم خارج البلاد، ويُعرفون باسم «الجنود المنفردة»، منهم حوالي 1200 من أمريكا الشمالية وعدد مماثل من الاتحاد السوفيتي السابق والباقي من دول أخرى. 

وتقول الصحيفة إن سلسلة من المآسي الحديثة جذبت الانتباه الوطني لمحنة هؤلاء الشباب ومنها ما حدث في مايو (أيار)، عندما تم اكتشاف جثة ميكايلا ليفيت، جندية مقاتلة تبلغ من العمر 20 عامًا من بوكا راتون بولاية فلوريدا، خارج قاعدتها، وكانت قد أطلقت النار على رأسها بعد أن كتبت رسالة وداع لعائلتها، وكانت هي الحالة الرابعة لجندي يموت منتحرًا في غضون ستة أشهر، ثلاثة منهم أمريكيون.  

وتتابع الصحيفة: على الرغم من أن الجنود الذين لا يعيش آباؤهم في إسرائيل يشكلون 2 في المائة فقط من جميع المجندين في الجيش الإسرائيلي، إلأ أنهم يمثلون نسبة عالية بشكل غير متناسب لحالات الانتحار في الجيش في العام الماضي. ووفقًا للأرقام التي قدمها الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، انخفض عدد حالات الانتحار الإجمالية في الجيش في عام 2018 بمقدار النصف تقريبًا مقارنة بالعام السابق، إلى تسعة، لكن من بين حالات الانتحار التسعة تلك، كان بينهم اثنان من الجنود المنفردة.

Embed from Getty Images

وتشير الصحيفة إلى أن الكثير من الخطاب في إسرائيل قد ركز بشكل طبيعي حول ما إذا كان المجتمع يوفر لهؤلاء الجنود ما يكفي من الدعم النفسي والمالي، فقد تركوا وراءهم العائلة والأصدقاء – ناهيك عن وسائل الراحة الأساسية للحياة – للقدوم والقتال من أجل إسرائيل في حين أنهم، وعلى عكس أقرانهم المحليين، ليسوا ملزمين بالقيام بذلك.

لكن التحقيق الذي أجرته الصحيفة يكشف أنه بحلول الوقت الذي ينضم الكثير منهم إلى الجيش، غالبًا ما يكون الوقت قد فات لمعالجة مشاكلهم، إنه يظهر أن إسرائيل لا تجري عمليات فحص كافية عن خلفيات المتطوعين قبل وضع هؤلاء الشباب في خطر، وأن العديد من المجندين الشباب لا يفهمون بما فيه الكفاية الحياة العسكرية في إسرائيل؛ وأن أعدادًا كبيرة منهم تفتقر إلى الكفاءة في اللغة العبرية والإلمام بالثقافة الإسرائيلية اللازمة للتكيف بنجاح؛ ويرى الكثيرون أن الجيش شكل من أشكال الهروب من الصعوبات والتحديات التي يواجهونها في أوطانهم.

على الرغم من هذه الإخفاقات، يشير التحقيق إلى أن برنامج الجندي المنفرد مستمر في رعايته وتشجيعه، لأن الكثير من منظمات جمع التبرعات والمبادرات التي تمولها الحكومة لها مصلحة راسخة في مواصلة البرنامج.

كيف تختارهم إسرائيل؟

وتشير الصحيفة إلى القصور الذي يعتري نظام فحص المرشحين عند تقدمهم، وهو ما يساعد في تفسير ليس فقط حدوث حالات الانتحار العالية بشكل غير متناسب بين هذه الفئة الديموغرافية الخاصة، ولكن أيضًا النسبة الكبيرة نسبيًا من الجنود المنفردة الذين يتم تسريحهم من الجيش كل عام بعد اكتشاف أنهم غير مؤهلين للخدمة، أو انضمامهم بعد مشاكل نفسية – ناهيك عن من يختارون عدم العودة من الإجازة السنوية المستحقة لهم التي تستغرق 30 يومًا إلى الخارج، ووفقًا للأرقام التي قدمها الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، في المتوسط، هناك نسبة تسرب تصل لحوالي 14 في المئة من الجنود المنفردة.

وتستعرض الصحيفة عددًا من الحالات التي تم فيها قبول مجندين متطوعين دون فحص دقيق لخلفيتهم، مثل المجند «أيه»، جندي سابق من كندا خدم في وحدة النخبة وطلب عدم نشر اسمه، والذي اعترف بأنه كذب بشأن تاريخه في تعاطي المواد الأفيونية عندما انضم إلى الجيش، والذي شدد أيضًا على أن أحدًا لم يدقق في خلفيته.

وتنقل الصحيفة عن شيفرا شاهار، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «بيت دافئ لكل جندي»، قولها إن من المؤكد أن هناك جنودًا جيدين بينهم يأتون لأسباب أيديولوجية والذين يكونون أكثر أو أقل ملاءمة للخدمة العسكرية – لكن من تجربتي، فإنهم يمثلون الأقلية، فمعظمهم يأتون إلى هنا هربًا من المشاكل في أوطانهم، حيث لا يمكنهم العثور على عمل وليس لديهم ميل للدراسة، وكثير منهم يأتون من عائلات محطمة، وحتى بعضهم لديه سجلات جنائية، وقد نجح شخص ما هناك بطريقة ما في إقناعهم أو إقناع والديهم بأن الجيش الإسرائيلي سوف يصحح مسارهم، ولسوء الحظ، في معظم الحالات، لا يؤدي الجيش إلا إلى تفاقم أي مشاكل لديهم بالفعل، كما يوافق آرثر لينك، سفير إسرائيل السابق في جنوب أفريقيا وجندي سابق منفرد، على وجود ثغرات خطيرة في نظام الفحص.

تجاهل إشارات الإنذار

وتتابع الصحيفة: في العديد من المآسي الأخيرة التي انخرط فيها جنود منفردة، كان ينبغي أن تكون إشارت الإنذار واضحة، كما يقول الخبراء، فقد تم العثور على أليكس ساساكي، وهو جندي منفرد من كاليفورنيا، ميتًا في أواخر مارس، ولا يزال الجيش يحقق في سبب الوفاة، وكان الشاب البالغ من العمر 27 عامًا يخدم في ذلك الوقت بوصفه جنديًا مقاتلًا في لواء جولاني، وفي محادثة هاتفية من منزله في مقاطعة أورانج، رفض والده ستيف ساساكي التكهنات بأن سبب وفاة ابنه هو جرعة زائدة من المخدرات أو انتحار، كما ورد على نطاق واسع في وسائل الإعلام.

Embed from Getty Images

قبل الانضمام إلى الجيش، كان أليكس قد بدأ الدراسة في جامعة أوريغون، لكنه ترك الدراسة، وبدأ يفكر في الانضمام إلى الجيش الإسرائيلي، وفي منشور واحد على الأقل على صفحته على الفيسبوك أقر أليكس بأنه مدمن على المخدرات والكحول، وتكشف صفحته أيضًا أنه قبل وقت طويل من انضمامه إلى الجيش، توفي أحد أصدقائه المقربين بسبب جرعة زائدة من المخدرات.

تأثير برنامج حق المولد

وتستعرض الصحيفة تأثير برنامج «حق المولد» والذي يشجع الشباب اليهودي على زيارة مدفوعة التكاليف إلى إسرائيل، حيث وجد التحقيق أن عددًا كبيرًا من هؤلاء الجنود المنتحرين انضموا إلى الجيش بعد زيارتهم إلى إسرائيل باعتبار ذلك جزءًا من هذا البرنامج. 

وتشير الصحيفة إلى أن الجنود المنفردة في الحقبة السابقة كانت لديهم هوية يهودية وصهيونية أقوى، وأظهروا رغبة أكبر للاندماج في المجتمع الإسرائيلي، كما يقول تزيكي أود، كبير المستشارين في مركز الجندي المنفرد، أما اليوم، فقد أصبح الانضمام إلى الجيش الإسرائيلي شيئًا من قبيل الرغبة – تمامًا مثل قيامنا هنا في إسرائيل برحلات السفاري في أمريكا الجنوبية والشرق الأقصى بعد الجيش، على حد تعبير أود.

وتقول الصحيفة إن أحد التفسيرات المحتملة لهذه المحصلة الجديدة للجنود المنفردة هو نجاح برنامج حق المولد في جلب عدد كبير من اليهود، فمنذ إنشائه وخلال السنوات العشرين الماضية، جلب البرنامج حوالي 600 ألف شاب في رحلات مجانية إلى إسرائيل.

مشاكل ديموغرافية جديدة

وتشير الصحيفة إلى المشاكل التي تواجه هؤلاء الجنود في القدرة على التواصل والتكيف مع أقرائهم وقادتهم بسبب عدم إتقانهم للغة العبرية وعدم معرفتهم بالثقافة الإسرائيلية.

 لكن ربما يكون التحدي الأكبر بالنسبة للجنود هو الوحدة، حيث تنقل الصحيفة عن إحدى المجندات قولها «أنت وحيد خلال عطلاتك، وفي كل مرة تواجه فيها مشكلة، فأنت الشخص الذي يتعين عليه التعامل معها، أعرف الكثير من الأشخاص الذين لم يتمكنوا من التغلب على مشكلاتهم، وتركوا بنادقهم ببساطة في القاعدة واستقلوا رحلة إلى نيوجيرسي أو إلى أي مكان دون إخبار أي شخص».

Embed from Getty Images

تمويل برنامج الجندي المنفرد

وتشير الصحيفة إلى أن برنامج الجندي المنفرد شهد زخمًا أكبر في السنوات الأخيرة، ويعود الفضل في جزء كبير منه إلى شبكة من المنظمات الخاصة والمبادرات التي تمولها الحكومة والمخصصة للحفاظ عليه وتعزيزه.

وتلفت الصحيفة إلى أن منظمة أصدقاء الجيش الإسرائيلي، وهي واحدة من تلك المنظمات، جمعت مبلغ 139 مليون دولار في عام 2018، بزيادة 17 مليون دولار عن عام 2017، كما تبلغ ميزانية تشغيل برنامج غراين تزابار، وفقًا لمتحدث باسم المنظمة، 13 مليون شيكل (3.7 مليون دولار) سنويًا، ويأتي حوالي 70٪ منها من الحكومة الإسرائيلية والوكالة اليهودية شبه الحكومية.

لم يعد هناك حاجة للمتطوعين

وتقول الصحيفة إن لدى إسرائيل اليوم واحدًا من أقوى الجيوش في العالم بفضل النمو السكاني الطبيعي والهجرة، ولديها العدد الوافر من المجندين الذين ينضمون إلى صفوفها كل عام، وبالتالي لم يعد المتطوعون غير مطلوبين وحسب، ولكن في بعض الحالات – بسبب احتياجاتهم الخاصة والتحديات التي يمثلونها – يشكلون بالفعل عبئًا على الجيش.

Embed from Getty Images

وتتابع الصحيفة: إذا كان هناك شيء يجب القضاء عليه بالكامل، كما يقول النقاد، فهو نظام التطوع المعروف باسم «ماتشال»، وكما تصفه شاهار بأنه لم يعد مناسبًا وليس ضروريًا على الإطلاق في هذه الأيام وفي هذا العصر، وقد وافقها الرأي لينك الذي يرى أن الجيش الإسرائيلي ليس جيش متطوعين، ولا نحتاج إلى أن نكون كذلك في عام 2019، فنحن نجند الكثير من شبابنا، وليس هناك سبب يدعونا لجلب مرتزقة.  

وعلى الرغم من مشاكل البرنامج، يقول ياجيل ليفي، أستاذ علم الاجتماع السياسي والسياسة العامة في جامعة إسرائيل المفتوحة، إنه لا يتوقع أي إعادة تفكير كبرى في مشروع الجندي المنفرد، لأن لكل من إسرائيل والعالم اليهودي مصالح قوية في الحفاظ عليه، ويقول: «هناك بالتأكيد اهتمام كبير من جانب الشتات اليهودي – وخاصة في الولايات المتحدة – بالاحتفاظ به جزءًا من المشروع الصهيوني الأكبر».

ويضيف: «لكنني أعتقد أيضًا أن الجيش الإسرائيلي لديه مصلحة في الحفاظ عليه، عندما يأتي الشباب من جميع أنحاء العالم إلى هنا انطلاقًا من إرادتهم الحرة للانضمام إلى الجيش، فهذا شيء يثير الروح المعنوية والروح القتالية». 

وتستدرك الصحيفة في الختام: لكن هناك علامات على أن الجيش بدأ في معالجة مشكلة الجنود المنفردة بصورة أكثر جدية، ففي الأسبوع الماضي، بعث الجنرال موتي الموز، رئيس إدارة القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي، برسالة إلى جميع القادة الكبار تحت عنوان: «منع الانتحار في الجيش الإسرائيلي». 

وتقول الرسالة «في الآونة الأخيرة، اتُخذت عدة قرارات بشأن الجنود المنفردة، وسيتم إطلاعكم عليها قريبًا، وتتطلب هذه القضية متابعة وحساسية خاصة، لدينا مسؤولية كبيرة للغاية، لا سيما فيما يتعلق بالمساعدة الدائمة في مختلف المجالات (الإسكان والمال والأجهزة الكهربائية وما إلى ذلك)، ويجب أن يكون القائد على معرفة بالجندي المنفرد ومكان إقامته وظروف معيشته، وأين يذهب في عطلته وعلى معرفة بعائلته وأصدقائه».

ما وراء أسطورة «الجيش الذي لا يهزم» فساد ومخدرات وتحرش في الجيش الإسرائيلي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد