كان أفيجدور ليبرمان السياسي، البالغ من العمر 61 عامًا، يمثّل الجناح اليميني الإسرائيلي عقودًا من الزمن، كما كان حليفًا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وهو مهاجر من الاتحاد السوفيتي السابق، رسم لنفسه صورة صقر متشدد وقوميٍّ متطرف. 

لكن في هذه الدورة الانتخابية – الثانية خلال ستة أشهر- أعاد ليبرمان صياغة صورته بطلًا لإسرائيل العلمانية، وحصنًا ضد المجتمع الأرثوذكسي المتطرف، أو الحريديم، الذي سيطر ممثلوه في عالم السياسة على القضايا السياسية المتعلقة بالدين والدولة فترة طويلة، على حد قول جوشوا ميتنيك، في تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي».

ساعد هذا الوضع حزبه، «إسرائيل بيتنا»، في استمالة أشخاص خارج دائرته الانتخابية التقليدية، المكونة من الإسرائيليين الناطقين بالروسية، بمن في ذلك الناخبون من الوسط، وحتى ذوو الميول اليسارية. 

وإذا ثبتت دقة استطلاعات الرأي، سيصبح ليبرمان على الأرجح صانع الملوك بمجرد فرز الأصوات الشهر المقبل؛ بما يتيح له تحديد ما إذا كان نتنياهو سيحصل على فترة رئاسة أخرى للوزراء، حسبما يخلُص المقال.

هدف ليبرمان الحقيقي.. رئاسة وزراء إسرائيل

قال ليبرمان إنه يعارض تشكيل ائتلاف يميني وديني ضيق، وهو النوع الذي يفضله نتنياهو (وليبرمان نفسه في الماضي). وتبادل الرجلان الانتقادات في الفترة التي سبقت التصويت يوم 17 سبتمبر (أيلول)، في ما أصبح التنافس الأعنف في الانتخابات. لكن بعض المحللين يعتقدون أن ما يريده ليبرمان حقًا هو: أن يكون نفسه رئيسًا للوزراء، وأنه اكتشف رسالة سياسية يمكن أن تُقَرِّبه من هذا الهدف.

«نحن ضد الإكراه الديني»؛ قالها ليبرمان مؤخرًا في فعاليةٍ انتخابيةٍ أمام حشدٍ من العلمانيين الإسرائيليين، في إحدى ضواحي تل أبيب. «نحن نؤمن بالحياة، والسماح للآخرين بالحياة».

Embed from Getty Images

ويرصد المقال تحوَّل ليبرمان، الذي بدأ بعد التصويت الأخير، في أبريل (نيسان)، عندما رفض الانضمام إلى ائتلاف نتنياهو، برغم الأغلبية المريحة للأحزاب اليمينية والأحزاب الدينية. وشكواه من أن نتنياهو كان مبالِغًا في الخضوع لأحزاب الحريديم السياسية بشأن مشروع إعفاءات طلاب المدارس الدينية الأرثوذكسية المتطرفة، وهي قضية مثيرة للجدل في بلدٍ يفرض التجنيد على من يبلغ 18 عامًا. 

رتب نتنياهو حل البرلمان الجديد في مايو (أيار) ودعا إلى انتخابات جديدة، مفتقرًا إلى الأغلبية البرلمانية، وخوفًا من نجاح نائب آخر في تشكيل ائتلاف. منذ ذلك الحين، انتقد ليبرمان تحالف نتنياهو مع أحزاب الحريديم، الذين يشير إليهم رئيس الوزراء بوصفهم شركاء «طبيعيين». وتحذر إعلانات حملته من أن إسرائيل أصبحت دولة دينية، وتتهم نتنياهو بتقديم امتيازات للسياسيين الأرثوذكس المتطرفين، بدلاً من إنفاق الأموال على الرعاية الاجتماعية، والنقل، والبنية التحتية، والرعاية الصحية.

ويشير الكاتب إلى أن المجالس الحاخامية الأرثوذكسية في إسرائيل تملي سياستها على قطاعات كبيرة من الحياة الشخصية، بما في ذلك الزواج والطلاق، والتحول لليهودية، والقوانين الغذائية، والخدمات العامة في يوم السبت اليهودي. هذا يثير المرارة لدى العلمانيين الإسرائيليين، ومن بينهم مئات الآلاف من الناطقين بالروسية، الذين لا تعترف المؤسسة الحاخامية بأنهم يهود.

استغلال ضعف نتنياهو السياسي

مع أن ليبرمان امتنع عن مهاجمة نتنياهو بخصوص اتهاماته بالفساد التي تلوح في الأفق – إذ واجه الوزير السابق هو الآخر قضية كسب غير مشروع قبل بضع سنوات- فإنه استغل ضعفه السياسي، وقال إنه سيدعم أي عضو برلماني يمكنه تشكيل ائتلاف علماني واسع للحكومة المقبلة. وقد عد هذا التعليق دعوة إلى حزب «أزرق أبيض» المعارض البارز، فضلًا عن السياسيين المتمردين داخل حزب الليكود، بزعامة نتنياهو، الذين ينتظرون أن يخلفوه. 

آتت الرسالة أُكُلها. إذ توقع استطلاع رأي أجرته القناة 13 في 15 أغسطس (آب) في إسرائيل أن يحصل حزب ليبرمان على 11 مقعدًا في البرلمان المؤلف من 120 عضوًا، مقابل خمسة مقاعد فاز بها في أبريل. وستحصل كتلة نتنياهو اليمينية والأحزاب الدينية على 56 مقعدًا، أي أقل بكثير من الحد الأدنى البالغ 61. وستحصل أحزاب يسار الوسط (بما فيها الأحزاب التي يهيمن عليها العرب) على 53 مقعدًا.

وقال داني أيالون، وهو عضو سابق من حزب ليبرمان: «[ليبرمان] يعتمد على أمرين: المشاعر المناهضة لـ بيبي (لقب نتنياهو) والمشاعر المناهضة للحريديم… لديه قدرة خارقة على قياس الرأي العام في أي وقت. هذه هي الطريقة التي يمكنه بها إعادة تقديم نفسه بطريقة مبتكرة في كل انتخابات».

ردّ نتنياهو بمهاجمة ليبرمان بصفته «يساريًّا»، وعقد العديد من الفعاليات البارزة في حضور الناخبين الناطقين بالروسية. وفي الوقت ذاته، اتهم نائب وزير الصحة، زعيم حزب التوراة اليهودي المتحد، يعقوب ليتزمان، ليبرمان بالتحريض على اليهود المتدينين والتوراة.

عقيدة ليبرمان السياسية

وُلِد ليبرمان في ما أصبح اليوم مولدوفا، وكان حارس بوابة نتنياهو السياسي، عندما تولى رئيس الوزراء الإسرائيلي السلطة أول مرة في التسعينيات. ثم انفصل عن الليكود لتأسيس حزب مستقل، «إسرائيل بيتنا»، مستفيدًا من دائرة انتخابية قوامها مليون مهاجر ناطق بالروسية. وفي انتخابات 2013، خاض حزبا «الليكود» و«إسرائيل بيتنا» الانتخابات جنبًا إلى جنب، لكنهما أحرزا نتائج متواضعة، وفي نهاية المطاف شق كل منهما طريقًا منفصلًا.

ويلفت المقال إلى أن ليبرمان معروف ببعض المواقف المستفزة، مستشهدًا بتهديده قبل بضع سنوات باغتيال أحد كبار قادة حماس وقصف مصر. ومن خلال إعادة تركيز رسالته من الانقسام على الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى الصراع المرير الذي تخوضه بلاده حول الدين والدولة، يوجه ليبرمان خطابه إلى الإسرائيليين في الوسط واليسار السياسي، بالإضافة إلى الجناح اليميني العلماني.

يقول جايل تالشير، محاضر العلوم السياسية في الجامعة العبرية: «ليبرمان أقرب بكثير إلى اليسار والوسط من الشركاء الطبيعيين لحكومة نتنياهو… من هذا المنظور، غيَّر المحور الأيديولوجي الذي تدور حوله معركة الانتخابات الإسرائيلية».

كشفت هذه الخطوة أيضًا عن وجود صدعٍ مُتجاهَل في صفوف اليمين الإسرائيلي: على الرغم من قوميتهم، لا يتشارك عدد كبير من الناخبين اليمينيين في الأصولية اليهودية، التي تتبناها الأحزاب في ائتلاف نتنياهو.

وبرغم بغضه للفلسطينيين، فإن ليبرمان لا يتشارك سياسة الصقور المتعلقة بالأراضي التي يتبناها صهاينة إسرائيل المتدينين. وعندما بدا وكأن إسرائيل تتجه نحو اتفاق سلام مع الفلسطينيين، في منتصف العقد الماضي، أثار ليبرمان جدلًا من خلال المطالبة بإعادة رسم حدود الضفة الغربية للتنازل عن المدن العربية الإسرائيلية إلى دولة فلسطينية، وضم المستوطنين اليهود. وقد عكس الموقف نظرة عالمية تعود إلى جذوره في الاتحاد السوفيتي.

معظم اليهود من الاتحاد السوفيتي السابق علمانيون للغاية. وبالنسبة له، الولاء للدولة مهم جدًّا. وحول هذا يقول جوناثان رينهولد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان: «لا يخدم الحريديم في الجيش، لذا فهم ليسوا قوميين جيدين- ويريدون التأثير في أساليب حياة [المهاجرين]… هو قادم من وسط أوروبا، وأي شخص من هذا الجزء من العالم ينظر إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية. وتجربته هي أن العرقيات المختلفة لا تتفق».

Embed from Getty Images

ليبرمان.. دب روسي أم حرباء إسرائيلية؟

يرى الخبراء أن جزءًا من حملة ليبرمان مدفوعة بالإِحَن مع نتنياهو، طوال السنوات التي أدى فيها دور الرجل الثاني خلف رئيس الوزراء الإسرائيلي. ويقول ناتان ساكس، مدير مركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكنجز: إن ليبرمان هو سيد سياسة حافة الهاوية السياسية، ويستمتع بجعل نتنياهو يتعرّق… إنه الشخص المتفرِّد في السياسة الإسرائيلية، الذي يزدهر في خضم الفوضى السياسية، وهو خير من يتلاعب بكلا الطرفين بعضهما ضد بعض».

لكن العديد من المراقبين يعتقدون أن ليبرمان يمكن أن يلين في نهاية المطاف، ويشارك في تحالف مع الأرثوذكس المتطرفين؛ إذا قرَّبه ذلك من هدفه المتمثل في أن يصبح رئيسًا للوزراء. وسبب ذلك أنه بعيد عن الأيديولوجيات المناهضة لرجال الدين، كما يقول الزملاء والخبراء السابقون. ففي العام الماضي، دعم مرشحًا لمنصب رئيس بلدية القدس يدعمه المتشددون الأرثوذكسيون، بدلًا من مرشح علماني. ولسنوات، شارك في الحكومات اليمينية إلى جانب الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة.

«يريد (ليبرمان) أن يعتقد الجميع أنه عنيف مثل دب روسي، لكن الكثير من الناس يقولون إنه مثل حرباء، إنه يعول على ذاكرة الجمهور القصيرة، وما يزال غامضًا للغاية. أي شيء معه ممكن»، كما يقول أيالون، المُشَرِّع السابق.

معركة «أصحاب السبت» في إسرائيل.. هل ينتصر الشيكل على التوراة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد