تُطالب منظمة «هيومن رايتس ووتش» المحكمة الجنائية الدولية بضرورة إجراء تحقيق بشأن ممارسة إسرائيل لسياسات «التمييز العنصري الممنهج» ضد الفلسطينيين.

نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا أعدَّه أوليفر هولمز، مراسل الصحيفة في القدس، سلَّط فيه الضوء على التقرير الصادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، والذي خلُص إلى أن إسرائيل ترتكب جريمة الفصل العنصري بحق الفلسطينيين، وتتبنى نظامًا تمييزيًّا متأصلًا يعامل الفلسطينيين معاملة غير متكافئة، ويحرمهم من حقوقهم الأساسية بصورة ممنهجة.

تجاوز الحد الأقصى للسيطرة

في مستهل التقرير أشار المراسل إلى أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية، والتي تتخذ من مدينة نيويورك الأمريكية مقرًا لها، اتَّهمت السلطات الإسرائيلية بارتكاب جرائم الفصل العنصري (الأبارتايد) والاضطهاد بحق الفلسطينيين، وادَّعت المنظمة الحقوقية أن الحكومة الإسرائيلية تُنفِّذ سياسات شاملة «للإبقاء على هيمنة الإسرائيليين اليهود على الفلسطينيين».

ويُوضِّح المراسل أن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، التي أصدرت تقريرها يوم الثلاثاء، أصبحت أول منظمة حقوقية دولية كبرى تُوجِّه مثل هذه الادِّعاءات ضد النظام الإسرائيلي. وقالت المنظمة الحقوقية: إنه بعد عقود من توجيه التحذيرات من أن فرض سيطرة شديدة على حياة الفلسطينيين يُمكن أن يرقى إلى جريمة الفصل العنصري، ووجدت المنظمة أن إسرائيل قد جاوزت المدى في السيطرة الشاملة على حياة الفلسطينيين.

Embed from Getty Images

واستشهد التقرير بما قاله عمر شاكر، مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش» في إسرائيل وفلسطين: إن «ما توصلت إليه المنظمة يُعد بمثابة أقوى اكتشاف بشأن التصرفات الإسرائيلية خلال الثلاثين عامًا الماضية، التي وثَّقنا فيها الانتهاكات على الأرض هناك». وأوضح شاكر أن منظمته لم تُوجِّه في السابق أي اتهامات مباشرة لمسؤولين إسرائيليين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

إسرائيل تنفي

وأوضح التقرير أنه ردًا على هذه التصريحات، اتَّهمت وزارة الخارجية الإسرائيلية منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأنها تتبنى «منذ وقت طويل أجندة معادية لإسرائيل»، ووصفت الوزارة الإسرائيلية التقرير بأنه «منشور دعائي لا يَمُت إلى الحقائق أو الواقع على الأرض بأي صِلة». وأضافت الوزارة أن «هذه الادِّعاءات الخيالية التي لفَّقتها منظمة (هيومن رايتس ووتش) غير معقولة ومزيفة».

وأوضح المراسل أن تقرير المنظمة الحقوقية استند إلى سنوات من التوثيق لانتهاكات حقوق الإنسان، والتحليل للقوانين الإسرائيلية، والمراجعة لمستندات التخطيط الحكومية، والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين. 

امتيازات للإسرائيليين مقابل الفلسطينيين

ولفت التقرير إلى أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» وازَنَت بين السياسات والممارسات التي تتبناها إسرائيل تجاه ما يقرب من 7 ملايين فلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل، وتلك السياسات التي تُمارَس تجاه العدد نفسه تقريبًا من الإسرائيليين اليهود الذين يعيشون في المناطق نفسها.

وخلُصت المنظمة الحقوقية إلى أن هناك ثمة «واقعًا في الوقت الحالي لسلطة واحدة، وهي سلطة الحكومة الإسرائيلية… وتمنح هذه السلطة امتيازًا ممنهجًا لليهود الإسرائيليين، بينما تمارِس القمع بحق الفلسطينيين، بشكله الأشد والأشرس في الأراضي المحتلة». 

Embed from Getty Images

وألمح التقرير إلى أن مصطلح «الأبارتايد» أو الفصل العنصري استخدم للمرة الأولى لوصف سياسات الفصل العنصري التي كانت ترتكبها جنوب أفريقيا ضد المواطنين من غير ذوي البشرة البيضاء، وهي ممارسات تُعد جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.

ما هو الفصل العنصري في القانون؟

وأضاف التقرير أنه بموجب نظام روما الأساسي المعتمد في عام 1998، والذي أنشأ «المحكمة الجنائية الدولية (ICC)»، يُعرَّف نظام الفصل العنصري بأنه «نظام مؤسسي قوامه القمع المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب مجموعة عِرقية واحدة على أي مجموعة أخرى، والتي تُرتَكب بنية الإبقاء على ذلك النظام». ويُعرَّف الاضطهاد، وهو أيضًا جريمة ضد الإنسانية، بأنه «الحرمان المتعمد والشديد من الحقوق الأساسية لمجموعة من الناس على أسس عِرقية».

ونوَّهت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها إلى أن السلطات الإسرائيلية، في الداخل الإسرائيلي – حيث يُشكل الفلسطينيون حوالي خمس السكان البالغ عددهم 9 ملايين – وفي الأراضي المحتلة، سَعَت إلى تحقيق أهداف الهيمنة الديمجرافية بزيادة الأراضي المتاحة للمجتمعات اليهودية، وحَصْر معظم الفلسطينيين في مراكز سكانية مكتظة.

خطر ديموجرافي

وأوضحت المنظمة أن «السلطات الإسرائيلية تبنت سياسات لكبح جماح ما وصفته علانية بأنه تهديد ديموجرافي داخلي من الفلسطينيين، في إشارة إلى المخاوف التي أعرب عنها السياسيون الإسرائيليون من أن تمكُّن السكان الفلسطينيين من أن يكونوا أغلبية سيُعرِّض الدولة اليهودية للخطر. وفي القدس، على سبيل المثال، تضع الحكومة خطة للبلديات… بهدف الإبقاء على أغلبية يهودية قوية في المدينة، بل تحدد النِّسَب الديموجرافية التي تأمل الحكومة الإسرائيلية في الحفاظ عليها».

Embed from Getty Images

وأكد تقرير المنظمة الحقوقية على أن السلطات الإسرائيلية: «تمارس التمييز بصورة منهجية ضد الفلسطينيين». وقالت المنظمة: إن هذه الممارسات كانت أكثر تطرفًا في الأراضي المحتلة، وتشمل الضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967. ويعيش الآن مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين هناك بوصفهم مواطنين، بينما لا يُعامَل حوالي 2.7 مليون فلسطيني، الذي يعيشون تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي، على أنهم مواطنون.

وفي السياق ذاته قال كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»: إن «الأمر لم يقف عند حد الاحتلال المُهين. إذ إن هذه السياسات، التي تمنح اليهود الإسرائيليين الحقوق والامتيازات نفسها بغض النظر عن أي منطقة يعيشون فيها، وتمارس التمييز ضد الفلسطينيين وتقمَعَهم بدرجات متفاوتة في مختلف جوانب الحياة، تمنح أحد الشعوب امتيازًا على حساب الشعب الآخر».

الضفة الغربية وغزة الأسوأ حالًا

وأبرز المراسل أنه عندما أُثيرت في السابق ادِّعاءات مماثلة ضد السلطات الإسرائيلية، اتَّخذت إسرائيل إجراءات مُسيئة من نوع خاص ردًا على الادِّعاء بأنها تمارِس التمييز العنصري ضد المواطنين الفلسطينيين في الدولة، وهم المعروفون أيضًا باسم عرب إسرائيل. ولجأت إسرائيل للاستشهاد بقوانينها للمساواة في الحقوق وتمثيل العرب في الحكومة والنظام القضائي.

وتابع المراسل قائلًا: أما فيما يتعلق بأراضي الضفة الغربية المحتلة، فإن إسرائيل تُشير إلى الاتفاقيات المُوقَّعة في تسعينيات القرن العشرين والتي منحت الفلسطينيين حكمًا ذاتيًّا محدودًا هناك. ومع ذلك، تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش على أن الحكومة الإسرائيلية لم تزل «تحافظ على سيطرة أساسية على عديد من جوانب حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية، ومنها سيطرتها على الحدود والموارد الطبيعية، وحركة الأشخاص والبضائع».

وفي الوقت نفسه يعيش حوالي مليوني فلسطيني تحت حصار صارم في قطاع غزة. وكانت القوات الإسرائيلية قد انسحبت من غزة في عام 2005، لكنها ما زالت تسيطر على حدودها ومجالَيْها البحري والجوي.

Embed from Getty Images

ويأتي تقرير المنظمة الحقوقية في أعقاب نتائج مماثِلة توصَّل إليها عدد من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، ومنها الإعلان الصادر عن «مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان (بتسيلم)» في يناير (كانون الثاني)، والذي زعم أن إسرائيل ليست دولة ديمقراطية، بل إنها «نظام فصل عنصري». ونشرت جمعية محلية أخرى، «ييش دين – منظمة متطوعين لحقوق الإنسان»، رأيًا قانونيًّا في الصيف الماضي رأت فيه أن إسرائيل ارتكبت جرائم الفصل العنصري، لكن النتائج التي توصَّلت إليها المنظمة اقتصرت على الضفة الغربية. ومن جانبها رفضت إسرائيل هذه الادِّعاءات بشدة.

ما هو دور المحكمة الجنائية الدولية؟

وأفاد التقرير أن التحوُّل في الإدراك أن إسرائيل عبارة عن نظام فصل عنصري يُعد جزءًا من حركة يقودها ناشطون، وقد اكتسبت هذه الحركة زخمًا في أعقاب التهديدات الناجمة عن محاولات ضم إسرائيل لمزيد من الأراضي الفلسطينية؛ مما يثبت أن الاحتلال مستمر ودائم، بالإضافة إلى القوانين التي تُكَّرس حقوقًا سياسية إضافية لليهود على حساب العرب، وقد استشهدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها بكلا التطورين.

وطالبت منظمة «هيومان رايتس ووتش» مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بضرورة إجراء «تحقيق مع المتورطين على نحو موثوق في الجريمة ضد الإنسانية ومقاضاتِهم» ودَعت إلى فرض عقوبات تشمل حظر السفر وتجميد الأصول ضد المسؤولين، دون ذكر أسمائهم.

وفي الختام أشار التقرير إلى أن المنظمة الحقوقية نفسها وجدت في العام الماضي أن الانتهاكات التي ارتكبتها حكومة ميانمار ضد مسلمي عرقية الروهينجا ترقى أيضًا إلى جرائم الفصل العنصري والاضطهاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد