نشرت مجلة فورين بوليسي مقالًا كتبته علياء الإبراهيمي، زميلة الأبحاث السابقة في جامعة أوكسفورد وكلية لندن للاقتصاد، ناقشت فيه حيثيات الحرب التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة مؤخرًا، مؤكدة أن رئيس وزراء إسرائيل اختار توقيتًا غير مناسب، أو بوجه أدق ربما اختار لحظة غير مناسبة لتنفيذ حملته العسكرية على القطاع. وخلصت الكاتبة إلى أن تل أبيب لم تُغيِّر تكتيكات حربها على الفلسطينيين، مشيرةً إلى أن معدل القتلى من الأطفال أوضح مثال على ذلك.

إنجاز لم يحقِّقَه أي جيش على الإطلاق

تستهل الكاتبة مقالها بالقول: بعد قبول وقف إطلاق النار بوساطة مصرية في الأسبوع الماضي، أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ«إنجاز لم يحقِّقَه أي جيش على الإطلاق» في حملة القصف التي شنَّتها إسرائيل على غزة، والتي استمرت 11 يومًا. وفي الوقت ذاته أعربت حركة حماس – وهي جماعة المقاومة الفلسطينية المُسلَّحة التي أطلقت أكثر من 4300 صاروخ على إسرائيل بصورة عشوائية – عن «نشوة النصر».

Embed from Getty Images

ولا غرو، إذ إنه مهما كانت النتيجة العسكرية، يبدو أن التقديرات النهائية لهذه الجولة الأخيرة من الصراع ستُحدَّد على الأرجح بعيدًا عن ساحة المعركة. وربما اختار نتنياهو توقيتًا غير مناسب للإصرار على شن غارات جوية على إحدى المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان على وجه الأرض، حيث تقل أعمار 50% من سكانها عن 15 عامًا؛ وبتعبير أدق، ربما اختار اللحظة الثقافية غير المناسبة.

هل غيَّرت تل أبيب تكتيكات الحرب على الفلسطينيين؟

وتؤكد كاتبة المقال أن هناك بالطبع تسلسلًا منطقيًا نَكِدًا بين الحرب التي وقعت مؤخرًا والاعتداءات السابقة على غزة. على سبيل المثال على غرار (عملية الجِرف الصامد) التي وقعت في عام 2014، كانت هناك نحو حالة وفاة واحدة من بين كل أربع وفيات في غزة ليست من المدنيين فحسب، بل كانت أيضًا من الأطفال (66 وفاة من إجمالي 248 حالة وفاة). ومع ذلك لم يغيِّر الجيش الإسرائيلي خلال هذا الشهر تكتيكاته أو يعيد ضبط استخدامه للقوة، ولكنَّه استمر في استخدام المهارات الجوية للقوة العسكرية العظمى على الأبراج الشاهقة التي يعيش فيها سكان فقراء محاصرون.

وتمثَّل الاختلاف هذه المرة في التعبير العنصري عن العنف الذي وعد بإجراء تحوُّل نوعي في تأطير الصراع. وتزامن ذلك بالفعل مع حديث أوسع على الصعيد العالمي عن العنصرية الممنهجة (اتُّهِمت إسرائيل بأنها نظام فصل عنصري أو أبارتايد).

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 أسابيع
«ذي إنترسبت»: على العالم التعامل مع إسرائيل على أنها نظام فصل عنصري «أبارتيد»

وترى الكاتبة أن النقاش حول العِرْق في إسرائيل وفلسطين يتمتع بالقدرة على اكتساب الزخم في صفوف جيل أصغر سنًا يتحدى بلا هوادة حكمة متعارَف عليها عن قضايا عالمية، بداية من تغيُّر المناخ، ووصولًا إلى أوجه عدم المساواة الاقتصادية. ويُمثِّل اليهود الأمريكيون الشباب قوة حاسمة في هذه الرمال الثقافية المتحرِّكة؛ ذلك أنهم يواجهون صعوبات في التوفيق بين وجهات نظرهم التقدُّمية بشأن السياسة والعِرْق وتصرفات إسرائيل، ويطرحون سؤالًا: «ما السبب في أن وجود وطن آمن نتمتع بالعيش فيه يعني إخضاع الآخرين»؟

وفي ظل إبداء حركات عالمية مثل «حركة حياة السود مهمة (Black Lives Matter)» تضامنها مع الفلسطينيين، تلفت هذه الحركات الانتباه إلى كفاح أساسي وشامل من أجل التحرُّر العنصري. وهذا الترخيص الجديد لمناقشة نقاط الحديث الإسرائيلية الرسمية قد أصلح بالفعل المفردات التي تستخدمها الولايات المتحدة في حديثها عن الصراع بطرق ملفتة للنظر.

أحداث مشحونة بدوافع عنصرية

ويشير المقال إلى أن اندلاع الحرب كان محاطًا بسلسلة من الأحداث المشحونة بدوافع عنصرية في القدس وفي أماكن أخرى: بداية من تنفيذ الشرطة الإسرائيلية مداهمات على المسجد الأقصى في الأيام الأولى والأخيرة من شهر رمضان، وفي ليلة القدر، فضلًا عن إطلاق قنابل صوتية ورصاص مطاطي في أحد أقدس المواقع الإسلامية؛ مرورًا بعمليات التهجير القسري الوشيكة للعائلات العربية في حي الشيخ جرَّاح في القدس، وهم الذين لا يفصل منازلهم عن استيلاء المستوطنين اليهود عليها سوى صدور حكم قضائي واحد، وانتهاءً باندلاع اشتباكات عنيفة بين مواطنين يهود وعرب في كثير من المدن الإسرائيلية؛ ما يثير مخاوف تنفيذ «عمليات إعدام همجية».

وفي إطار تنسيق هجماتهم ضد العرب، أنشأ الإسرائيليون القوميون المتطرفون قنوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحمل أسماء مثل «الموت للعرب». وأفادت تقارير أن الاعتداء الوحشي الذي وقع في 12 مايو (أيار) على رجل عربي سحبه حَشْدٌ من المتطرفين اليهود من سيارته وهاجموه في إحدى ضواحي تل أبيب نُظِّم عبر تطبيق «تيليجرام».

ويلفت المقال إلى أن هذه الأحداث سلَّطت ضوءًا قويًّا على مصدر ما يُسمى بالنزاع بين إسرائيل وفلسطين: وهو احتلال ذو طابع استعماري سعَت الرواية الإسرائيلية الرسمية منذ أمدٍ بعيدٍ إلى قمعه. وتظل إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، حيث لم تزل تفرض حصارًا عسكريًّا على الرغم من ترحيل المستوطنين عام 2005.

Embed from Getty Images

وفي داخل حدود إسرائيل نفسها، يتعرَّض المواطنون العرب للتمييز على أُسُسٍ عِرقية بصورة ممنهجة تُوصَف على نحوٍ متزايدٍ باعتبارها فصلًا عنصريًّا: ولا يُعد العدد غير المتناسب للاعتقالات ولوائح الاتهام ضد العرب بعد اندلاع العنف الذي وقع مؤخرًا بين العرب واليهود سوى أنه أحدث المؤشرات على ذلك. وكما لاحظ فرانتز فانون، وهو طبيب نفسي وفيلسوف، قبل 60 عامًا، أن ما يُقسِّم العالم الاستعماري هو حقيقة الانتماء أو عدم الانتماء إلى عِرقٍ بعينه.

وتضيف الكاتبة: كما ساعدت هذه الظروف الاستعمارية في تفسير عدم التوازن المُفرِط في عدد القتلى (12 حالة وفاة على الجانب الإسرائيلي موازنةً بـ248 حالة وفاة في غزة). ويتَّسِم استهداف حماس للمدنيين الإسرائيليين بالخِسَّة والبشاعة ذاتها التي تتَّسِم بها عمليات القصف العسكري العشوائي الذي نفَّذته إسرائيل على غزة، بيد أنه ليس من قبيل المصادفة أن إسرائيل تتمتع بحماية نظام الدفاع الجوي الذي يُعرف باسم القبة الحديدية (الذي اعترض 90% من الصواريخ التي أطلقتها حماس على إسرائيل) ويتمتع مواطنو تل أبيب اليهود بإمكانية الوصول إلى ملاجئ الحماية من القنابل. ولا يُعد هذا التباين مصادفة من صُدف التاريخ؛ ذلك أنه جزء لا يتجزأ من الأصول الاستعمارية للصراع، ويضمن عدم المساواة في المعاناة.

وبصورة أكثر واقعية، قدَّمت الولايات المتحدة 1.6 مليار دولار على وجه التحديد لبطاريات القبة الحديدية، وصواريخها الاعتراضية، وأعمال صيانتها باعتبار ذلك جزءًا من حزمة المساعدات التي تقدمها سنويًّا إلى إسرائيل وتُقدَّر بـ3.8 مليار دولار، والتي تؤول بالكامل تقريبًا إلى المساعدة العسكرية وهي غير مشروطة بامتثال إسرائيل لأحكام القانون الإنساني الدولي.

أسئلة غير مريحة

وترى الكاتبة أن مواجهة الواقع المتمثِّل في احتلال إسرائيل لفلسطين تثير مزيدًا من الأسئلة غير المريحة بالنسبة لإسرائيل، ناهيك عن المراقبة الدقيقة لأعدائها. والجماعات التي تُشبه حركة حماس جماعات مُسلَّحة، وتضم جهات فاعلة غير حكومية قمعية، ولا تتمتع بشرعية دولية، ما يؤدي غالبًا إلى مضاعفة ضحايا الشعب الفلسطيني. ولكن تستطيع هذه الجماعات أن تطالب بالحصول على تفويض يستند إلى وعدٍ بمقاومة الظالم مقاومة عسكرية. وفي الوقت نفسه تجعل ظروف الاحتلال الوحشية من الصعب على المقاومة اللاعنفية أن تتنافس مع الحركات المُسلَّحة. وبطريقة ما، تحارب إسرائيل ظِل مشروعها الاستعماري.

وتحمل كل هذه الأمور أخبارًا سيئة للحكومة الإسرائيلية، التي تقاضي حملة استعمارية قديمة في ثقافة عالمية سريعة التغيُّر. وعلى مدى عقدين تعزَّزت روايتها الرسمية من خلال الخطاب الكاسح والقمعي للحرب العالمية على الإرهاب، التي وُصِفت فيها إسرائيل بلا هوادة على أنها دولة ديمقراطية صغيرة وملتزمة تدافع عن نفسها ضد الغضب الذي لا يمكن تفسيره لحركة إرهابية إسلاموية تحركها دوافع معادية للسامية.

Embed from Getty Images

وتردف الكاتبة قائلة: أشارت إحدى الصحف الإسرائيلية البارزة، في عام 2020، إلى أن العامل المُشتَرَك بين حركتي «حياة السود مهمة (Black Lives Matter)» و«أنا أيضًا (#MeToo)» هو الطريقة التي يتعرَّض من خلالها أصحاب البشرة السوداء والنساء للهيمنة على أجسادهم/أجسادهن على أيدي أشخاص آخرين. وهذا التركيز العالمي المتزايد على الطرق التي تتشكَّل بها التجربة الإنسانية من خلال العلاقات بين القوى يقلب السيناريو على نتنياهو، ويلفت الانتباه إلى الاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني الذي دام 54 عامًا.

ومع أن الرواية الإسرائيلية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) حظيت بجمهور يمكن الاستحواذ على انتباهه، يتمتع الفلسطينيون الآن بإمكانية الوصول إلى لغة اللحظة في ظل ركوع قوات الأمن الإسرائيلية المُفْرِطَة القوة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، على أعناق المحتجِّين السلميين ويرفع المتظاهرون لافتات تدمج بين قضيتهم والحرب العالمية التي تطالب بتحقيق العدالة العِرقية التي حفَّزَها مقتل جورج فلويد على يد ضابط شرطة أمريكي: إذ رفع أحد المحتجين على الهجوم الإسرائيلي على غزة لافتة مكتوب عليها «لا يمكننا أن نتنفس منذ عام 1948».

وفي نهاية مقالها تشير الكاتبة إلى أنه في ظل هذا الخطاب العالمي الناشئ، تُعد حياة الفلسطينيين مهمة بقدر أهمية حياة الإسرائيليين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد