اعتاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو – في أوقات الاضطرار السياسي – التحريض بصخبٍ وصراحةٍ ضد «عرب 48» الذين يمثلون 20% من سكان إسرائيل، ويتألَّفون من السكان الأصليين الفلسطينيين.

في مقابل ذلك يؤكد ماتان كامينر – وهو عالم أنثروبولوجيا يبحث في هجرة اليد العاملة من تايلاند إلى القطاع الزراعي في إسرائيل وعضو مؤسس في منظمة «أكاديميون من أجل المساواة» الإسرائيلية – أن الانتخابات الإسرائيلية العامة الثانية هذا العام أظهرت بشكل أوضح من أي وقت مضى أن أهم قوة معارضة في البلاد هي: الأقلية الفلسطينية.

واسترجع الكاتب – في مقاله المنشور بمجلة «جاكوبين» الأمريكية – يوم إجراء الانتخابات الإسرائيلية العامة عام 2015، حين ألهب نتنياهو جمهور اليمين المتطرف بإعلانه على وسائل التواصل الاجتماعي أن «العرب يتدفقون على صناديق الاقتراع في حافلات»، كما لو أن مشاركتهم تُشَكِّل خطرًا على الديمقراطية، وليس إسهامًا في تحقيقها.

وخلال الفترة التي سبقت الانتخابات غير الحاسمة التي أُجريت هذا الربيع، اتهم نتنياهو منافسه بيني جانتس بالتخطيط لضم «الأحزاب العربية» في ائتلاف، وسرعان ما نفى جانتس هذا الاتهام، وحرص على عدم ترك أي منفذ ضوء سياسي بينه وبين حزب الليكود بزعامة نتنياهو، مع التركيز في حملته الانتخابية على الفساد الشخصي للأخير.

وكما كان متوقعًا، قبل أيام قليلة من إجراء الانتخابات، تمكَّن حزب الليكود من الحصول على أمر قضائي ضد محاولة توفير مواصلات لنقل الفلسطينيين البدو المحرومين بشدة في جنوب إسرائيل إلى مراكز الاقتراع، وقضى نتنياهو مجددًا يوم الانتخابات محذرًا بشكل مخيف – وغير قانوني – من خطر إقبال «عرب 48» الكبير.

«أنت عربي إذًا أنت مضطهد».. أبرز مظاهر العنصرية ضد العرب في التعليم الإسرائيلي

مناورات نتنياهو تأتي بنتائج عكسية

هذه المرة، يبدو أن المناورة قد أدت إلى نتائج عكسية. قاعدة نتنياهو الانتخابية – التي ربما سئمت من تمسّكه المثير للإحباط بالسلطة على الرغم من تزايد تحقيقات الفساد ضده – التزمت المنازل بأعداد كبيرة؛ مما جعل حزب بيني جانتس «أزرق أبيض» يفوز بأعلى الأصوات، ويحصد 33 مقعدًا – مقارنةً بحزب «الليكود» الذي حصل على 31 مقعدًا – من إجمالي المقاعد البالغ عددها 120 في الكنيست.

غير أن هذا الأكثرية لا تضمن لجانتس رئاسة الوزراء، ونظرًا لأن كلًّا من كتلته «يسار الوسط» (التي تضم «العمل» و«ميرتس»)، وكتلة «اليمين الديني» لنتنياهو (وتضم «يمينة» اليميني المتطرف، و«شاس» الأرثوذكسي المتطرف، و«يهودية التوراة») لا تحظى أي منهما بالأغلبية، فإن البلاد تخوض جولة طويلة من المساومة التي لا يمكن حلها سوى بإجراء انتخابات أخرى، وفقًا للمجلة.

كما أدى تحريض نتنياهو العنصري إلى نتائج عكسية بطريقة قد تكون لها آثار أكثر عمقًا على المدى الطويل على السياسة الإسرائيلية. لقد انهارت الأحزاب الأربعة ذات الأغلبية الفلسطينية التي اتّحدت في عام 2015 لتشكيل «القائمة المشتركة» – جبهة وطنية لليساريين، والإسلاميين، والليبراليين، والقادة المحليين – قبل الانتخابات السابقة بعد عامين من المشاحنات غير الأيديولوجية المحرجة، وعوقبت على النحو الواجب من الناخبين، بخسارة ثلاثة مقاعد.

ومنحت إعادة الانتخابات الإسرائيلية للأحزاب فرصة للعمل معًا، وبإعادة توحيدها تمكّنت «القائمة المشتركة» من مضاهاة إنجازها السابق والوصول إلى 13 مقعدًا؛ ما يجعلها ثالث أكبر قوة في الكنيست.

الزعيم القادم للمعارضة

قد يكون رئيس «القائمة المشتركة» أيمن عودة أو لا يكون رسميًا هو الزعيم القادم للمعارضة، بناءً على كيف ستسير محادثات الائتلاف.

ومن الناحية العملية – مع ذلك – فقد تولى عودة بالفعل هذا الدور، وجزئيًا، يُعد هذا انتصارًا افتراضيًا، نتيجة للانهيار التام لأحزاب «اليسار الصهيوني» و«العمل» و«ميرتس»، التي هبطت من 36 مقعدًا مجتمعةً قبل 20 عامًا إلى 12 مقعدًا في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.

Embed from Getty Images

وبدءًا من الانتفاضة الفلسطينية الثانية (في الفترة من 2000 إلى 2004)، تخلت الطبقة المتوسطة – ومعظمها من اليهود الأشكناز (من أصل أوروبي) والعلمانيين – عن هذه الأحزاب بأعداد كبيرة لصالح أحزاب الوسط ذات النزعة العسكرية والليبرالية الجديدة والمعارضة للدين، والتي يُعتبر «أزرق أبيض» أحدثها.

ومع ذلك أصبحت «القائمة المشتركة» – تحت رئاسة أيمن عودة – شيئًا فشيئًا أيضًا وجهًا لقوة سياسية موحَّدة ونشطة حديثة، وهم المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل.

ويُعد «عرب 48» أقليةً محاصرةً تواجه التمييز والتهميش والفقر، ولكنها أيضًا تُوصم أحيانًا في العالمين الفلسطيني والعربي بأنها مجموعة من المتعاونين أو «عرب الكريمات»، بحسب المجلة.

وترى بعض القوى السياسية داخل الأقلية – من بينهم يساريون وإسلاميون – إسرائيل على أنها دولة غير شرعية، وتقاطع الانتخابات عادةً، بينما يرى آخرون – بمن فيهم رئيس بلدية أكبر مدن فلسطين في إسرائيل «الناصرة» – أن القيادة السائدة مهتمة جدًا بالاحتلال، وترغب في أن يركز قادة المجتمع على القضايا الداخلية.

وبين هذين القطبين، تمكَّن أيمن عودة من رسم مسار يحافظ على التزام «القائمة المشتركة» تجاه الشعب الفلسطيني بشكل عام وإنهاء الاحتلال بشكل خاص، مع مطالبة بنصيب الأقلية في كعكة القوة السياسية والاقتصادية داخل إسرائيل، بما في ذلك الاستعداد – من حيث المبدأ – للدخول في مفاوضات بشأن الانضمام إلى حكومة ائتلافية.

وفي الوقت الراهن يظل هذا الاحتمال افتراضيًا تمامًا، حيث إن حزب «أزرق أبيض» لا يرغب في تلبية مطالب «القائمة المشتركة»، والتي تشمل إلغاء «قانون الدولة القومية» الأخير الذي يقنِّن التمييز الذي يعاني منه المواطنون الفلسطينيون، والدخول في مفاوضات فورية لإنهاء الاحتلال بناءً على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

غير أن أحزاب اليسار الصهيوني المنكمشة – التي تجاهلت «الأحزاب العربية» لفترة طويلة – بدأت أخيرًا في التعامل مع أيمن عودة باعتباره ملائمًا كقائد فصيل أكبر بكثير، على حد قول المجلة.

فرصة لإعادة الاصطفاف

بشكل ملحوظ، تدل المؤشرات المبكرة أيضًا على أن حوالي 18 ألف يهودي صوتوا لصالح «القائمة المشتركة» الأسبوع الماضي – وهي أقلية ضئيلة تعادل أقل من نصف مقاعد الكنيست ولكنه ترتيب أكبر من أي انتخابات سابقة – كما تشير إلى أن الزيادة في المستقبل ممكنة جدًا. والأمر الأكثر أهمية من الناحية الانتخابية هو الاحتياطي الضخم للفلسطينيين الذين لا يصوتون بدافع اللامبالاة وليس على أساس الأيديولوجية، والذين يمكنهم بسهولة الحصول على «قائمة مشتركة» نشطة بأربعة أو خمسة مقاعد إضافية.

وعلى المدى البعيد، سيتطلب أي أمل في إنهاء الاستعمار السلمي والديمقراطي لفلسطين إقناع أغلبية النظام الإسرائيلي بضرورة السلام. وفي السنوات الأخيرة، بدأ هذا الاحتمال يخفت ويتلاشى، لكن انهيار «اليسار الصهيوني» وصعود «القائمة المشتركة» يمكن أن يمثلا فرصة جديدة لإعادة الاصطفاف.

واختتمت المجلة قائلةً: إن اليسار الذي يتجمع حول الأقلية الفلسطينية، والذي يركز مطالبه بصفته جزء من الشعب الفلسطيني وديموغرافي من الطبقة العاملة، وبصفته جزءًا فعَّالًا من النظام السياسي الإسرائيلي، يمكن أن يكون بدايةً لشيء جوهري. وتُعتبر «القائمة المشتركة» هي تلك البداية، وتستحق الاهتمام والتضامن على حد سواء.

مناضلون أم «شهود زور».. ماذا يعني أن تكون عضوًا عربيًّا في الكنيست؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات