بينما تعيش الولايات المتحدة في خضم النزاعات والاتهامات بمعاداة السامية الموجهة لعضوتي الكونجرس إلهان عمر ورشيدة طليب على خلفية تصريحاتهما المناهضة لإسرائيل، نشر موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي تقريرًا للكاتب ريان جريم، مدير مكتب الموقع في واشنطن، يتحدث فيه عن تفاصيل فيلمٍ وثائقي ممنوع من العرض يكشف مدى تأثير أموال جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، موضحًا أنَّ اللوبي المؤيد لإسرائيل يتباهى بتقديم الرشاوى السخية للسياسيين الأمريكيين من أجل تنفيذ جدول أعماله داخل واشنطن.

«الوثائقي المحجوب».. كيف تعمل ماكينة اللوبي الإسرائيلي في أمريكا؟

أشار الكاتب إلى أنَّ الجدل حول قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن لا يزال مستمرًا بعد أن ردت إلهان عمر، النائبة الأمريكية الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، بحدة على تقاريرٍ تفيد بأنَّ كيفين مكارثي، زعيم الجمهوريين في مجلس النواب الأمريكي، كان يستهدف كلًا من إلهان عمر وزميلتها رشيدة طليب، النائبة الديمقراطية المسلمة عن ولاية ميشيجان.

وذكر جريم أنَّ إلهان عمر اقتبست بعض كلماتٍ من أغنية الراب الأمريكية It’s all about the Benjamins baby، لتُلمح إلى أنََّّ تحرك مكارثي جاء مدفوعًا بالإنفاق السخي لجماعات الضغط الإسرائيلية في واشنطن. وعندما سئلت إلهان عمر عن الجهة المقصودة بكلامها، أجابت بوضوح أنَّها تقصد «لجنة الشؤون العامة الأمريكية ـ الإسرائيلية (أيباك)»، وهي إحدى أقوى منظمات اللوبي اليهودي في أمريكا والعالم.

وحسبما أوضح الكاتب في تقرير، يُمكن فهم الجدل الدائر حول تأثير الجماعات الموالية لإسرائيل من خلال تحقيقٍ أجرته قناة «الجزيرة» القطرية، حيث استطاع مراسل صحافي التخفّي واختراق منظمة «مشروع إسرائيل»، التي مقرها واشنطن. وتمكَّن مراسل قناة «الجزيرة» من تسجيل محادثات على نحوٍ سري على مدى ستة أشهر في عام 2016 بشأن الإستراتيجية السياسية للمنظمة وحجم نفوذها وتأثيرها. ومع ذلك، وفقًا للتقرير، لم تعرض قناة «الجزيرة» ذلك التحقيق قط؛ إذ امتنعت عن إذاعته جراء الضغط من اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن.

وأفاد التقرير أنَّ موقع «الانتفاضة الإلكترونية» المؤيد للقضية الفلسطينية حصل في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) على تلك المادة الفيلمية الوثائقية المكوَّنة من أربعة أجزاء ونشرها، لكنَّه فعل ذلك خلال أسبوع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؛ لذا لم تجذب كثيرًًٍا من الاهتمام في ذلك الوقت.

وحول ما جاء في ذلك الفيلم الوثائقي، أفاد التقرير أنَّ قادة اللوبي المؤيد لإسرائيل تحدثوا صراحةً عن كيفية استخدامهم المال للتأثير على العملية السياسية الأمريكية بتعليقاتٍ فجَّة للغاية لدرجة أنَّها لو كانت صدرت عن منتقدين لهم، كانوا سيتهمونهم بمعاداة السامية.

ويلفت الكاتب إلى أنَّ ديفيد أوكز، مؤسس منظمة «هاليف»، التي تساعد في إرسال الشباب إلى مؤتمر منظمة «أيباك» السنوي، قد وصف للمحقق الصحافي كيف تقوم «أيباك» ومانحوها بتنظيم عمليات جمع تبرعات خارج المظلة الرسمية للمنظمة حتى لا تظهر تلك الأموال عند الإفصاح عنها أنَّها قادمة من المنظمة على وجه التحديد.

ووصف أوكز واحدة من الجماعات التي تُنظّم عمليات جمع التبرعات في واشنطن ونيويورك، قائلًا: «هذه هي أكبر مجموعة سياسية مُخصَّصة تحديدًا لهذا الغرض، وبالتأكيد الأكثر ثراءً، في واشنطن العاصمة»، مؤكدًا أنَّها لا تمتلك اسمًا رسميًا، لكنَّها مرتبطة بشكلٍ واضح بمنظمة «أيباك». وأضاف أوكز: «إنَّها جماعة أيباك. وتُحدث فرقًا حقًا. بالتأكيد تفعل ذلك. إنَّها تحقق أفضل النتائج المرجوة من جمع الأموال وقادرة على بناء شبكة علاقات عامة على نحوٍ استثنائي». وأفاد موقع «ذي إنترسبت» بأنَّه لم يتلق ردًا من أوكز و«أيباك» على طلبات الموقع الأمريكي من أجل التعليق على ما جاء في تقرير الكاتب ريان جريم.

«ذي إنترسبت»: إلهان عمر تكسر «التابوه» وتنتقد هذه اللجنة الداعمة لإسرائيل

يجادل أوكز، حسبما جاء في التقرير، بأنَّ اللوبي المؤيد لإسرائيل لا يستطيع تنفيذ جدول أعماله بدون إنفاق الأموال، قائلًا إنَّ «أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ لا يفعلون أي شيءٍ دون الضغط عليهم، ويمتنعون عن إنجاز الأمور ما لم تضغط عليهم للمضي قدمًا، والطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي المال».

ويقول الكاتب: «إنَّ أوكز وصف عملية جمع التبرعات لأنتوني براون، الديمقراطي الذي رشَّح نفسه لعضوية الكونجرس، باعتبارها وسيلةً نموذجية»، مضيفًا أنَّ أوكز أخبر محقق قناة «الجزيرة» بأنَّهم «يريدون من المجتمع اليهودي العمل وجهًا لوجه في هذه البيئة الصغيرة، وأن يتأكدوا من أنَّهم إذا منحونا المال، سنستطيع فرض صفقةٍ مع إيران. وبهذه الطريقة، عندما يحتاجون إلى شيءٍ من أي عضو، مثل الصفقة الإيرانية، يستطيعون حشده سريعًا وعرض 30 ألف دولار عليه. وهذا يؤثر حقًا».

ويلفت جريم إلى أنَّ مثل هذا الادعاء لا يختلف كثيرًا عمَّا كانت تصفه إلهان عمر، التي أًدينت بسببه بشدة. فعلى سبيل المثال، أفادت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في أعقاب تغريداتٍ نشرتها إلهان عمر أنَّ «اللجنة اليهودية الأمريكية طالبت باعتذارٍ، واصفةً تلميحها بأنَّ أيباك تدفع أموالًا للسياسيين الأمريكيين من أجل الحصول على دعمهم بأنَّه كذب واضح ومعاداة مذهلة للسامية». وفي حين اعتذرت إلهان عمر يوم الاثنين 11 فبراير (شباط) عن تغريداتها، لكنَّها أصرّت على أنَّ «أيباك» وغيرها من جماعات الضغط تُشكّل ضررًا على السياسة الأمريكية.

وفي متابعته لكشف ما جاء في الفيلم الوثائقي الذي مُنِعَ عرضه، أفاد جريم أنَّ أوكز وصف فعالية جمع تبرعاتٍ استضافها جيفري تالبينز، أحد كبار مديري صناديق التحوّط، بأنَّها مثل بئر لا تنضب مياهه، قائلًا: «في نيويورك، مع تالبينز، لا نسأل عن شيءٍ بخصوص الفلسطينيين البغيضين؛ لأنَّها قضية صغيرة وغير مهمة. القضية الأهم هي إيران. نريد أن يكون كل شيء مركزًا على إيران». وأضاف أوكز أنَّ «ما يحدث هو أنَّ تالبينز، الذي تُقدَّر ثروته بنحو 250 مليون دولار، يجتمع مع أعضاء الكونجرس في الغرفة الخلفية، ويخبرهم بالضبط عن أهدافه. ويسلمونه مظروفًا يحتوي على 20 بطاقة ائتمانية قيمة كل واحدة ألف دولار».

ووفقًا للتقرير، أوضح أوكز أنَّ نادي تالبينز في نيويورك يتطلب حدًا أدنى من التعهد بالتبرع قيمته 10 الآف دولار للانضمام والمشاركة في مثل هذه الفعاليات، وثمة بعض الأشخاص يدفعون أكثر من الحد الأدنى بكثير.

ويذكر الكاتب أنَّ أيباك تدعو، على موقعها الإلكتروني، للانضمام إلى عضويتها الخاصة بها، متعهدةً بدفع ما لا يقل عن 5 آلاف دولار لكل دورة انتخابية.

في الوقت نفسه، سلَّط الكاتب الضوء على ما أكدَّه يُدعى إريك جالاجر، الذي كان مسؤولًا كبيرًا في أيباك في الفترة بين 2010 إلى 2015، بشأن إنَّ أيباك تحصد ثمار تلك الجهود. إذ قال للمحقق الصحافي بقناة «الجزيرة» خلال لقاءٍ مُسجَّل سرًا: إنَّ «الحصول على مساعدة أمنية بقيمة 38 مليار دولار لإسرائيل تُعد أمرًا مهمًا، وهو ما فعلته أيباك لتوها. كل شيء تفعله أيباك يركز على التأثير على الكونجرس».

لا يقل قوة عن نظيره في أمريكا.. ماذا تعرف عن اللوبي الإسرائيلي في روسيا؟

أشار الكاتب في تقريره إلى أنَّ الفيلم الوثائقي، الذي يحمل عنوان «اللوبي (The Lobby)»، كان من إنتاج وحدة التحقيقات التابعة لقناة «الجزيرة»، ويضم لقطاتٍ مصورة سجَّلها المُحقّق الصحافي بكاميرا خفية، بعد أن قدَّم نفسه بصفته ناشطًا يهوديًا مؤيدًا لإسرائيل من بريطانيا يريد التطوع في منظمة «مشروع إسرائيل».

وتابع التقرير أنّ المحقق الصحافي، الذي حظى بشقةٍ فاخرة في حي دوبونت سيركل بواشنطن، استضاف اجتماعاتٍ ولقاءاتٍ متعددة، وانغمس اجتماعيًا على نطاقٍ واسع داخل المجتمع المؤيد لإسرائيل وكسب ثقة كبار المسؤولين، الذين كشفوا له عن تفاصيل سرية جرى تسريب الكثير منها؛ مما أثار نقاشاتٍ واسعة حولها في وسائل الإعلام العالمية.

ونُشرت نسخة مرافقة للفيلم حسبما ذكر التقرير، تسلط الضوء على نفوذ اللوبي الإسرائيلي في المملكة المتحدة، وأحدثت جدلًا إعلاميًا كبيرًا. وقد كشفت تلك النسخة عن مؤامرة يُدبّرها مسؤول في السفارة الإسرائيلية في المملكة المتحدة من أجل «استهداف» أعضاء مؤيدين للفلسطينيين داخل البرلمان، وهو الأمر الذي أدى إلى استقالته.

ومع ذلك، أوضح التقرير أنَّ الفيلم تضمَّن عدة لقطات من الولايات المتحدة؛ مما جعل المسؤولين يدركون حينها سريعًا أنَّهم تعرضوا للاختراق. ومن ثمَّ، تقدَّم اللوبي الإسرائيلي بشكوى رسمية في المملكة المتحدة يزعم أنَّ البرنامج معادٍ للسامية، لكنَّ وكالة الاتصالات البريطانية رفضت هذا الادعاء، مشيرةً إلى أنَّ «ما ورد في البرنامج لم يكن يشير إلى أنَّ أيًا من الأفراد المعنيين كانوا يهودًا، بالإضافة إلى أنَّه لا توجد إشارات تتعلق بإنتماءهم الديني».

في المقابل، مارس المسؤولون الموالون لإسرائيل في الولايات المتحدة ضغوطًا سياسية بدلًا عن تقديم شكوى رسمية. إذ كتبت مجموعة من 19 نائبًا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي خطابًا إلى وزارة العدل الأمريكية تطالب بإجراء تحقيقٍ شامل في «جميع الأنشطة التي تقوم بها قناة الجزيرة في الولايات المتحدة»، واقترحوا أن تقوم السلطات بتسجيل شبكة «الجزيرة» الإعلامية  باعتبارها وكيلًا أجنبيًا.

ونوه الكاتب في ختام تقريره إلى أنَّ قطر رضخت في نهاية المطاف للضغوط ولم تذع الفيلم الوثائقي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد