يبدو نتنياهو متماسكًا وقويًّا، بينما يتساقط أعضاء حكومته الأخيرة من حوله واحدًا تلو الآخر. إلا أن المجتمع الإسرائيلي يشهد تغيرات جوهرية تُشير إلى أن الناخبين أصبحوا أكثر استقطابًا من ذي قبل.

نشر موقع «ميدل إيست آي» الإخباري تقريرًا للصحافي الإسرائيلي، ميرون رابوبورت، تناول فيه الأجواء التي تخيم على الانتخابات الإسرائيلية المُزمع إجراؤها خلال النصف الأول من العام القادم.

وفي مستهل تقريره، يقول الكاتب إنه خلال النصف الأول من عام 2021، وفي المدة من شهر مارس (آذار) حتى يونيو (حزيران)، ستصبح إسرائيل أول دولة «ديمقراطية» في التاريخ تضطر إلى إجراء رابع انتخابات وطنية في غضون عامين. ولو أخذنا إيطاليا مثالًا، وهي الدولة الشهيرة بعدم الاستقرار السياسي، سنجد أنها شهدت 66 حكومة مختلفة منذ الحرب العالمية الثانية: لكن لم يشارك مواطنوها في صناديق الاقتراع سوى 19 مرة خلال تلك العقود السبعة أو أكثر. وكانت أقصر مدة زمنية تشمل أربع انتخابات متتالية في إيطاليا هي تسع سنوات.

شاهدٌ على الأزمة الحادة

وفي الإطار نفسه، كانت جمهورية فايمار الألمانية (الجمهورية التي نشأت في ألمانيا في المدة من 1919 إلى 1933 نتيجةً لخسارة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى) على مقربة من تسجيل مدة مطابقة لتلك المدة التي حققتها إسرائيل بإجراء ثلاث انتخابات في غضون عامين وشهرين؛ من سبتمبر (أيلول) 1930 حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 1932. وكانت الجولة التالية من الانتخابات قد عُقِدت عندما توقفت ألمانيا عن الالتزام بالديمقراطية وتحوَّلت إلى ديكتاتورية نازية.

Embed from Getty Images

وأوضح الكاتب أن إعادة الانتخابات الإسرائيلية على نحو متكرر تُعد شاهدًا على الأزمة السياسية العميقة التي تعاني منها إسرائيل. إذ لم يتمكن نتنياهو وحلفاؤه في كل هذه الانتخابات الثلاثة التي أُجريت مؤخرًا (أبريل (نيسان) 2019 وسبتمبر (أيلول) 2019 ومارس (آذار) 2020) من الحصول على عدد المقاعد اللازم في البرلمان لتشكيل الحكومة وهي 61 مقعدًا (إذ حصل على 60 مقعدًا في الانتخابات الأولى، و55 في الثانية، و58 في الثالثة).

بيد أن أحزاب المعارضة لم تتمكن أيضًا من تشكيل ائتلاف بديل، بسبب فشل بعضها، وربما معظمها في تقبُّل المفهوم الأساسي البديهي القائل بأن صوت المواطن الفلسطيني يُساوي صوت المواطن اليهودي. وقد حكم هذا التصور العنصري الخاطئ الأساسي حول شرعية صوت الناخب بالفشل على أي محاولة لتشكيل حكومة تعتمد على المقاعد الخمسة عشر التي يكونها نواب القائمة المشتركة (تحالف سياسي للأحزاب السياسية ذات الأغلبية العربية في إسرائيل) والتي تُمثل المواطنين الفلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي.

رومانسية مزيفة

وذكر الكاتب أنه بعد انتخابات مارس 2020، شُكِّل ما يُسمى بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة نتنياهو، بالاشتراك مع منافسه بيني جانتس، رئيس حزب «أزرق أبيض»، والذي كان من المفترض أن يحل محل نتنياهو بصفته رئيسًا للوزراء بعد 18 شهرًا. وبدا هذا الأمر إجراءً منطقيًّا وقتئذ، بالنظر إلى الجمود السياسي الذي يسود الأجواء في إسرائيل من جهة، وبسبب الطوارئ التي تعم أرجاء البلاد من جراء تفشي جائحة كوفيد-19 من جهة أخرى. 

ومنذ اليوم الأول، باءت هذه المحاولة بالفشل. إذ رفضت قطاعات واسعة مع المعسكر الذي يمتد «من اليسار إلى اليمين» قبول نتنياهو، المتَّهم بسلسلة من الاتِّهامات، رئيسًا شرعيًّا للوزراء. وأدَّى ذلك إلى اندلاع موجة تسونامي من الاحتجاجات الجماهيرية الأسبوعية التي استمرت قرابة خمسة أشهر وما تزال مستمرة حتى الآن، وهو رقم قياسي تاريخي آخر في الديمقراطية الإسرائيلية.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 9 شهور
مترجم: كيف أصبح «اللون الوردي» لون المعارضة ضد نتنياهو؟

في الوقت نفسه، دأب نتنياهو على الإعلان في كل مناسبة أنه ليس لديه أي نية على الإطلاق لتحقيق إنجاز شخصي من وراء الصفقة (الحكومة الائتلافية)، وأنه مستعد لترك منصب رئيس الحكومة لجانتس كما اتُّفِق على ذلك في الأساس. وقد انهارت الاتفاقية بالكامل هذا الأسبوع بعد انضمام جانتس يوم الأربعاء الماضي إلى الدعوات المطالبة بحل البرلمان.

ويرى الكاتب أن السياسة الإسرائيلية أثبتت من جديد أنه ليس هناك ثمة فرصة للاتفاق على أي شيء في ظل الظروف الحالية: فلا اتفاق على كيفية إدارة أزمة فيروس كورونا المستجد، ولا توافق على اعتماد الميزانية (آخر ميزانية اعتمدت كانت في عام 2018)، فضلًا عن عدم الاتفاق على تحديد اسم المدِّعي العام، أو مفوض الشرطة، أو مدير عام وزارة المالية، أو قائمة طويلة من المناصب العليا الأخرى التي تنتظر مَنْ يشغلها. وفقد المجتمع الإسرائيلي القدرة على إجراء أي حوار بين مختلف أطيافه.

تطبيع الاحتلال

ويستدرك الكاتب قائلًا: إلا أن هذا المأزق لا يعني أن إسرائيل توقَّفت عن احتلال الأراضي الفلسطينية، بل إن المواقف التي اتَّخذتها المؤسسة السياسية الإسرائيلية حيال الأراضي الفلسطينية المحتلة تحرَّكت بدرجة كبيرة نحو اليمين المتطرف خلال العامين الماضيين. 

Embed from Getty Images

وفي نهاية المطاف، لم تُنفَّذ «صفقة القرن» أحادية الجانب التي أطلقها الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، لكي تعالج مشكلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلى جانب تأجيل مخططات ضم أجزاء من أراضي الضفة الغربية المحتلة رسميًّا بسبب اتفاقيات التطبيع الإسرائيلية مع الإمارات والبحرين. ومع كل ذلك، سيستمر تأثير صفقة ترامب التي لم تُنفَّذ لبعض الوقت.

وأشار الكاتب إلى أنه باستثناء عضوين من حزب ميرتس اليساري والقائمة المشتركة المكونة من 15 نائبًا في الكنيست الإسرائيلي، أيَّد أكثر من 100 نائب من أقصى اليمين إلى اليسار المعتدل خطة ترامب، التي تضمَّنت ضم جميع المستوطنات الإسرائيلية. وأصبحت خطوة ضم المستوطنات، التي اكتنفها كثيرٌ من الجدل حتى بين الرأي العام اليهودي في إسرائيل، متفقًا عليها اتفاقًا شبه كامل.

وبالإضافة إلى ذلك، حظيت اتفاقيات التطبيع مع دول الخليج، التي تجنبت ذكر «دولة فلسطينية» أو الإشارة إلى إنهاء الاحتلال إذا ما استثنينا القائمة المشتركة، بتأييد جميع الأحزاب اليهودية في الكنيست، سواء ذات التوجه اليميني أو اليساري. 

واستطرد الكاتب قائلًا: تبدو النتائج واضحة للعيان على أرض الواقع. إذ وافقت الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، التابعة لوزارة الدفاع برئاسة جانتس، وهو زعيم يسار الوسط ظاهريًّا، في أكتوبر (تشرين الأول) على بناء 5400 وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية. وقبل حوالي أسبوعين، مُنِحت الموافقة على بناء 1200 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة جفعات همتوس في القدس الشرقية، وهو ما يعني إنهاء الفصل المادي المتعمد بين بيت لحم والأحياء الفلسطينية في الجزء المحتل من المدينة.

فرق تسد

وأبرز الكاتب أن نتنياهو نجح، على الصعيد السياسي، في تفتيت المعسكر المعارض له. إذ تفكك حزب أزرق أبيض، الذي نجح في الحصول على أكثر من 30 مقعدًا في جميع الجولات الثلاثة الأخيرة من الانتخابات وحال دون استمرار نتنياهو في إدارة الحكومة، فور انضمامه إلى الحكومة الحالية التي يقودها اليمين.

ولم يتمكن المعسكر المناهض لنتنياهو من توفير قيادة بديلة. وفي أحدث استطلاعات الرأي، تقلصت مقاعد الأحزاب المُعارِضة لرئيس الوزراء من إجمالي 62 مقعدًا في انتخابات مارس 2020 إلى 55 مقعدًا متوقعًا، بل إلى 53 مقعدًا في بعض استطلاعات الرأي لدى إجراء الانتخابات في الجولة القادمة.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الراهن، يظهر كلٌ من حزب الليكود بزعامة نتنياهو، بالإضافة إلى اليمين المتطرف الصاعد في استطلاعات الرأي بزعامة نفتالي بينيت (رئيس حزب البيت اليهودي)، إلى جانب الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة، بوصفهم مرشحين أكفاء للفوز بأغلبية غير مسبوقة في الانتخابات المقبلة.

وألمح الكاتب إلى أن نتنياهو نجح أيضًا في تدمير القائمة المشتركة. إذ تمكَّن، خلال الأسابيع الأخيرة، من تشكيل تحالف مع منصور عباس، الذي يرأس حزب الحركة الإسلامية، الذي يمتلك أربعة مقاعد من 15 مقعدًا في القائمة المشتركة. وفي مقابل وعود ضبابية بزيادة ميزانيات المجتمع العربي لمحاربة العنف المستشري على نحو متزايد في المدن التي يقطنها الفلسطينيون في إسرائيل (قرابة 100 جريمة قتل منذ بداية عام 2020، وهو أعلى مستوى تصل إليه الجريمة على الإطلاق)، أعلن عباس أنه «غير ملتزم بشيء سواء تجاه اليمين أو اليسار».

وامتنع أربعة نواب من حزب الحركة الإسلامية عن المشاركة في التصويت التمهيدي لحل الكنيست يوم الأربعاء على الرغم من تصويت باقي أعضاء القائمة المشتركة بالفعل لصالح إجراء انتخابات جديدة.

التعامل مع الفلسطينيين

بيد أن هذه مجرد صورة جزئية – بحسب الكاتب – ففي مارس 2020، أصبح جانتس أول زعيم يهودي ينتمي لـ«يسار الوسط» يتوصل، منذ عهد إسحاق رابين في عام 1992، إلى اتفاق مع ممثلي الأقلية الفلسطينية في إسرائيل بشأن تشكيل حكومة تعتمد على أصواتهم. إلا أن هذه الخطوة أفسدتها معارضة بعض أعضاء الكنيست من داخل حزب جانتس لتشكيل حكومة تعتمد على أصوات «مناصري الإرهاب»، وهو المصطلح العنصري الذي يستخدمه اليمين الإسرائيلي علنًا للإشارة إلى أعضاء الكنيست من ذوي الأصول الفلسطينية.

ويبدو جليًّا أن هذا السيناريو لن يتكرر حاليًا؛ إذ لا يُتوقَّع أن يترشح النواب الذين أحبطوا محاولة تشكيل حكومة تعتمد على القائمة المشتركة مرةً أخرى في صفوف يسار الوسط وعلى قوائمه. كما أن الترتيبات الجارية بالفعل في يسار الوسط حاليًا (الذي يرأسه رئيس بلدية تل أبيب رون هولداي وآخرون) ملتزمة بتشكيل حكومة بالتعاون مع الجمهور الفلسطيني.

Embed from Getty Images

ولفت الكاتب إلى أن أحزاب الوسط المُعارِضة سابقًا، مثل حزب «يش عتيد» بزعامة يائير لبيد وحتى حزب «إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيجدور ليبرمان الذي اعتمد تشكيل شخصيته السياسية على التصريحات العنصرية ضد الفلسطينيين، تُعرب عن دعمها الصريح لتشكيل حكومة تعتمد على أصوات القائمة المشتركة.

وعند هذه النقطة، يتضح أنه يمكن الافتراض أنه إذا فازت الأحزاب المناهضة لنتنياهو بـ61 مقعدًا في الانتخابات المقبلة، فلن يكون هناك ما يمنع من تشكيل حكومة بمشاركة القائمة المشتركة، سواء من خلال دعمها من داخل الإدارة أو من خارجها.

ونظرًا إلى أن نتنياهو نفسه ينظر حاليًا في إمكانية التعاون مع حزب الحركة الإسلامية، فسيواجه صعوبة في وصف هؤلاء الذين يُخططون للجلوس مع القائمة المشتركة بأنهم خونة. وباختصار، اكتسبت الأحزاب الممثلة للشعب الفلسطيني في إسرائيل شرعية شبه كاملة للمرة الأولى منذ عام 1992 وربما للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل.

عصيانٌ مدني

أما في ميدان الحياة العامة، ربما نشهد تغييرًا أكبر من ذلك بكثير. إذ بدأت موجة الاحتجاجات المعروفة باسم «احتجاجات بلفور» على اعتبار أنها مظاهرات ضد فساد نتنياهو المزعوم. لكن الاحتجاجات، رويدًا رويدًا، اتسع نطاقها، سواء من حيث عدد المشاركين وبصورة أساسية من حيث تنوع القضايا التي أُثيرت فيها. وإذا حاولنا تلخيص مطالب المجموعات المختلفة المشاركة في هذه الاحتجاجات في كلمة واحدة، فستكون «الديمقراطية» هي ما يريدون.

منطقة الشرق

منذ 11 شهر
«الجارديان»: لماذا تتسع دائرة غضب الإسرائيليين على نتنياهو؟

وبالنظر إلى طبيعة الاحتجاجات اللامركزية وغير الهرمية، لم تلتزم هذه المجموعات المتظاهرة بوضع تعريف دقيق لما يقصدونه بـ«الديمقراطية»، لكنها من دون شك تُعد معارضة لشرعية حكم نتنياهو وربما أحقيته في الحكم بوجه عام.

ووصف الكاتب استعداد آلاف المتظاهرين لمواجهة الشرطة الإسرائيلية، بل استعدادهم للاعتقال، بأنها ظاهرة جديدة. وفي مراحل معينة من الاحتجاجات، ظهر يسار الوسط اليهودي، الذي كان دائمًا محافظًا جدًّا وكان يرى نفسه جزءًا من المؤسسة الإسرائيلية، وكأنه بدأ يتلاعب بفكرة العصيان المدني من أجل مناهضة حكم اليمين.

وفي هذا السياق، استوعبت الاحتجاجات أيضًا الوجود البارز لمجموعة تُطلق على نفسها اسم «غوش نيجيد كيبوش» (كتلة ضد الاحتلال)، إلى جانب رفع شعارات مثل «الديمقراطية للجميع بين النهر والبحر»، على اعتبار أنه أمر طبيعي تقريبًا في المظاهرات، على الرغم من أن الغالبية العظمى من المتظاهرين كانوا من اليهود.

اتجاهات متناقضة!

واستوعبت الاحتجاجات تلك الأصوات المرتفعة المناهضة لعنف الشرطة الإسرائيلية والمُندِّدة بقتل الشاب الفلسطيني إياد الحلاق على يد الشرطة في البلدة القديمة بالقدس، فضلًا عن الترحيب بنواب القائمة المشتركة الذين شاركوا في هذه الاحتجاجات.

ونوَّه الكاتب إلى أن الموعد النهائي لإجراء الانتخابات الجديدة لم يُحدد بعد، لكن من الصعب التصديق بأنه يمكن تجنُّب إجرائها لا سيما بعد تصويت الأربعاء في الكنيست الإسرائيلي. لكن الكاتب رجَّح إجراء الانتخابات في مارس 2021 أو ربما يُتَّفق على تأجيلها إلى مايو (أيار) أو حتى يونيو القادم.

Embed from Getty Images

وكما لوحظ، تتوقع استطلاعات الرأي في الوقت الحاضر تحقيق أحزاب اليمين الفوز في هذه الانتخابات ولديها بالتأكيد فرصة معقولة لتحقيق الفوز على خصومها. لكن حتى لو حدث ذلك، ولا بد من القول إنه ما يزال هناك كثير من الوقت حتى إجراء الانتخابات ويمكن للأمور أن تتغير، فلن يستطيع انتصارٌ من هذا النوع، على ما يبدو، رأب الصدع الظاهر بوضوح داخل المجتمع الإسرائيلي.

واختتم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن دولة إسرائيل لا تتوقف في الوقت الراهن عن احتلال الأراضي، وتعاني في الوقت نفسه من الانقسامات على الدوام. ومن المبكر جدًّا معرفة إلى أين ربما تأخذنا هذه الاتجاهات المتناقضة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد