كتب الصحافي والمؤلف الإسرائيلي «رونين بيرجمان» لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية:

أهم درس تعلمناه في المدارس كان الهولوكوست. ثاني أهم الدروس التي تعملناها، بعد أن درسنا الفظائع النازية، كيف أنَّ باقي دول العالم، بما فيهم الغرب، وأقرب الأصدقاء المستقبليين لدولة إسرائيل، قد وقفوا مكتوفي الأيدي ولم يفعلوا شيئًا لمنع أدولف هتلر في الوقت الذي كان يبيد فيه يهود أوروبا. أحد الأسئلة الرئيسية التي برزت في هذا الصدد كان: لماذا لم يفجر الحلفاء معسكر أوشفيتز المميت، حتى بعد أن علموا ما كان يجري فيه؟

لقد صار الهولوكوست، وما صاحبه من تحالف بعض الدول الأوروبية مع النازيين، ووقوف باقي الدول مكتوفة الأيدي، مصدرًا للدروس التي يعيش بها قادة إسرائيل، وهي: «التأكد من عدم تكرار الهولوكوست مرة أخرى أبدًا»، و«ألا نثق إلا بأنفسنا»، وأن نستخدم ما حدث تبريرًا معتادًا لاستخدام القوة المفرطة خلال سنوات وجودنا. حتى أنَّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يستخدم مسألة عدم قصف معسكرات الموت في خطبه، قال: «لقد جادل الحلفاء بأنَّ قصف معسكر أوشفيتز سوف يؤدي إلى زيادة تطرف النظام النازي، وهو الآن يطرح الادعاء ذاته بخصوص إيران».

الهولوكوست ما بين الإنكار والمبالغة !!

إنَّ السؤال حول ما إذا كان باستطاعة الحلفاء أن يقصفوا حتى خطوط السكك الحديدية المؤدية إلى معسكر أوشفيتز، وأفران المعسكر، ما زال محل جدل تاريخي عميق، لكن لنفترض أنَّ كل شيء تعلمناه في المدارس حول إسرائيل صحيح ودقيق. لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم توقف إسرائيل المذبحة البشعة وجرائم الحرب التي تجري على الجانب الآخر من حدودها منذ خمس سنوات؟

إنَّ إسرائيل أقوى دولة في المنطقة، وقد كان بإمكانها بسهولة ضرب قوات بشار الأسد، المتفرقة والممزقة بطول البلاد وعرضها، والتي لم تشكل أي تهديد لجيش الدفاع الإسرائيلي لسنوات عديدة. حتى لو فرضت إسرائيل منطقة حظر طيران جوي على القوات الجوية السورية، أو حددت منطقة للاجئين، دون تدخل عسكري حقيقي، كان ذلك لينقذ أرواح عشرات الآلاف، ويجنب الملايين المعاناة. ومن المرجح أيضًا أنَّ تدخلًا عسكريًّا إسرائيليًّا كان ليمنع التدخل العسكري الروسي في المنطقة.

 

هناك العديد من الأسباب لعدم تدخل إسرائيل، منها أنَّ لديها أشياءً أكثر أهمية، وأنَّ لديها أعداءً أكثر أقرب تقاتلهم، وأنها لم ترد أن تظهر بمظهر الدولة التي تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، ولأنَّ هذا العدد الضخم من الضحايا لم يكونوا يهودًا. لكنَّ هذه الحجج، بحسب العقيدة الإسرائيلية، هي ذاتها التي منعت بريطانيا والولايات المتحدة من التدخل لصالح يهود أوروبا.

ولا يعني هذا الأمر أنه ليس ثمة تدخل عسكري إسرائيلي في سوريا. بالعكس: إنَّ لإسرائيل روتينًا معتادًا بالضرب في عمق الأراضي السورية. لكنَّ هذه الضربات هدفها الوحيد منع نقل الأسلحة إلى حزب الله في لبنان. من ذلك ما نقلته وسائل الإعلام العربية، الأسبوع الماضي، من أنَّ إسرائيل قد نفذت ضربة جوية على دمشق. وعندما علق وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، علنًا لأول مرة، على مسألة القصف تلك قال، بما لا يدع مجالًا للشك: «ليس لدولة إسرائيل أية مصلحة في التدخل في الحرب الأهلية في سوريا».

إنني أتساءل كيف كان مثل هذا التصريح ليفسر من قبل نتنياهو، لو كان قد صدر على لسان وزير الدفاع الأمريكي عام 1944 أنَّ القوات الجوية لن تقصف معسكر أوشفيتز لئلا تتدخل في الشؤون الداخلية الألمانية.

لقد كان معدل الإبادة اليومي على يد أعضاء قبيلة الهوتو ضد التوتسي في رواندا، أعلى من معدل الوفيات اليومي لليهود الأوروبيين أثناء الهولوكوست. اعتذرت الولايات المتحدة الأمريكية لاحقًا لعدم تدخلها لإنقاذ الموقف هناك، على الرغم من أنَّ أكثر الضحايا لقوا حتفهم على يد عصابات من المدنيين المسلحين بالمناجل، وهو ما كان بإمكان القوات الجوية الأمريكية إيقافه بسهولة. وبالمثل، سوف تعتذر الولايات المتحدة للمواطنين السوريين أيضًا.

دروس من «الهوتو» و«التوتسي».. أو كيف تجاوزت رواندا حربها الأهلية؟

رواندا بعيدة عن إسرائيل، وليس لإسرائيل الانتشار الواسع الذي للجيش الأمريكي. لكنَّ سوريا على بعد عدة دقائق فحسب من كل القواعد الجوية الإسرائيلية. وقد مرت أيام كان فيها معدل الإبادة اليومي في سوريا مشابهًا لمعدل الإبادة أثناء الهولوكوست.

إنَّ ذنب الوقوف مكتوفي الأيدي أثناء الإبادة الجماعية في حلب، ودمشق، وباقي ذلك البلد التعيس، سوف يثقل ضمائرنا إلى الأبد نحن أيضًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد