40 عامًا مرت على اتفاقية كامب ديفيد والسلام المصري الإسرائيلي، أحد أبرز الأحداث السياسية في تاريخ مصر المعاصر. في هذا المقال يناقش الباحث الإسرائيلي عوفير وينتر في مقاله بصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية الظرف الشعبي الذي أحاط بهذا الحدث، مركزًا على الفن، كأداةٍ استخدمتها السلطة لترويج سياساتها الجديدة.

مترجم: «من كامب ديفيد إلى أوسلو».. كيف قضى زعماء العرب على «الدولة الفلسطينية»؟

أوضح وينتر أنَّ هناك العديد من القصائد والأغاني التي تثير ذكريات إسرائيل واتفاقيتها للسلام مع مصر، التي وُقّعت قبل أربعة عقودٍ في مثل هذا الشهر. واحدة من الأغاني العبرية الأكثر ارتباطًا بالحدث هي «ستتحسن الأمور Yihiye Tov»، لحّنها وغناها ديفيد بروزا، وألّفها الشاعر الإسرائيلي يوناتان جيفين، واستوحى كلماتها من زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس عام 1977. عبَّرت الأغنية عن رغبة معظم الإسرائيليين وقتها للتصالح مع مصر، (بكلماتٍ مثل: «ونحن نقول، دعونا نتصالح ونعيش إخوة»)، لكنَّها رغم ذلك أشارت للمشكلة الفلسطينية الباقية دون حل، والتي عكرت صفو العلاقات الثنائية، وساهمت في جعل السلام «باردًا» لسنوات، (فمن ضمن الكلمات: «دعونا نفعل ذلك، فقط اتركوا الأراضي»).

وفي حينه أيضًا، أشاد عالَم الشعر والموسيقى المصري بالفترة التاريخية بين 1977 و1982، من زيارة السادات وحتى انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء. فبحسب مقال وينتر، أذاعت محطات الراديو والتلفزيون المصرية عشرات الأغاني التي تشيد بمناقب السلام.

إلى جانب إصدار جمعية الشعراء المصريين في نهاية عام 1977 مجموعة خاصة تحت عنوان «أصدق الكلمات عن رحلة السلام»، ضمَّت 23 «قصيدة شعبية»، نظم بعضها كبار الشعراء المصريين. وتغير النشيد الوطني المصري ليعكس أجواء السلام الجديدة، حيث استُبدل نشيد عام 1960 الذي يحض على القتال «والله زمان يا سلاحي»، في عام 1979 بنشيد «بلادي بلادي بلادي، لكِ حبي وفؤادي»، الذي يركز على الوطن المصري.

ويرى الكاتب أنَّ الغرض من هذه القصائد والأغاني كان دعم النظام المصري في جهوده لجعل السلام مع إسرائيل أمرًا مشروعًا في نظر الشعب. إذ شكّلت مبادرة السادات ثورةً في سياسة بلاده بعد عقودٍ من الصراع تخللتها خمسة حروب، وكانت في حاجة إلى حملة علاقات عامة واسعة، قائمة على وسائل متنوعة، من وسائل إعلام ومقالاتٍ عن الشريعة الإسلامية، وأغاني وقصائد. تميزت الأغاني بقدرتها على إثارة المشاعر مباشرةً، والمساعدة في غرس القيم والمفاهيم بين جمهورٍ كبير من المستمعين، والذين كان بعضهم أميًا. ومع ذلك، اعتبر الكثيرون في مصر هذه الأغاني دعاية سياسية، وليست أعمالًا فنية أصيلة، ما حدَّ من قبولها لدى الجمهور العام، واعتُبرت هذه نقطة ضعف فيها.

وصرَّحت صفية المهندس «أم الإذاعيين المصريين»، والتي ترأست الإذاعة المصرية منذ 1975 وحتى 1982، أنَّه مع اقتراب موعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في مارس (آذار) 1979، طُلب منها إنتاج أغاني تساعد على تهيئة الشعب لها، وجُنِّد كبار الشعراء والملحنين والمغنيين وقتها لتلك المهمة الوطنية. وشددت الأغاني والقصائد كغيرها من وسائل الدبلوماسية العامة على الوطنية المتجسدة في السياسة الجديدة، وأشادت بشجاعة السادات، واحتفلت بعودة سيناء الوشيكة لمصر، وركزت على آمال الرخاء المصري في عصر السلام. في الوقت نفسه، تجنبت التعبير المباشر عن المصالحة أو الاعتراف بإسرائيل، أو الصداقة مع شريك السلام الذي ما يزال موضعًا للخلاف.

كان التحدي الأساسي في هذه الأعمال، بحسب الكاتب، هو تبرير قرار السادات بالسعي إلى إبرام اتفاقٍ منفصل مع إسرائيل دون الدول العربية الأخرى والفلسطينيين، وخلافًا لموقف جامعة الدول العربية. ويشير وينتر إلى أنَّ وزارة الإعلام المصرية حددت ثلاثة أهداف: تضمين مفهوم السلام في الوعي العربي، وشرح الكيفية التي يخدم بها السلام المصالح العربية، ورفض الهجوم العربي على المعاهدة.

وبالفعل، كانت الأغاني تتحدث عن التزام السادات بتحقيق الأهداف العربية والفلسطينية. إذ نظم الشاعر «الأطرش» (اسم مستعار) قصيدة تحت عنوان «الزعامة دايمًا بين إيديه»، في إشارة إلى قلق السادات على إخوانه العرب، فيقول: «ذهب قائدنا بنية صد العدوان، لإعادة كل الحقوق وكسر القيود، دون نسيان حقوق سوريا أو عمَّان، وركز في كل خطاباته على فلسطين، والقدس، أرض الحب ومعقل الأديان».

في الوقت نفسه، حسبما أوضح وينتر، أساءت هذه الأعمال الإبداعية لمعارضي السلام. وأدانت جبهة الرفض العربي التي قادتها العراق وليبيا وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، لإنكارها تضحيات مصر في الحرب ضد إسرائيل. فمثلًا، انتقد الشاعر الشعبي محمد عبد العزيز الملاح هؤلاء الذين استفادوا من النزاع بينما تختنق مصر منه.

ووصفت الفكرة الأبرز في هذه القصائد السلام مع إسرائيل كخطوة مُكمِّلة لـ«نصر أكتوبر»، إذ اعتبرت مصر حرب 1973 مع إسرائيل، والتي يشار إليها عادةً بحرب يوم الغفران، إنجازًا وفّر أرضيةً مناسبة لحل دبلوماسي مشرّف، لا يعكس الضعف أو الهزيمة، لكنَّه تحقق من موضع قوة. واستغل الملاح هذه الرواية لصد انتقادات الأوساط الإسلامية، واستشهد بالآية القرآنية «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا» لتبرير عقد السلام مع المعتدي المهزوم.

وتملَّقت أعمال فنية أخرى السادات بالإشادة لقدراته القيادية، والإعجاب ببطولاته، ووصفت زيارته للقدس كتعبيرٍ عن قدرته على مباغتة العدو في السلام كما في الحرب، معتبرةً خطوة كهذه خطوة هجومية في جوهرها، إن لم يكن في أسلوبها. واعتبر الأمين العام لجمعية الشعراء المصريين عبد الحميد عبد العظيم خطاب السادات في جلسة الكنيست «هجومًا جريئًا باسم السلام»، ما أظهر شجاعته وتركه الإسرائيليين «في حيرةٍ وخسارة».

وكذلك أثنى الشاعر إبراهيم الصافي إبراهيم عثمان على شجاعة السادات للوقوف أمام الكنيست الإسرائيلي، واضعًا أعضائه بين خيارين: «إما أن نستعيد أراضينا، أو نُمسك بسلاحنا مرةً أخرى». وغنت فايدة كامل، الملقبة بصوت السلطة، «يا سادات يا زعيمنا»، تقارن السادات بالإله. وفي أغنية «أفراح السلام» للشاعر محمد الدسوقي الشهاوي، لقبت السادات بـ«زعيم النور والحرية».

وبهذا، بحسب وينتر، ركزت أكثر الأغاني والقصائد شهرةً على ثمار السلام التي طال انتظارها؛ تحرير سيناء، وإعادة تأهيل وتنمية الاقتصاد المصري، والثروة والرخاء. ومع الاحتفالات بانسحاب إسرائيل من سيناء، ظهرت أغاني من حرب 1973 مع أغاني جديدة، مثل «طالعين على أرض الفيروز»، التي غنتها ياسمين الخيام وأسامة رؤوف، وألفها الشاعر عبد السلام أمين، ولحنها محمد الموجي.

وفي المقاطع التي جرى إنتاجها لهذه الأغاني ترى العلم الإسرائيلي يُنكس ويعلو العلم المصري. وبينما عزت أغاني هذا العصر تحرير سيناء إلى إنجازات حرب 1973، ارتبط الوعد بتطوير سيناء بإنجازات السلام.

وتكريمًا لتوقيع اتفاق السلام في البيت الأبيض في 26 مارس (آذار) 1979، نشرت صحيفة أكتوبر الأسبوعية، الناطقة بلسان نظام السادات، قصيدة بعنوان «حمامة السلام» لمؤلفها كمال منصور، والذي رأى فيها أنَّ «السلام قد حلّ، وسنجعل الصحراء تزدهر، وسنبني الحدائق والمدن، وبنضالنا وعرق جبيننا سنروي عطشها».

«فن الدعاية المصري»

بحسب وينتر، بعد الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، صدرت واحدة من أكثر الأغاني شهرةُ في وقتها، وهي «مصر اليوم في عيد»، وهي واحدة من الأغاني القليلة التي لا تزال في الذاكرة المصرية إلى اليوم، غنتها الفنانة شادية، لمؤلفها محمد عبد الوهاب، ولحنها جمال سلامة. ورأى السفير الإسرائيلي في مصر موشيه ساسون أنَّ الأغنية تعكس الفرح الذي ساد مصر وقتها، بالإضافة إلى رغبة النظام في جعل تنمية الدولة وازدهارها أولوية وطنية.

مُلِئت الأغاني بالأشواق لعالم السلام والوئام حسبما ذكر وينتر، لكنَّها تجنبت ذكر إسرائيل. ففي الأغنية المرتبطة بزيارة الرئيس المصري للقدس «تعيش يا سادات»، والتي غناها سيد مكاوي، كتب الشاعر كمال عمار: «كان قلبي معاك طول ما انت هناك»، دون ذكر الوجهة الفعلية. وأغاني أخرى مثل «يا مصر لكِ السلام»، غناء سميرة سعيد وكلمات الشاعر محمد كمال بدر وموسيقى حلمي أمين، والتي ركزت على رسائل تصالحية عالمية موجزة.

لكن بالعودة إلى الخلف بعد كل هذه السنوات، يشير وينتر إلى أنَّ هذه الأغاني والقصائد المصرية لم تترك أثرًا كبيرًا، فعامة الشعب اليوم ليسوا على دراية بمعظمها، ويُعتبر استبعادها من التراث الفني نتيجةً للوضع السياسي الذي صدرت وازدهرت فيه، ولهذا سرعان ما طواها النسيان.

ويستمر وينتر في سرد توظيف الأغاني لينتقل إلى عهد الرئيس حسني مبارك، الذي خلف السادات بعد اغتياله عام 1981. إذ ذكر أنَّ الأعمال التي أثنت على سلفه استُبدلت بأخرى جديدة تحمل رسائل أكثر انسجامًا مع الأجندة المتغيرة. وكانت أغاني السلام القليلة التي استمرت الدولة في الترويج لها تدور حول تحرير سيناء ثم طابا، واللذين حدث كلاهما في ظل حكم مبارك.

ومنذ أبريل (نيسان) 1982، يُحتفَل بيوم تحرير سيناء كعطلة وطنية رسمية، لكن لا يُحتفَل بزيارة السادات للقدس، ولا توقيع اتفاقية السلام منذ 40 عامًا، ولا تبث أغانيهما. وفي الاحتفال الكبير بمئوية السادات (مرور 100 عام على مولده) في ديسمبر (كانون الأول) 2018، بُثَّت أغاني حرب أكتوبر 1973. وبهذا، حسب مقال وينتير، نُسيت أغاني السلام جراء انصراف المستمعين عنها، بالإضافة إلى وصمها من بعض الفنانين بـ«فن الدعاية».

ففي مقالٍ نُشر في صحيفة المصري اليوم عام 2007، يُوضِّح زين نصّار من الأكاديمية المصرية للفن الفرق بين الأغاني التي تخدم دعاية المؤسسة، وأغاني الحرب التي أنتجها الفنانون طواعيةً دون تكليف من النظام.

وفي آخر، نُشر في مارس (آذار) 2009، تحت عنوان «في عهد السادات، كان الغناء للرئيس والسلام مجرد أمر»، ناقش المقال أنَّ أغاني السلام لم تكن فعَّالةً، في إشارة إلى أن أكثر الأغاني انتشارًا في ذلك الوقت كانت أغنية أم كلثوم «صوت السلام»، لشاعرها بيرم التونسي وموسيقى محمد الموجي، والتي كُتبت عام 1963 في ظل حكم جمال عبد الناصر.

ووفقًا لوينتر، ينقسم المصريون القلائل الذين لا يزالون يتذكرون أغاني السلام إلى فريقين رئيسين: فريق الحنين، الذي يرى أنَّ هذه الإبداعات جزءٌ من التراث الثقافي المصري، وفريقٌ ناقد يرى الأعمال التي مثَّلت صوت الحكومة وصمة عار في تاريخ الدولة، ولا ينبغي لمثلها أن يتواجد في مصر ما بعد الربيع العربي، الحقبة التي ينبغي أن تكون فيها حرية التعبير الفني غير موجهة من السلطة.

ولأنَّ الفن الشعبي غالبًا ما يكون انعكاسًا للمجتمع، يرى وينتر أنَّ اندثار أغنيات السلام المصرية يخبرنا بوضع العلاقات الإسرائيلية المصرية الآن. إذ بقي اتفاق 1979 راسخًا، لكن يرى الكثيرون من الجانبين أنَّه يعكس سلامًا بين الحكومات، لا الشعوب، سلام ما زال يفتقر لأي ثقل ثقافي حقيقي، ومحاولة تطوير هذا الثقل في الأعوام المقبلة أمرًا حيويًا حسبما يعتقد الباحث.

بعيدًا عن السياسة.. ماذا تعرف عن «كامب ديفيد»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s