أجرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية حوارًا مع الدكتورة ميشال ياري –الخبيرة في شؤون السعودية بجامعة تل أبيب– حول التطور الكبير الذي تشهده العلاقة بين إسرائيل والمملكة، وتناثر أقاويل عن زيارات سرية متبادلة على أعلى المستويات الدبلوماسية.

ففي تعليقها على المقابلة غير المسبوقة التي أجراها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مع موقع إيلاف السعودي، قالت ميشال إن التقارب الإسرائيلي- السعودي بدأ مع الربيع العربي، والسبب هو وجود أعداء مشتركين متمثلين في المحور الشيعي بقيادة إيران، وظهور تنظيم الدولة. ورغم محاولات التقارب مع تل أبيب، تبقى القضية الفلسطينية عائقًا أمام الإعلان عن هذا التقارب.

اقرأ أيضًا: هل يحمل «إيلاف» السعودي رسائل الحمام الزاجل من إسرائيل؟

وعن الأنباء التي تشير إلى التعاون الاقتصادي بين البلدين –رغم النفي الرسمي– أوضحت ميشال أن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أكد أن أي علاقات ستُبنى مع إسرائيل لا بد أن تقوم على أساس المبادرة العربية للسلام التي طُرحت في عام 2002. وشددت ميشال على أنه ثمة مستوى محدود للغاية من التعاون. إذ تظن إسرائيل أن الحصول على تنازلات سعودية بلا مقابل أمر جيد؛ لكنّ الأمور ليست كذلك.

وعند سؤالها عن السبب، أجابت ميشال بالقول إن السعودية قد طرحت «رؤية 2030» الاقتصادية العملاقة الخاصة بمشاريع البنية التحتية، التي ستنفذ معظمها الشركات الأجنبية. لكنها لن تسمح للشركات الإسرائيلية بالمشاركة ما لم يتغير الوضع، وحينها ستجني تل أبيب المليارات. لكن ميشال ترى أن التحدُّث علنًا عن العلاقات مع الرياض –مثلما فعل نتنياهو– خطأ جسيم، وسيثير مشاكل خطيرة، وسيضع المملكة في موقف حرج أمام الشعوب العربية.

قالت ميشال إن الحياة اليومية لمواطني السعودية تشبه مثيلاتها في أي دولة، وقالت إنهم منشغلون بأزمات مثل الإسكان والبطالة. وأكدت أن الليبراليين في السعودية بدؤوا يجاهدون لتغيير الأوضاع في البلاد للحصول على حقوقهم المدنية، لا سيما حقوق المرأة.

وتعليقًا على ما إذا كان إقرار قانون يسمح للنساء السعوديات بقيادة السيارة هو أحد مؤشرات نجاح الليبراليين، قالت ميشال إنه مما لا شك فيه أن أحوال النساء قد تحسنت كثيرًا في السعودية؛ لكن هذا التغيير جاء نتيجة للضرورة.

ولتوضيح معنى ذلك، قالت إن الاقتصاد السعودي احتاج إلى إصلاحات جذرية. وقد تأكد المسؤولون هناك أن هذا لن يتأتى إلا باستغلال نصف المجتمع المعطل، وفي سبيل ذلك لا بد من تسهيل حركة النساء. وقد انحسر استخدام السائقين الخاصين بسبب ارتفاع التكاليف، وأثبتت شركات مثل أوبر أنها حل مؤقت.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

وعندما سئلت: كيف يسمح للمرأة السعودية بالسفر مع شخص غريب عنها وفي نفس الوقت غير مسموح لها بركوب سيارات الأجرة؟ قالت ميشال إن الأمر يتعلق بالمظاهر. فسيارات أوبر ليست مميزة الشكل مثل سيارات الأجرة، ولن تُعرف علاقة السائق بالراكبة. وهو ما جعل معظم عملاء الشركة من النساء. لكن لم ترض النساء بهذه الفكرة؛ مما دفع الأمير محمد بن سلمان لرفع الحظر المفروض على قيادة المرأة للسيارة.

وأشارت ميشال إلى أن الأمير محمد بن سلمان يتمتع بسلطات شبه مطلقة مع غموض الحالة الصحية لوالده. وعلى الرغم من ظهور الملك سلمان في بعض اللقاءات الرسمية، إلا أن القرارات المصيرية تُمرر عبر نجله ولي العهد. على سبيل المثال، بعد أسابيع قليلة من تشكيل هيئة مكافحة الفساد برئاسة ولي العهد، حدث شيء غير مسبوق في تاريخ المملكة، إذ جرى توقيف العشرات من الأمراء ورجال الأعمال، وتوجيه تهم الفساد لهم.

اقرأ أيضًا: إيهود باراك: هكذا ستدمر حكومة نتنياهو إسرائيل!

عندما سئلت ميشال عن مصداقية هذه الحملة، قالت: إن من بين الموقوفين شخصيات معارضة لابن سلمان، وليس جليًا إن كان الأمر حملة حقيقية ضد الفساد أم قمعًا للمعارضة. يسعى ابن سلمان إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، التي لن تتدفق في بلد ينخره الفساد. على الجانب الآخر، يعتبر الفساد جزءًا أصيلًا من بنية النظام السعودي، ففي العام الماضي، أنفق الملك سلمان 100 مليون دولار على إجازته في المغرب. وتؤكد ميشال أن هذا يثير سخط الشباب السعودي –الذين يشكلون حوالي ثلثي نسبة السكان في البلاد– لذا فعلى الأمير محمد بن سلمان أن يؤكد جديته في محاربة الفساد.

سئلت ميشال عن تصعيد محمد بن سلمان على حساب أمراء أحق منه في ولاية العهد، فقالت إن الأجنحة المتعددة في الأسرة الحاكمة تتصارع بشكل دائم، وأن إحدى مهام الملك هي الحفاظ على تماسك العائلة، لكن الملك سلمان أخل بتسلسل الخلافة بترقية ابنه إلى منصب ولي العهد ومنحه سلطات إضافية جعلته يتحكم في كل شيء، لكن قرارًا كهذا في دولة غير ديمقراطية قد يكون ضروريًا لتمرير قرارات مثيرة للجدل، وهو ما لم تفعله الحكومة حتى الساعة.

وعن الصعوبات التي تواجه السعودية في تزويد مواطنيها بالمنافع التي اعتادوا عليها، والتي دفعت من خلال أموال النفط أو ما تبقى من ذلك المال بعد أن نهبته الحكومة. تشير ميشال إلى أنه ليس هناك ميزانية للدولة بالمفهوم الشائع عالميًّا، إذ تستخدم أموال النفط لإدارة المملكة وتوزيع العائدات على الأمراء. والمحرك الرئيسي لهم هو الحفاظ على السلطة. وتخصص الدولة مبالغ هائلة للمؤسسة الدينية وزعماء القبائل، وتلبي معظم احتياجات المواطنين السعوديين؛ لكنها لا تتحمل تكاليف التعليم، أو البنية التحتية، أو الخدمات الصحية، أو الكهرباء، أو غاز الطهي، أو الماء.

لا تفرض المملكة ضرائب على مواطنيها، وهو ما يثير دهشة الغرب تمامًا. وبصرف النظر عن قطع الرأس، والتمييز ضد المرأة والمناخ، فإنها حياة جذابة جدًا، لكن هذا كان ناجحًا حين كان سعر النفط مرتفعًا، وكان عدد السكان صغيرًا نسبيًّا. يبلغ عدد سكان المملكة اليوم 20 مليون نسمة، وليس 6 أو 7 ملايين نسمة مثلما كان في الستينيات، وقد انهار سعر النفط. ولم تعد الحكومة قادرة على توفير نفس نمط الحياة لمواطنيها. إن سلة الرعاية الهائلة التي يتلقاها المواطنون السعوديون مقابل الطاعة المطلقة للحكومة قد تقلصت تقلصًا مستمرًا على مر السنين، وعندما أعلنت العائلة المالكة أن الوقت قد حان لشد الحزام، فإن السعوديين ليسوا على استعداد للتعاون.

لكنّ بذخ الأسرة الحاكمة يثير سخط الشعب –تشير ميشال إلى ذلك– فقد ارتفعت تكاليف المعيشة والإسكان، والمقصود هو الإيجار لأن الشراء حلم بعيد المنال. ويعاني الشباب من أزمة في التوظيف، ولا يستطيعون الزواج بسبب ارتفاع تكاليفه، إذ تصل تكاليف الزواج إلى مليون ريال أحيانًا؛ لذا انتشرت العزوبية وظاهرة الزواج من أجنبيات، ونصفهنّ من الفلبين.

عندما سئلت عن فيديو الشاب السعودي الذي حرق شهادة طب الأسنان الخاصة به، قالت ميشال إن العثور على وظيفة في السعودية مهمة شاقة. بعد العيش في الصحراء طويلًا، اغتنت دول الخليج بين عشية وضحاها بسبب اكتشاف البترول. وعندما أرادت تلك الدول بناء مجتمعات حضرية، استعانت بالعمالة الأجنبية في كافة المجالات. فبات الأجانب يسيطرون على سوق العمالة السعودية، لدرجة أن ثلثي العاملين في القطاع الخاص هم أجانب، ناهيك عن العمالة غير الشرعية. كما أن نظام الكفيل يهين العمال، إذ انتشرت مقاطع مصورة تظهر تعرض الكثير من العمال إلى العنف الجسدي؛ مما حدا ببعض الدول مثل بنجلاديش إلى منع النساء من السفر للعمل في المملكة. ولهذا لجأت السعودية إلى برنامج «السعودة»؛ لكنه يمر بمشكلات عديدة.

البطالة تنتشر بين الشباب السعودي

اعتاد معظم السعوديين على الإعانات الحكومية، ولكن مع تبدل الأحوال الاقتصادية، اضطرت الحكومة إلى فرض رسوم باهظة على بعض الخدمات مثل الكهرباء، التي يستهلكها السعوديون بجنون. علقت ميشال بالقول إن الكهرباء في السعودية تعتمد على النفط، ولا يجد السعوديون غضاضة في السفر لأسابيع وترك أجهزة المكيف تعمل. وتشير توقعات إلى أن المملكة ستتحول خلال سنوات قليلة إلى مورد للنفط، وليست مصدرًا. وتؤكد ميشال أن محمد بن سلمان يدرك أن هذا سيخلق مشاكل عديدة، لذا فهو يسعى إلى إيجاد مصادر دخل متنوعة بديلة للنفط، والاعتماد على العمالة السعودية، لكن التعليم الذي يحصل عليه السعوديون لا يتلاءم مع شركات التكنولوحيا الأمريكية على سبيل المثال؛ لذا ستظهر حاجة إلى تغيير نظام التعليم السعودي برمته حتى يواكب تطورات سوق العمل.

مشكلة أخرى هي أن المؤسسة الدينية في البلاد فرضت نفسها على التعليم والثقافة، في مقابل ولائها للنظام. لذا ستواجه الحكومة تحديات كبيرة في سبيل تعديل نظام التعليم. على سبيل المثال – تشير ميشال– دشنت المملكة حملة ضد السمنة لدى الشباب، انطوت على إدخال التربية الرياضية إلى مدارس الصبية والفتيات. وهنا ثار جدل عن هوية معلمي التربية الرياضية للفتيات، وما هي الرياضات والأدوات المسموح بها لهن؟ لذا فإن تحويل النظام التعليمي السعودي ليتواكب مع العالم الغربي من الصعب جدًا تصور ما سيقف في طريقه من عقبات.

وعند سؤالها عن محاولات ابن سلمان تقويض سلطة الشرطة الدينية، قالت إن الأخيرة منوط بها الحفاظ على القيم المحافظة للمجتمع السعودي؛ لكنها انتهجت أسلوبًا فظًّا جعل السعوديين يكرهونها. إن للشرطة الدينية الحق في دخول أي مطعم أو سوق أثناء تناول الناس الطعام وتجبرهم على الذهاب إلى الصلاة. كما انتشرت العديد من المقاطع المصورة التي تظهر أفراد الشرطة الدينية وهم يهينون النساء بزعم عدم الاحتشام. وبعد سفر السعوديين إلى الخارج والاطلاع على العالم المتحضر، بدؤوا يتساءلون عن السبب الذي يمنعهم من عزف الموسيقى في الأماكن العامة.

لكن ميشال تؤكد أن الشباب في المملكة ما عادوا يتحملون تصرفات الشرطة الدينية الفظة. لا توجد أي مناحي ثقافية في السعودية، فلا سينما بداعي نشر الرذيلة والاختلاط، والموسيقى تعتبر شيئًا غير أخلاقي، لكن الشباب يشاهدون نظراءهم في الغرب عبر الإنترنت وهم يستمتعون بكل ما مُنعوا منه. وقد أدرك محمد بن سلمان أنه يجب تخفيف القيود المفروضة؛ لذا دشن هيئة الترفيه التي نظمت العديد من الفعاليات الموسيقية والأكروباتية وحضرها الآلاف.

وعند سؤالها عن الأسباب التي دفعت محمد بن سلمان إلى القيام بهذه الإصلاحات، قالت ميشال إن ابن سلمان أفصح في مقابلة تاريخية عن أن بلاده خرجت عن مسارها، وتبنت الإسلام المتشدد في رد على الثورة الخمينية في إيران، وأنها تحتاج إلى العدول عن ذلك. وترى ميشال أن ابن سلمان يمزج بين البراجماتية التي تجبره على ضرورة التغيير، والأفكار الليبرالية التي يتبناها أكثر من حكام المملكة السابقين. وكونه شابًا يجعله على اطلاع بمشكلات الشباب في بلاده.

اقرأ أيضًا: «لا استيلاء على السلطة وخامنئي هتلر جديد».. ترجمة كاملة لمقابلة ابن سلمان وفريدمان

ترى ميشال أن ابن سلمان لديه الكاريزما والرؤية، وهما من الصفات التي تحتاجها المملكة بعد سنوات من التقاعس الحكومي. من ناحية أخرى، فإن تلك الصفات هي التي أدت بالمملكة العربية السعودية إلى هذا الواقع المدمر. فتصاعد التوتر مع إيران، وأزمة الحريري، والعجز عن إنهاء الحرب المكلفة وغير الضرورية في اليمن، وأيضًا مشاريع مثل بناء مدينة نيوم، هي القرارات المثيرة التي تخرج عن نطاق السياسة التوفيقية السعودية المعتادة. التاريخ وحده سيحكم على أفعاله، وسنرى ما إذا كانت هذه الصفات ستفيد السعودية أم ستلقي بها في الهاوية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد