نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا للكاتب بلال صعب، مدير برنامج الدفاع والسياسات الأمنية بمعهد الشرق الأوسط، يستعرض فيه كيف برزت إسرائيل بوصفها الرابح الأكبر من الاتفاق المعلن بين الإمارات وإسرائيل.

فبغض النظر عن الكيفية التي نقرأ بها الصفقة الدبلوماسية التي أُعلن عنها يوم الخميس بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة – وسيكون هناك بالتأكيد العديد من المؤيدين والمنتقدين نظرًا لطبيعتها التاريخية – هناك استنتاج واحد يبدو أنه لا يمكن دحضه: إسرائيل هي الرابح الأكبر.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
حاييم سابان.. تعرف إلى الملياردير الذي توسط بين الإمارات وإسرائيل

تقييم للأرباح والخسائر

حققت إسرائيل، وتحديدًا رئيس وزرائها المحاصر، بنيامين نتنياهو، انتصارًا كبيرًا، فمن خلال تعليق تهديداته بضم أجزاء من الضفة الغربية مقابل التطبيع الكامل للعلاقات مع الإمارات، منح نتنياهو نفسه مجالًا للتراجع عن وعد قد يكون شعبيًا، ولكنه غير واقعي على الإطلاق.

وهكذا، جنى نتنياهو ثمار التطبيع مع قوة عربية صاعدة مقابل شيء لم يكن على الأرجح سينفذه، ولم يكن في مصلحة إسرائيل على المدى الطويل. في الدوائر الدبلوماسية، هذا ما تسميه انقلابًا.

ويؤكد الكاتب أن الإمارات أيضًا ستجني الكثير في المقابل. فمن خلال إبرام هذه الصفقة، تعزز الإمارات مكانتها القيادية في العالم العربي ودورها الكبير في المشهد الجيوسياسي. كما أن التعاون الثنائي المعزز والرسمي في قطاعات مثل الطاقة والطب والتكنولوجيا والصناعة العسكرية سيحقق مكاسب كبيرة لكلا البلدين.

إسرائيل إيران

يتابع الكاتب: باعتبارهما مجتمعين طموحين ورياديين بالفعل، سيحظى البلدان بفرصة العمل باعتبارهما فريقًا من دون الاضطرار إلى القلق بشأن السياسة، مشيرًا إلى أن طموحاتهما مرتفعة للغاية فيما يتعلق بالتقدم التكنولوجي الذي سوف يفيد المنطقة وربما العالم.

ومن المؤكد، بحسب ما يرى الكاتب، أن الشرق الأوسط ككل سيستفيد من أي تهدئة للتوترات ومن الدبلوماسية الإيجابية كذلك، لكن الأمر يستحق أن لا نرفع سقف التوقعات فيما يتعلق بالآثار المترتبة للصفقة على الأمن الإقليمي. ذلك أن الإمارات وإسرائيل لم يخوضا حربًا ضد بعضهما أبدًا، ولم ينظر كل منهما إلى الآخر باعتباره عدوًا تقليديًا. لذا فإن تسمية هذا الاتفاق بـ«اتفاق سلام»، كما فعلت إدارة ترامب، هو أمر مبالغ فيه إلى حد ما.

بدلاً من ذلك، يرى الكاتب أنه يمثل اعترافًا رسميًا بالعلاقات الثنائية القائمة منذ عقود، وهو أيضًا بداية عملية دبلوماسية، لذا قد تستغرق المكاسب الأوسع وقتًا لتؤتي ثمارها بالكامل. كما لا يزال يتعين على الاتفاقية أن تصمد أمام معارضة سياسية من جانب البعض في المجتمع الإسرائيلي المحافظ للغاية. وإذا نكثت إسرائيل بوعودها في الضفة الغربية، فإن الإماراتيين قد ينسحبون.

في الواقع، ينبغي أن يُنسب الفضل إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يدعي أنه توسط في الصفقة، في هذا الإنجاز التاريخي، بغض النظر عن طبيعة مشاركته الشخصية؛ لأن دور إدارته في الوساطة كان ضروريًا. بطبيعة الحال، لن يكف عن التفاخر بأنه صنع السلام في الشرق الأوسط قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني). لكن تعظيمه المستمر للذات وسياسته لا ينبغي أن يصرفا الانتباه عن حقيقة أن ما حققه للتو يمكن أن يحلحل الأمور في المنطقة حقًا. ولمرة واحدة بطريقة إيجابية، بحسب الكاتب.

الجائزة الكبرى

ويرى الكاتب أنه وفي حال انضمام «الفيل في الغرفة» ـ يعني: المملكة العربية السعودية ـ إلى الحفل الدبلوماسي، فإن هذا هو الوقت الذي ينبغي فيه مضاعفة الثناء على الصفقة، مرتين بل وحتى ثلاثة أضعاف.

ويلفت المقال إلى أن السعودية، وليس الإمارات، هي الجائزة الكبرى لإسرائيل من حيث الاعتراف الدبلوماسي، إذ إن السعودية، وليست الإمارات، هي التي تتحدث تقليديًا باسم العالم الإسلامي وملكها متوج بلقب خادم الحرمين الشريفين. وسوف يحدث تأثير الدومينو العربي بمجرد أن يركب السعوديون السفينة. وإذا حدث هذا أو متى حدث ذلك فإن مصطلح التعاون الأمني الأوسع بين العرب وإسرائيل سوف يتصدع أخيرًا، وفق الكاتب.

Embed from Getty Images

لكن أين الرياض من كل هذا؟ يوضح المقال أن التحركات الدبلوماسية الكبرى، مثل مبادرة السلام العربية في عام 2002، والتي عرضت على إسرائيل الاعتراف العربي الكامل في مقابل انسحابها من الأراضي العربية التي استولت عليها في حرب عام 1967، كانت من امتيازات السعوديين، مشيرًا إلى أن كون الإماراتيين الآن في طليعة الدبلوماسية العربية الجريئة هو أمر مثير للاهتمام، ولكنه متوقع أيضًا بالنظر إلى المتاعب الأخيرة للسعوديين تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان.

وينوه الكاتب إلى أنه لا يوجد دليل يشير إلى أنه من خلال إبرام هذه الصفقة مع إسرائيل، انفصلت الإمارات عن السعودية. لكن الاتفاق جعل الأمر بالتأكيد يبدو كما لو أن أبو ظبي تمضي قدمًا وترسم لنفسها مسارًا يتزايد استقلالية. فـفي البداية، سحبت أبو ظبي قواتها من اليمن وتركت شريكها في التحالف السعودي معلقًا، والآن وصلت إلى إعلان هذا الاتفاق.

وحتى إذا وقعت السعودية على الاتفاقية، وهو احتمال تركه ترامب مفتوحًا بالقول إن دولًا عربية أخرى يمكن أن تنضم إلى هذا الاتفاق قريبًا، فسيسجل اسمها إلى الأبد باعتبارها تابعًا وليست مبادرًا، ولن يكون التاريخ العربي رحيمًا مع السعوديين لتخليهم فعليًا عن مقعد القيادة لشريكهم الأصغر.

ويتابع الكاتب: ربما كان هذا تفضيلًا سعوديًا على الدوام، بتنسيق فعال مع الإماراتيين. وقد تكون استراتيجية «راقب وتعلم» على الأرجح هي الطريقة التي نظر بها السعوديون للأمر. فقد يرغبون في رؤية كيفية تلقي الاتّفاقيّة في العالم العربيّ والأهم في طهران، خصمهم القديم. وعلى هذا الأساس، يحددون ما إذا كانوا يريدون الانضمام للاتفاقية أو الابتعاد عنها. ويكاد يكون من المؤكد أن الإيرانيين سوف ينتقدون هذه الصفقة، وسوف يصف الحرس الثوري الإسلامي المؤثر الإماراتيين بالخونة، ولكن المهم في الأمر هو الأفعال. وهذا ما ستنتظره الرياض.

عربي

منذ شهر
«فورين أفيرز»: هكذا تنتهي طموحات السعودية

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن السعوديين في وضع مختلف تمامًا عن الإماراتيين عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. لا تُشكل الصفقة الكثير من المخاطر للإماراتيين على المستوى المحلي، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للسعوديين. فإذا احتضن النظام السعودي إسرائيل قبل الأوان – دون وجود اتفاقية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لتسوية قضية القدس – فقد يثور الشعب السعودي، أو على الأقل رجال الدين في المملكة، وهذا شيء لا يستطيع محمد بن سلمان تحمله ببساطة، وفقًا للكاتب.

كان جُل تركيز ولي العهد الشاب منذ إطلاق مشروعه التحويلي المسمى «رؤية السعودية 2030» على الحد من دور شيوخ المملكة المحافظين وسلطتهم. وحتى التصور بالتخلي عن القدس لإسرائيل قد يرفع تأثير رجال الدين إلى آفاق جديدة، بل وقد يعيد إلى الواجهة مرة أخرى النزعة القتالية المتطرفة، التي عاثت فسادًا في البلاد في عام 1979 ثم مرة أخرى في الفترة من 2003 إلى 2004.

كيف ستكون علاقة إيران والإمارات؟

يتابع المقال: هناك الكثير من الأمور المجهولة في هذه الاتفاقية، والتي ظلت سرية بأعجوبة حتى أصدر ترامب بيانه. لكن هناك شيء واحد مؤكد وهو أن علاقات القوة في العالم العربي تحولت بقوة لصالح دولها الأصغر: الإمارات وقطر المنافسة لها، فيما تبدو السعودية مشغولة بعملية انتقالها الدقيقة، بينما تلاشت هيبة مصر منذ فترة طويلة.

Embed from Getty Images

ويقول الكاتب في ختام مقاله: بقدر ما تستحقه هذا الصفقة من ثناء، فإن التحدي الأكبر والإنجاز الأعظم أمام الشرق الأوسط، يظل متمثلًا في الحد من التوترات مع إيران. وإذا لم تنفجر العلاقات بين أبو ظبي وطهران نتيجة لذلك، وهي العلاقات التي كانت جيدة للغاية في الآونة الأخيرة، فإن الإماراتيين سوف يكون بوسعهم التوسط بفعالية أكبر بين الإسرائيليين والإيرانيين، وهو الدور الذي لعبته سلطنة عُمان تاريخيًا.

فالمتشددون في طهران قد لا يصنعون السلام أبدًا مع إسرائيل، ولكنهم على يقين من مصلحتهم في وقف حرب واسعة النطاق. ومن الممكن أن تساهم دبلوماسية أبو ظبي الذكية والمغتنمة للفرصة مع إسرائيل في هذا الصدد وأن تغير المنطقة إلى الأبد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد