تل أبيب ما تزال تشعر بالقلق الشديد حيال محاولة أحد خصومها توجيه ضربة استباقية أولى في يوم ما، من شأنها تدمير صواريخها النووية، وطائراتها على الأرض قبل أن تتمكن من رد الهجوم.

لم تعترف إسرائيل رسميًا بامتلاكها لأسلحة نووية على الإطلاق، وحسب التقرير الذي نشرته مجلة «ذا ناشيونال إنترست» فإن تل أبيب لا تتوانى عن التلويح غير المباشر بترسانتها النووية حال إقدام أي دولة «معادية» على توجيه ضربة عسكرية تشكل تهديدًا وجوديًا عليها. يقول «سباستيان روبن»، كاتب التقرير، إن حجم الترسانة النووية لتل أبيب حسب بعض التقديرات يتراوح بين 80 إلى 300 سلاح نووي، بينما يتخطى الرقم الأخير حجم الترسانة النووية للصين.

ووفقًا للتقرير، فإن القدرة النووية لإسرائيل في حقيقة الأمر تعتمد على القنابل النووية المحمولة جوًا، وصواريخ أريحا البالستية، على سبيل المثال، عندما هاجم الجيشان المصري والسوري إسرائيل يوم 6 أكتوبر (تشرين أول) عام 1973، جُهز سرب مكون من ثمان طائرات إسرائيلية من طراز إف-4 محملة بقنابل نووية، ووضعت قيد الاستعداد بأمر «جولدا مائير» رئيسة الوزراء آنذاك، استعدادًا لشن غارة بالقنابل النووية على القاهرة ودمشق، وهو ما كان كفيلًا بإنهاء الأمر لصالحها في مواجهة الجيوش العربية.

استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي الغواصة الألمانية الصنع في القاعدة البحرية الإسرائيلية بمدينة حيفا

يقول الكاتب إنه على الرغم من أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية في الشرق الأوسط، فإن تل أبيب ما تزال تشعر بالقلق الشديد حيال محاولة أحد خصومها توجيه ضربة استباقية أولى في يوم ما، من شأنها تدمير صواريخها النووية، وطائراتها على الأرض قبل أن تتمكن تل أبيب من رد الهجوم، جدير بالذكر أن الدولتين الوحيدتين المعاديتين اللتين من المحتمل أن تمتلكا قدرة نووية مشابهة في الوقت الراهن، هما إيران وسوريا.

ولإحباط استراتيجية كتلك، يذكر الكاتب أن إسرائيل استهدفت بعدوانية برامج الصواريخ والتكنولوجيا النووية في كل من العراق، وسوريا، وإيران بغارات جوية، وحملات تخريبية، فضلًا عن الاغتيالات. ومع ذلك لم تكتف بهذا القدر، إذ طورت من قدرات الضربة الثانية لديها، وهي سلاح قادر على البقاء، يستطيع توجيه ضربة نووية انتقامية، بغض النظر عن مدى تأثير الضربة الأولى من الأعداء.

يوضح التقرير أن معظم القوى النووية هي غواصات نووية تحمل صواريخ بالستية، والتي تستطيع قضاء أشهر متخفية في أعماق البحار، وتستطيع إطلاق صواريخ بالستية عابرة للمحيطات في أي لحظة، ملحقةً تدميرًا شاملًا لمراكز العدو الرئيسية. وبسبب فرصة العثور على هذه الغواصات الضئيلة قبل إطلاقها للنار، فهي تمثل عامل ردع قويًّا لمجرد التفكير في توجيه الضربة الأولى.

إلا أن الكاتب استدرك قائلًا إن الغواصات النووية، والصواريخ البالستية المنطلقة من الغواصات تُعد باهظة التكلفة بالنسبة لبلد يبلغ تعداد سكانها عدد سكان ولاية نيوجرسي، لذا، توصلت إسرائيل إلى بديل أقل تكلفة وفي متناول يدها.

اعتذار برلين غير التقليدي

يذكر التقرير أن خلال حرب الخليج عام 1991، تبين أن الشركات الألمانية والعلماء الألمان قد لعبوا دورًا في توزيع تكنولوجيا الصواريخ البالستية والأسلحة الكيميائية على العديد من الحكومات العربية، وهي التكنولوجيا التي ساعدت صدام حسين في قصف إسرائيل بصواريخ سكود، ويشير التقرير إلى أنه بلا شك كانت تلك مرحلة طويلة ومؤلمة، ففي بدايات ستينيات القرن الماضي، نفذ عملاء إسرائيليون محاولات اغتيال، واختطاف، وتفجير استهدفت علماء الأسلحة الألمان الذين يعملون لصالح البلدان العربية.

غواصة HDW الألمانية طراز دولفين -إسرائيل

وضع المستشار الألماني «هيلموت كول» خطة آنذاك لتعويض إسرائيل عن الأضرار التي لحقت بها، في الوقت الذي كان يعاني فيه قطاع صناعة السفن الألماني من الركود نتيجة تقليص الصناعات الدفاعية في أعقاب الحرب الباردة، إذ بدأت شركة بناء السفن الألمانية HDW إنتاج غواصات كهربائية تعمل بالديزل من طراز 209 خلال سبعينيات القرن الماضي من أجل التصدير، وذلك في الوقت الذي بلغ فيه عدد الغواصات العاملة حول العالم من هذا النوع قرابة 60 غواصة. جدير بالذكر أن أحد الغواصات من طراز 209، والمعروفة باسم «سان لويس»، استطاعت نصب كمين لسفن البحرية الملكية مرتين خلال حرب الفوكلاند، وعلى الرغم من ذلك، لم تتمكن من إغراق أية سفينة بسبب الطوربيدات المعيبة.

عرض «كول» تقديم الدعم الكامل لبناء غواصتين كبيرتين من طراز 209، من فئة دولفين، فضلًا عن توفير 50% من تكلفة غواصة ثالثة عام 1994. يبلغ وزن الغواصة دولفين 1900 طن عند إنزالها إلى المياه، بينما بلغ طولها 57 مترًا، ويديرها طاقم مكون من 35 رجلًا، ويُعتقد أنها تستطيع حمل 10 جنود آخرين من القوات الخاصة. دخلت تلك الغواصات الخدمة بين عامي 1999 و2000، تحت أسماء «INS دولفين»، و«ليفياثان»، و«تيكوما» -تعني النهضة.

جُهزت غواصات دولفين بستة أنابيب عادية لإطلاق طوربيدات عيار 533 ملليمتر من طراز DM2A4 ثقيلة الوزن الموجهة بالألياف البصرية، وصواريخ هاربون المضادة للسفن، فضلًا عن أربع أنابيب كبيرة الحجم، مقاس 650 ملليمتر، والتي تُعد نادرةً في الغواصات الحديثة. يمكن استخدام تلك الأنابيب في نشر قوات الكوماندوز البحرية لأداء مهام الاستطلاع والعمليات الخاصة، والتي لعبت دورًا رئيسيًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية تحت سطح البحر.

يشير الكاتب إلى أنه بغض النظر عن ذلك، فإن الحجم الزائد لأنابيب الطوربيدات شكَّل فائدةً وظيفية إضافية، إذ يمكن أن تتسع بشكل خاص للصواريخ (كروز) الانسيابية كبيرة الحجم التي تُطلق من الغواصات SLCM؛ وهي صواريخ كبيرة بما يكفي لحمل رأس نووي. وبينما ينطلق الصاروخ البالستي إلى الفضاء بسرعة تفوق سرعة الصوت عدة مرات، تطير الصواريخ الانسيابية بشكل أبطأ بكثير، وعلى ارتفاع منخفض من سطح الأرض.

رفضت الولايات المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي تزويد إسرائيل بصواريخ توماهوك الانسيابية التي تُطلق من الغواصات بسبب قواعد نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ، والتي تمنع نقل الصواريخ الانسيابية إلى مدى أبعد من 300 ميل.

الغواصة الإسرائيلية طراز Dolphin class

عوضًا عن ذلك، مضت تل أبيب قدمًا وطورت صواريخها؛ إذ رصدت رادارات البحرية الأمريكية عام 2000 تجارب إطلاق صواريخ إسرائيلية انسيابية من غواصات في المحيط الهندي، أصابت هدفًا على بعد 930 ميلًا. وثمة اعتقاد عام أن السلاح المرصود هو «بوباي توربو»، وهو صاروخ انسيابي معدل يُطلق من الجو سرعته أقل من سرعة الصوت، يستطيع حمل رأس نووي تصل قوته التدميرية إلى 200 كيلو طن. إلا أن خصائص الصواريخ الانسيابية التي تُطلق من الغواصات مُحاطة بسرية تامة، وتشير بعض المصادر إلى استخدام نوع مختلف تمامًا من الصواريخ. يقول الكاتب إن هناك احتمالًا بأن غواصات الدولفين الإسرائيلية وجهت ضربة لميناء اللاذقية السوري بصاروخ انسيابي تقليدي عام 2013، بسبب أنباء عن شحنة صواريخ P-800 الروسية المضادة للسفن.

يضيف الكاتب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» اشترى ثلاث غواصات ألمانية أخرى، مما أثار جدلًا كبيرًا، إذ شعر كثيرون بعدم وجود حاجة ماسة لهذه الغواصات الإضافية. نشرت مجلة ديرشبيجل الألمانية عام 2012 تقريرًا يوضح كيف كان المهندسون الألمان على درايةٍ تامة بالدور المعد سلفًا لغواصات دولفين 2، باعتبارها نظام إطلاق أسلحة نووية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا في الأوساط العامة، إذ من المفترض أن تكون المستشارة الألمانية «ميركل» قد وافقت على الصفقة مقابل وعود من «نتنياهو» بتبني سياسة أكثر تصالحية مع الفلسطينيين، وهي وعود لم تتحقق بعد. وعلى الرغم من ذلك، استلمت إسرائيل غواصتين دولفين 2، هما راهاف (نبتون)، وتانين (التمساح)، بالإضافة إلى داكار، والمتوقع تسليمها عام 2018 أو عام 2019.

يرتكز نموذج الغواصة دولفين 2 البالغ وزنها 2400 طن، على التكنولوجيا الحديثة المُستخدمة في الغواصة طراز 212، والتي تتميز بتكنولوجيا الدفع الهوائي المستقل AIP، وتسير بسرعة أكبر بـ25 عقدة. بينما تعتمد الغواصات التي تعمل بالديزل على مولدات استهلاك الهواء الصاخبة، والتي تتطلب أن تسير الغواصة على سطح المياه، علاوة على اعتمادها على أنابيب الهواء تحت الماء بشكل منتظم، أما الغواصات التي تسير بتكنولوجيا الدفع الهوائي المستقل، تستطيع الإبحار تحت سطح الماء في هدوء تام، وبسرعة منخفضة لمدة أسابيع في المرة الواحدة.

يؤكد الكاتب أن ما سبق لا يعني أنها منصات خفية متحكمة في البحار، لكنها أكثر كفاءة بالنسبة لدوريات الردع النووي طويل الأمد. في الوقت الراهن، تُعد الغواصة كينغ كلاس طراز 32 الصينية التي تعمل بتكنولوجيا الدفع الهوائي المستقل، الغواصة الوحيدة من هذا النوع التي ما تزال في الخدمة، وتحمل صواريخ بالستية.

طريق لا يخلو من العقبات

وعلى الرغم من ذلك، يشير «روبرت فارلي»، الكاتب في مجلة «ذا ناشيونال إنترست»، إلى أن هناك عوائق جغرافية تُضعف من عملية الردع النووي الإسرائيلي البحري. ففي الوقت الراهن، ليس هناك سوى هدف واحد متمثل في إيران؛ تلك الدولة التي تقع على بعد عدة مئات من الأميال من إسرائيل.

وبينما تقع إيران بالكاد ضمن النطاق الـ930 ميلًا المفترض للصواريخ التي تحملها الغواصة الإسرائيلية المتواجدة في قاعدتها البحرية بمدينة حيفا على ضفاف المتوسط، ستضطر الصواريخ قضاء ما يربو عن الساعة محلقةً في الجو فوق سوريا والعراق، مما يشكل خطرًا ملاحيًا ووجوديًا.

الغواصة الإسرائيلية طراز AIP Dolphin 2 

ثمة مكان أقرب للهجوم عبر الخليج الفارسي، لكنه يتطلب إما نقل الغواصات عبر قناة السويس (التي تتحكم فيها مصر)، أو الالتفاف حول القارة الأفريقية (وهو ما يفوق قدرات الغواصات من طراز دولفين)، أو تمركز بعضها في القاعدة البحرية بميناء إيلات، المطل على خليج العقبة جنوبي إسرائيل، وتحيط به كل من مصر والأردن، والمملكة العربية السعودية. بوجيز العبارة، يتطلب إرسال غواصات إسرائيلية إلى الخاصرة الجنوبية لإيران درجةً من التنسيق والدعم اللوجستي من دول شرق أوسطية أخرى، غير مُتوقع لها التورط في أي سيناريو أزمة مرتقب.

يختتم الكاتب تقريره مشيرًا إلى أن «فارلي» ربما يكون محقًا في سرديته القائلة بأن القدرة النووية الإسرائيلية للصواريخ الانسيابية التي تُطلق من الغواصات، أقل عمليةً من منصات تل أبيب النووية الأخرى. إلا أنه في الوقت الراهن، لا تواجه إسرائيل أي خصم يمتلك قدرات نووية يتوجب ردعه. وعلى الرغم من ذلك، وعلى غرار فكرة القدرة على توجيه ضربة ثانية بشكل عام، فإن التهديد الذي تلوح به الأسلحة النووية المنطلقة من البحر، يُعد سلاحًا ذا مغزى سياسي أكثر منه سلاحًا يحمل تهديدًا عسكريًّا فعَّالًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد