نجح بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في الحفاظ على منصبه بعدما فاز بفترة ولاية خامسة في ما يُعد رقمًا قياسيًا بعد معركة انتخابية محتدمة، حسبما أفاد تقرير لموقع «Vox» الأمريكي.

وأضاف التقرير أن النتائج الأولية للانتخابات التي أُجريت أمس الثلاثاء 9 أبريل(نيسان) أسفرت عن حصول «حزب الليكود» – حزب نتنياهو اليميني – على 35 مقعدًا من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي). ورغم أن الليكود لم يفز بأغلبية ساحقة من المقاعد، فإن هذا أمر طبيعي في الانتخابات الإسرائيلية.

«جاكوبين»: تاريخ من المجازر والحروب الأهلية.. لمن تبيع إسرائيل أسلحتها؟

وبشكل عام يصبح قادة الحزب رؤساء للوزراء من خلال الحصول على أغلبية برلمانية بمساعدة الأحزاب الصغيرة. وفي هذه الحالة، يبدو أن مجموعة من الأحزاب اليمينية الصغيرة – التي من المتوقع أن تدعم نتنياهو – قد حصلت على 65 مقعدًا، وهو ما يكفي لمنحه أغلبية 10 مقاعد أمام كتلة اليسار والوسط المنافسة (قد تتغير الأرقام الدقيقة إذ يجري فرز نسبة 2% المتبقية من الأصوات)، حسبما ذكر التقرير.

واقترب نتنياهو الآن من أن يصبح أطول من يشغل منصب رئيس الوزراء في التاريخ الإسرائيلي، أطول حتى من ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل الذي يُوصف بأنه جورج واشنطن إسرائيل. وقد تكون تداعيات ولاية فترته الخامسة هائلة، على كلٍ من حالة الديمقراطية الإسرائيلية ومصير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وأوضح التقرير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه اتهامات جنائية معلقة تتعلق بالحصول على رشوة والاحتيال من المدعي العام الإسرائيلي، والتي من المحتمل أن يجري تأييدها في وقتٍ لاحقٍ من العام الجاري، وأشار إلى أنه من الممكن بعد أن حقق نتنياهو النصر أن يقدم ائتلافه تشريعًا يحميه من المقاضاة في أثناء وجود بمنصبه؛ مما يسمح له بالتملص من جرائمه المزعومة في الوقت الحالي.

الأكثر من ذلك أن نتنياهو قدم وعدًا مفاجئًا في اللحظات الأخيرة من حملته الانتخابية خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي بضم المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية إذا أُعيد انتخابه، مما يوسع السيادة الإسرائيلية الكاملة على المستوطنات التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وإذا نفذ نتنياهو وعده، سيكون هذا هو الرفض الأكثر تطرفًا لحل الدولتين من جانب أي رئيس وزراء إسرائيلي في التاريخ الحديث، ومن شأنه أيضًا أن يثير أزمة هائلة لإسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط.

باختصار، إنه أمر مهم وخطير للغاية، على حد وصف التقرير.

نتائج الانتخابات الإسرائيلية تكشف سبب فوز نتنياهو

يرى التقرير أن سبب فوز نتنياهو بسيط للغاية: تُعد إسرائيل دولة يمينة وسطية، ونجح نتنياهو في حشد ما يكفيه من أصوات الناخبين اليمينيين لهزيمة تيار الوسط.

ومنذ انهيار عملية السلامة في أوائل الألفينات وصعود حكومة حماس في غزة بعد انسحاب إسرائيل من القطاع، اتجه الرأي العام الإسرائيلي أكثر فأكثر إلى التشكيك في عملية السلام والعالم الخارجي.

Embed from Getty Images

ووثق علماء السياسة أدلة قوية على أن الهجمات الصاروخية والتفجيرات الانتحارية أدت إلى زيادة عدد الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب اليمينية؛ مما يشير إلى أن الصراع الفلسطيني المستمر أدى إلى انهيار تام في دعم معسكر السلام اليساري في إسرائيل.

ولم يفز حزب العمل، الحزب اليساري الذي سيطر على السياسة الإسرائيلية في أول 50 عامًا من تأسيس البلاد، بأي انتخابات منذ عام 1999. وأسفرت النتائج الأولية عن فوزهم بستة مقاعد فقط في الكنيست هذه المرة.

وكانت السنوات العشرة الماضية لنتنياهو، ولا سيما السنوات الأربعة الأخيرة، نتيجة وسببًا لهذا التحول اليميني. منذ عام 2009، أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي يمينيًا أكثر فأكثر في محاولة لحماية جناحه من المنافسين اليمنيين الآخرين، وهي إستراتيجية خطيرة وفعالة سياسيًا في الوقت ذاته.

وتحت قيادة نتنياهو، كانت السياسات التي لم يُنظر فيها في الماضي – مثل ضم جزء من الضفة الغربية أو إصدار قانون يعرف إسرائيل كدولة قومية يهودية بطريقة تستبعد الأقلية العربية من البلاد – إما مقترحة، وإما مفروضة.

ولم تكن المعارضة الرئيسة لنتنياهو ممثلةً في حزب يساري هذه المرة، بل حزب وسطي جديد، وهو حزب أزرق أبيض (نسبة إلى ألوان العلم الإسرائيلي). وكان الحزب، بقيادة بيني جانتس، الجنرال المتقاعد ورئيس هيئة الأركان السابق في جيش الدفاع الإسرائيلي، يهدف إلى تجنب الهجمات التي شنها نتنياهو منذ فترة طويلة ضد خصومه اليساريين.

وأدار جانتس حملة ركزت بشدة على خبراته الأمنية واستعان برجال جيش سابقين في المناصب العليا لحزبه. لكن من الواضح أن صورة الرجل القوي التي صدرها جانتس لم تكن مقنعة بما يكفي للتغلب على نتنياهو وشعبية حزبه الليكود.

إذ ركزت حملة نتنياهو على سجله الطويل في قيادة إسرائيل خلال الصراعات والأزمات الأمنية، وكذلك على علاقاته الوثيقة مع الزعماء اليمينيين والقوميين مثل الرئيس البرازيلي جير بولسونارو ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

ومن بين هؤلاء الزعماء الدوليين المقربين من نتنياهو، هناك واحد مهم بصفة خاصة وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالولايات المتحدة ليست هي الحليف الأقرب لإسرائيل فحسب، بل نقلت سفارتها تحت إدارة ترمب إلى القدس واعترفت بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، في خطوتين غير مسبوقتين كانتا بمثابة انتصار كبير لنتنياهو.

Embed from Getty Images

وازدهر الأداء القوي لحزب الليكود بنجاح عدد من الأحزاب الدينية والمحافظة الصغيرة، بما في ذلك حزب اليمين الموحد الذي يضم فصيلًا يمينيًا متطرفًا ومعاديًا للعرب، ويصفه المراقبون بأنه حزب فاشي.

واستفاد نتنياهو أيضًا من ضعف إقبال الناخبين من الأقلية العربية في إسرائيل، التي كانت مشاركتها مهمة لتعزيز فرص التيار اليساري. من الصعب تحديد سبب هذا العزوف بعد، لكن تجدر الإشارة إلى أن نشطاء حزب الليكود حاولوا تهريب كاميرات لتوثيق التزوير المزعوم في الانتخابات على يد الناخبين العرب في يوم التصويت. ورأى حزب حداش تعال، الحزب العربي البارز في إسرائيل، أنها محاولة لتهديد ناخبيه ومنعهم من التصويت، وهي محاولة ربما كانت مؤثرة خاصةً في أعقاب حملة شرسة لتهميش الناخبين العرب.

وكتب أنشيل فايفر، الكاتب والمراسل في صحيفة هآرتس الإسرائيلية اليسارية، قائلًا: «كانت النغمة المعادية للعرب سائدة في الحملات الانتخابية، وكان خصوم نتنياهو متخوفين من الاعتراض عليها حتى».

يبدو أن الانتخابات الإسرائيلية حُسِمت.. فماذا يحدث الآن؟

وفقًا للتقرير، يحتاج نتنياهو أولًا إلى تحديد الأحزاب التي سيضمها في ائتلافه.

قد يتواصل مع جانتس لتكوين ائتلاف وطني موحد أكثر مركزية، لكن تعليقاته بعد الانتخابات لا تشير إلى ذلك. بدلًا عن ذلك يبدو أنه سيتعاون على الأرجح مع الأحزاب اليمينية فقط لتشكيل أغلبية يمينية متشددة. وسيُحدد التشكيل النهائي للحكومة الإسرائيلية في الشهر المقبل أو نحو ذلك.

Embed from Getty Images

وبعد إتمام هذه الخطوة، ستكون المشكلة الأهم بالنسبة لنتنياهو هي الاتهامات الجنائية التي تلوح في الأفق. من المتوقع أن يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي حشد الدعم لقانون مقترح من شأنه أن يحصنه من المحاكمة في أثناء توليه المنصب. وإذا فشل نتنياهو وجرى تأييد الاتهامات هذا الصيف كما هو متوقع، قد ينهار ائتلافه تحت الضغط؛ مما يؤدي إلى اختيار رئيس وزراء جديد من حزب الليكود أو انتخابات جديدة محتملة.

بعبارة أخرى، لا يعني فوز نتنياهو في الانتخابات أنه خرج من مأزقه بعد.

وقال ناتان ساكس، مدير مركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكينجز بواشنطن: «هذه محطة واحدة في رحلة سيخوضها خلال الأشهر القليلة القادمة. تتعلق التساؤلات الحقيقية في الاتهامات الموجهة إليه: ما إذا كان سيُحصن منها، وما إذا كان يمكنه الصمود أمامها والحفاظ على الائتلاف في أثناء محاكمته».

بينما يتعلق السؤال الثاني المهم بالوعد الذي قطعه نتنياهو لضم مستوطنات الضفة الغربية.

من الصعب أن نبالغ في مدى أهمية هذه الخطوة إذا أوفى نتنياهو بوعده. إذ ستؤكد إسرائيل من خلالها سيطرتها الدائمة على الأراضي التي تؤمن معظم الدول أنها ملك للفلسطينيين، وستؤدي على الفور إلى تمزق علاقات إسرائيل مع العديد من دول العالم، وربما حتى الديكتاتوريات العربية التي تعمل في الخفاء مع إسرائيل ضد إيران.

ماذا تعني هذه النتيجة بالنسبة للفلسطينيين؟

أما بالنسبة للفلسطينيين، ستكون هذه خطوة كارثية.

وقال خالد الجندي، وهو زميل أول في معهد بروكينجز: «من المرجح أن تكون هذه الخطوة بمثابة إعلان موت حل الدولتين، وتقرب إسرائيل أكثر من الفصل العنصري الرسمي على أرض الواقع».

وكشف التقرير أنه يمكن أيضًا الربط بين مصيري هاتين القضيتين الكبيرتين – الحصانة ضد الاتهامات وضم الضفة الغربية ـ إذ يمكن أن يقايض نتنياهو الضم مقابل الحصانة: أي أي يقدم ضمانات للأحزاب اليمينية المتطرفة بحدوث الضم إذا صوتوا لتمرير مشروع قانون الحصانة.

وإذا حدث ذلك، قد تكون كارثة مزدوجة لإسرائيل: إذ لن يحصن رئيس الوزراء نفسه من مواجهة العدالة في المستقبل القريب ويقوض مبدأ أساسيًا من مبادئ المساءلة الديمقراطية فحسب، بل سيتجه أيضًا إلى تحويل ما يُفترض أنه احتلال مؤقت للأراضي الفلسطينية إلى استيلاء دائم.

وستكون هذه خطوة تجاه الاستبداد والفصل العنصري. ولم يتضح بعد ما إذا كان هذا السيناريو الكارثي سيحدث أم لا. لكن فوز نتنياهو يعني أن التهديد الذي تواجهه الديمقراطية الإسرائيلية والحرية الفلسطينية أصبح أكبر من أي وقت مضى.

«يعاملوننا كالكلاب».. كيف «تبيع» إسرائيل عملاءها بعد انتهاء أدوارهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد