الداعون لحملة المقاطعة وعودة اللاجئين يخلقون أملًا زائفًا.

في أبريل (نيسان) الماضي تحدث الفيلسوف الأمريكي وعالم اللسانيات نعوم تشومسكي حديثًا مطولًا عن معارضته لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، قائلًا إن الدفاع عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لموطنهم في إسرائيل «ليس موقفًا أخلاقيًا».

فهو يعتقد أن الداعين لحملة المقاطعة وعودة اللاجئين يخلقون أملًا زائفًا، لأن أمرًا كهذا لن يحدث أبدًا، مضيفًا أن إسرائيل ستستخدم الأسلحة النووية لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، إذا ما تطلب الأمر:

«إذا كان هناك دعم جدي – لحق العودة – في أي وقت مضى، فإن إسرائيل ستبذل كل ما بوسعها لمنع ذلك، بما في ذلك استخدام الأسلحة النووية أو غيرها، لذا، فإن ذلك لن يحدث».

يقول الكاتب المحافظ التوجه، يُقال لنا باستمرار إن إيران وكوريا الشمالية لا يمكن الوثوق بهما لامتلاك قنبلة نووية؛ فماذا يخبرنا ذلك عن القيادة الإسرائيلية والمعتقدات السياسية بأن أبرز العلماء اليساريين في الولايات المتحدة الأمريكية يقولون إن إسرائيل ستستخدم الأسلحة النووية لمواجهة الضغط العالمي لأجل عودة اللاجئين؟

اقرأ أيضًا: «دير شبيجل»: المستوطنات قد تُفقد إسرائيل حليفتها التاريخية برلين

أجرى «دوج ريتشاردسون» – المدير التنفيذي للجمعية الأمريكية للجغرافيين – مقابلة مع «تشومسكي» في أبريل (نيسان) الماضي، وذلك عقب منح الجمعية الأمريكية للجغرافيين «تشومسكي» جائزة.

قام «فيليب ويس» بكتابة تعليقات «تشومسكي» من المحادثة كاملةً، ونشرها موقع «موندوويس»؛ لأن – على حد قوله – يعد «تشومسكي» زعيمًا أسطوريًا في الفكر اليساري، وذلك الموقف يتعارض مع حركة التضامن الفلسطينية.

أثار «ريتشاردسون» في الدقيقة 50 من المقابلة حملة المقاطعة قائلًا: «اقتبس عنك مؤخرًا في جريدة Chronicle of Higher Education – وقائع التعليم العالي، ومقرها واشنطن العاصمة، بالإشارة إلى أنك قد عارضت حملة المقاطعة (BDS)، بحجة أنها مبادرة فاشلة، فقد وصفت أغلب حركة المقاطعة بأنها تضر بالضحايا بشكل مضاعف، وذلك عن طريق صرف الانتباه عن محنتهم إلى قضايا أخرى، مثل معاداة السامية والحرية الأكاديمية، ومن خلال أيضًا تضييع الفرص في تحقيق شيء مفيد للضحايا».

وطلب «ريتشاردسون» من «تشومسكي» التوضيح، فأجاب:

عند الإشارة إلى المقاطعة، ينبغي ألا نغفل حقيقة أن – كما تعلمون جميعًا – هناك حركة مقاطعة هنا من بعض الجغرافيين المتميزين، والذين دعوا إلى مقاطعة الجمعية الأمريكية للجغرافيين احتجاجًا على اللوائح والإجراءات التي ترسيها إدارة ترامب.

ولعل حالة الكاتب البريطاني من أصل سوري الذي ذكرته من قبل هي مؤشر على ما يحدث، فتلك قضية ينبغي التفكير فيها، كيف ينبغي للجمعيات المهنية أن تتفاعل مع تلك الأمور، على سبيل المثال، هل ينبغي أن تعقد اجتماعات المجتمع المهني في الولايات المتحدة الأمريكية؟ إنه سؤال جدي، هل ينبغي أن تعقد في بلد حيث لا يُسمح لأشخاص قادمين من بلدان بعينها، بأن يأتوا بحرية؟ قبل سنوات، بدأت رابطة الدراسات الأمريكية اللاتينية في عقد مؤتمراتها في أماكن أخرى بسبب القيود المفروضة على العلماء الكوبيين. أعتقد أن أمورًا كهذه ينبغي التفكير فيها كلها.

والآن، حركة المقاطعة هي مسألة مختلفة، بداية وقبل كل شيء، علينا أن نميز بين تكتيكات المقاطعة وحركة المقاطعة، إذ يصادف أنهما أمران مختلفان. لَعبت تكتيكات المقاطعة من الجماعات المناضلة بشدة في سبيل مناهضة الاحتلال دورًا مهمًا للغاية في القضية الفلسطينية-الإسرائيلية، ُيذكر أنها بدأت بالفعل عام 1997 على يد مجموعة إسرائيلية: «غوش شالوم» ومجموعة «أوري أفنيري» – وهي جماعة معادية للاحتلال، ولا تزال.

اقترحت تلك المجموعات مقاطعة المستوطنات وسحب الاستثمارات من أي شيء يرتبط بالمستوطنات. وشاركت شخصيًا فيها – فهي حقيقة تشمل أنشطة مقاطعة وسحب الاستثمارات، لكن لا توجد هناك أي عقوبات حقيقية، فذلك أمر خاص بالدولة. لكنني لطالما كنت منخرطًا في تلك الأنشطة منذ أواخر التسعينيات حين انطلقت، مستهدفةً المستوطنات.

وتبرز هنا أسئلة أخرى، إن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والتي أنشئت عام 2005 لديها نهج مختلف، هنا نعني الحركة وليست التكتيكات. إذا قرأت قائمة مبادئهم فستجد أن منهجهم يدعو إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات من إسرائيل وفرض عقوبات على إسرائيل، ثم يلي ذلك قائمة طويلة من الشروط، والتي يدرك الجميع أن بعضها غير قابل للتحقيق إطلاقًا. على سبيل المثال، أحد تلك الشروط المنصوص عليها في القائمة التي تشبه تعاليم المسيحية هي عودة اللاجئين وفقًا للقانون الدولي.

حسنًا، بادئ ذي بدء، ولا أعني هنا الجزء الخاص بـ«وفقًا للقانون الدولي»، فتلك قضية منفصلة، إنما أعني عودة اللاجئين. تدبر كما تشاء في ذلك المطلب من الناحية الأخلاقية، لكن يدرك الجميع أن ذلك لن يحدث. ليس هناك دعم دولي لذلك. إذا كان هناك دعم جدي لحق العودة في أي وقت مضى، فإن إسرائيل ستبذل كل ما بوسعها لمنع ذلك، بما في ذلك استخدام الأسلحة النووية أو غيرها. لذا، فإن ذلك لن يحدث، والإدلاء بهذا الأمل أمام الناس الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين البائسة في لبنان والأردن ليست فكرة جيدة على الإطلاق، فضلًا عن أنها ليست موقفًا أخلاقيًا من وجهة نظري.

إذا أردنا أن يكون هناك أي تقدم كبير في الحقوق الفلسطينية؛ سيتطلب الأمر تغييرًا كبيرًا في الولايات المتحدة نفسها.

 

المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ليست مبدأ، إنما تكتيكات. كما كان الحال في جنوب أفريقيا، هي تكتيك. ومن منطلق أن التكتيكات يجب تصميمها بحيث تنصب آثارها الإيجابية على الضحايا، لا أن يتم تصميمها كي يشعر الشخص الذي صممها من الأساس بالرضا، فتلك ليست بطريقة لتصميم التكتيكات، على الأقل إذا كانت لديك ضروريات أخلاقية، ستسأل نفسك ما هو تأثيرها على الضحايا؟

وإذا ألقينا نظرة على سجل إنجازات تكتيكات المقاطعة وسحب الاستثمارات التي استهدفت المستوطنات فسنجد أن هناك سجلًا حافلًا بالنجاحات الكبيرة، نجاحات كبيرة حقًا. على سبيل المثال، تقول الكنيسة المشيخية – وهي منظمة كبيرة – إنها اتخذت مواقف قوية للغاية في سبيل سحب الاستثمارات والمقاطعة لأي شيء، وكل شيء ذي علاقة بالمستوطنات، لا سيما استهدافهم المؤسسات الأمريكية والشركات الأمريكية متعددة الجنسيات المنخرطة في أعمال في الأراضي المحتلة، وهو أمر مهم للغاية لأسباب تعليمية وأيضًا تكتيكية.

كان ذلك نجاحًا كبيرًا، وهناك نجاحات أخرى على غرار ذلك. وأظن أنها تكتيكات معقولة وجيدة للغاية، إضافة إلى اتخاذ الاتحاد الأوروبي بعض الخطوات في هذا الاتجاه، وكذلك دعت جماعات حقوق الإنسان مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية إلى خطوات مماثلة، إن كل ذلك يبدو منطقيًا للغاية من ناحية المبادئ، وأعتقد أنه فعال من الناحية التكتيكية، وينبغي أن تتجاوز ذلك.

إذا أردنا أن يكون هناك أي تقدم كبير في الحقوق الفلسطينية؛ فسيتطلب الأمر تغييرًا كبيرًا في الولايات المتحدة نفسها، وطالما استمرت الولايات المتحدة الأمريكية – كما هو الحال منذ عقود – في تقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري، بل وحتى الأيديولوجي لمشروعات المستوطنات الإسرائيلية، فإنها لن تنتهي. هم ربما يستخدمون كلمات ومصطلحات مختلفة، لكنهم لن يتوقفوا، وسيستمرون.

اقرأ أيضًا: مترجم: الحاخام برانت روسن: لهذه الأسباب أدعم حق العودة الفلسطيني

لا يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية فعل ذلك، ويمكن للمواطنين الأمريكيين منع ذلك، وحقيقةً، أظن أن أحد التكتيكات الحرجة التي يجب السعي لتحقيقها، والتي لطالما دعوت لها على مر السنوات، هي ببساطة تطبيق القانون الأمريكي، إذ يحظر القانون الأمريكي – بموجب تعديل ليهي – تقديم أي مساعدات لأي وحدة عسكرية أو مجموعة متورطة في انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان، حسنًا، لست بحاجة إلى الخوض في السجلات، لكن أي شخص ينظر للحرب في غزة، وما يحدث في الضفة الغربية، ولبنان أيضًا، لن يكون لديه أي شك في أن الجيش الإسرائيلي تورط بالفعل في انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. لذا، فإنه بموجب القانون الأمريكي يجب أن نلغي المساعدات الأمريكية لإسرائيل، إن تحركًا في هذا الاتجاه من شأنه أن يُحدث آثارًا ملموسة، بل وآثارًا مهمة للغاية، فهي تشبه إلى حد ما قضية بيرني ساندرز أو الصحافة – صعود وسائل الإعلام البديلة.

 

هناك العديد من الأشياء يمكننا فعلها إذا تدبرت الأمر، وسألت ما هي العواقب، وما الاحتمالات والفرص، ومن ثم تسعى لتحقيقها بشكل جاد، وليس لأن شيئًا ما يُولد لديك شعورًا جيدًا، لكن لأنه مفيد للضحايا. يجب أن يحتل هذا السؤال الصدارة، في كل وقت.

 

يقول الكاتب إن اليسار سيكون له ردود عديدة على تلك الإجابة من جانب «تشومسكي». ومن جهته، يود الكاتب أن يشير إلى أن «تشومسكي» الذي يبلغ الآن من العمر 88 عامًا، يبدي في تلك المقابلة مجموعة من المواقف تجمع بين الليبرالية والمحافظة، على سبيل المثال، هو أيد سير سرد التاريخ الأمريكي الحديث في الاحتفال بحركة الحقوق المدنية، وتراجع عن معاداة السامية، فضلًا عن إشادته بقدرة الطلاب الآن على قراءة حقيقة طبيعة العبودية الأمريكية، وإبادة الأمريكيين الأصليين، وهو تاريخ – على حد قوله – لم يُدَرَّس في الستينيات من القرن الماضي، يقول «أصبح ممكنًا الآن.. معرفة ما حدث حقيقة»، مضيفًا أن الأمريكيين أصبحوا مجتمعًا أكثر تحضرًا نتيجة لذلك.

علاوة على ذلك يرى الكاتب أن تعليقات «تشومسكي» حول دور الجيش في تعزيز شبكة الإنترنت، واستخدام الإنترنت في تعزيز الصحافة البديلة، مثل «غلين غرينوالد» و«إيمي غودمان»، كان أيضًا سردًا تقدميًا، كما أشار الكاتب إلى أن إدارة «تشومسكي» الخاصة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كانت بؤرة لتنظيم مناهضة حرب فيتنام خلال الستينيات، وذلك على الرغم من أنها استقطبت الكثير من تمويلها من البنتاغون، لكن يؤكد الكاتب أنه أمر يستحيل تخيله خاصة في سياقٍ حيث يتواجد اللوبي الإسرائيلي في الحرم الجامعي. وينهي الكاتب مقاله بأن تعليق «تشومسكي» على حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات صدمَهُ باعتباره محافظًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات