في الشهور الماضية وفي شهر مايو (أيّار) تحديدًا تصاعدت مسيرات العودة عالميًا، وبشكل خاص في فلسطين بقطاع غزة، حيث خرجَ آلاف الغزيين نحو الحدود المتماسّة مع الأراضي المحتلّة. جذبَ قتلُ المدنيين السلميين عيون الإعلام العالمي لتسلّط الضوء على ما يحدث، وبدأت حربٌ إعلاميّة على مستوى جديد.

في هذا التقرير الذي نشره موقع صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، تستعرضُ نوجا تانوبلوسكي، وهي صحافيّة تُقيم في القدس، نجاحات وإخفاقات إسرائيل في حرب العلاقات العامة دوليًا لتحسين صورتها، وتُقدّم – مستعينةً بخبرتها في الصراع الفلسطيني الإسرائيليّ – نظرة جيّدة على إدارة إسرائيل لأزماتها الإعلاميّة.

سياسات سيئة

تبدأ نوجا بفيلم «الملك بيبي»، وهو وثائقيٌّ يتتبع 40 عامًا من الحياة العامة لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، من خلال ظهوره في الإعلام. عُرض الوثائقيّ مرتين نفذت فيهما تذاكر العرض في «مهرجان القدس للأفلام». تجارةٌ سهلة! فالإسرائيليون مهووسون بالإعلام وبرئيس وزرائهم – طويل الخدمة – الذي يشتهر بكره الإعلام وبقدرته الساحرة على التواصل.

يشير الفيلم إلى أنّه وقبل صعود ترامب رئيسًا للولايات المتحدة بـ20 عامًا «أدرك نتنياهو المنافع السياسية من التواصل المباشر مع الجمهور، ومن علاقة مسمّمة بالإعلام». لمنافع هذا السلوك منافع محليّة لها حدودها. تُرى إسرائيل كمجتمع مجزّأ يُكافح للبقاء في إقليمٍ مُعادٍ لها. والآن تُوصف أحيانًا كقوّة احتلال وحشيّة ومجتمع ظالم في الولايات المتحدة وأوروبا، خاصةً من اليسار.

ومن داخل إسرائيل يأتي نقدٌ يساري يُجادل بأن هذه المشاكل تنبعُ من سياسات سيئة لا يمكن لأي جهد في العلاقات العامة أن يسترها. أما نُقَّاد اليمين فيُصرون على أنّ التغطية الإعلامية الأجنبية – حوالي 500 مراسل أجنبي في إسرائيل – مُتأصلة التحيّز ضد إسرائيل. مراسل «الأسوشيتد برس» في القدس، ماتي فريدمان، يقول: «حتى لو كان لدى إسرائيل ألف ناطقٍ باسمها من خريجي أكسفورد حسني المظهر النَبهاء والمهنيين طوالَ الوقت، فلن يتغيّر الأمر كثيرًا».

تستعرضُ نوجا أسماء عديدةً لعاملين في قطاع الإعلام والاتصالات في الحكومة الإسرائيلية، أمثال مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق في الولايات المتحدة، الذي كتبَ في أواخر يوليو (تمّوز) أن سوء تعامل إسرائيل مع الإعلام يمثّل أوضح فشلٍ في سياسات إسرائيل تجاه قطاع غزّة الذي تحكمه حركة «حماس»، أورين، العضو في البرلمان الإسرائيلي منذ 2015، شكّك في وجود فريق إسرائيلي محترف مسؤول عن التواصل: «ليس هنالك أية جهة لتُنظّم، وتُشرف على هذه النشاطات المختلفة، نشاطات التواصل». ولكن الفريد في هذه الملاحظة أن أورين خدمَ في العامَين الماضيين مع نتنياهو نائبًا لوزير الدبلوماسية العامة.

بل أبعد من ذلك: توجد «مديرية المعلومات الوطنيّة»، وهي وِحدة تعمل تحت مكتب رئيس الوزراء مسؤولةٌ عن تنظيم «أنشطة الدبلوماسية العامة لأجهزة الحكومة المختلفة في الشؤون الخارجية والأمنية». ورغمَ ذلك فالشعور العام عند الحديث عن الإعلام: لا أحدَ مسؤول. ومسؤول هذه المديرية، ياردن فاتيكاي، لا يتفاعل مع وسائل الإعلام أو الجمهور. (مُحافظًا على صورته هذه رفضَ أن يعلّق على هذا التقرير).

شالوم ليبنر، سياسيّ قديم عملَ 26 عامًا في مكتب رئاسة الوزراء، ويعملُ حاليًا كزميل باحث غير مقيم في مركز بروكينجز، يصفُ «مقاعد المتحدثين الرسميين باسم إسرائيل فارغة إلى حد كبير. أرضٌ قاحلة». أما شير كوهين سكرتيرة نتنياهو الإعلاميّة، فليس لها حضورٌ عام. ديفيد كييس، مستشار الإعلام الأجنبي لرئيس الوزراء ومولودٌ في لوس أنجلوس في الولايات المتحدة، كان معروفًا بعبقريته في نشاط الإنترنت – Online activism – قبل تعيينه عام 2016.

استراتيجية نتنياهو: لا تواصل مع الإعلام

ينال كييس المدح والتأنيب لاستراتيجيته التي وضعها لنتنياهو قائمةً على التفاعل مع الجمهور بشكل حصري من خلال مقاطع الفيديو التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. ييغال بالمور، مدير الشؤون العامة في الوكالة اليهودية ومتحدث سابق باسم الخارجية الإسرائيليّة، يرى أن «الحكومة الإسرائيلية أعطت الأولوية للطريقة الرقميّة للاتصالات»، ووصفَ هذه الاستراتيجية المبنية على وسائل التواصل الاجتماعي بالمعيبة بشكل «لا يُغتفر». أما كييس فيُدافع عن الاستراتيجية قائلًا: إنَّ «رئيس الوزراء، نتنياهو، يستعملُ تقنيات فاعلة ليظهر حقيقة إسرائيل لجمهور أكبر عالميًا. شاهدَ سلاسل مقاطعه الصغيرة على الإنترنت عشرات الملايين من الناس»، والنتائج «مُلهمة ولا تصدق».

تبدو الاستراتيجية على أقلّ وصفٍ غير منطقيّة – بحسب التقرير – في أواخر يوليو بعد يومٍ من مقتل ثلاثة فلسطينيين على حدود غزة في صدامات حدودية مع تصاعد الاحتجاجات ضد القانون الإسرائيلي المُشكِل عن الدولة القوميّة. بعد يوم من كل ذلك نشرَ نتنياهو مقطعًا يتحدث فيه عن فتاة إيرانية مُضطهدة، فتاة مُتخيّلة، طالبة مدرسة اسمها فاطمة. «إنها قصة صعبة»، هكذا يبدأ نتنياهو المقطع من مكتبه في رئاسة الوزراء: «ولكن عليك سماعها». شُوهد المقطع على «فيسبوك» و«تويتر» قرابة 200 ألف مرة، ولكن يصعبُ قياس أثره في نقل رواية إسرائيل للعالم. في الوقت الذي يتصاعد فيه حذر الحكومات الغربية من خوارزميات فيسبوك، تتجهُ دولة إسرائيل نحوه، ووفقًا لجميع متحدثيها الرسميين فإنها تقيّم النجاح النسبي لاستراتيجيتها بالاعتماد على معايير فيسبوك للتحليل.

تشير الكاتبة إلى ما قاله أودي سيجال، المراسل السياسي المخضرم والمذيع التلفزيوني، صراحة: «لا يوجد مهنيّون مسؤولون عن اتصالات نتنياهو». وفي غياب للنسخة الإسرائيلية من سارة ساندرز (السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض) يظهر العميد الجنرال رونين مانليس كوجه إسرائيل الذي تُظهره للعالم، أو لا تفعل.

قُتل 60 فلسطينيًا في 14 مايو في مصادمات غزة الحدوديّة. وفي الجهة الأخرى في القدس، في نفس التوقيت تقريبًا افتُتحت السفارة الأمريكية بفرح غامر. لم يعلّق الجيش الإسرائيليّ على «القتلى»، ونشر بعض التغريدات الاحتفالية بافتتاح السفارة كإنجاز دبلوماسي طالَ سعي نتنياهو لتحقيقه. ثمَّ في 15 مايو بعد أن غطت وسائل الإعلام حول العالم أحداث العنف على الحدود أصدرَ الجيش بيانًا مقتضبًا يُعلن دون أي تفاصيل إضافية أنَّ «تحقيقات تُظهر أنَّ 24 إرهابيًا -على الأقل – بخلفية إرهابية موثّقة قُتلوا في أحداث الشغب العنيفة».

تذكرُ نوجا أنه لم يسمح للصحافيين بالتواجد في الجانب الإسرائيلي، ولربما شهدَ أحدهم عنف المُحتجين الذي تزعمه إسرائيل. اعتُبر مانليس مسؤولًا عما أسماه البعض «فشل علاقات عامة».

رون بن يشاي كاتب مميّز في صحيفة «يديعوت أحرونوت» يصفُ تأخّر الجيش في إصدار تصريح حول أحداث غزّة بأنه تأخيرٌ مُعجزٌ تفسيره. بالمور يقول: «الأمر أعقد من ذلك، إنهم يتحدثون بلغة إسرائيليّة مُفترضينَ أن العالم يمكنه استيعاب الأفكار المألوفة للإسرائيليين. فمثلًا لمَ قول (سياج غزّة)، لمَ لا تسمى بما هي عليه، كحدود دوليّة؟ ما الذي سيخطر في بال أمريكي عند سماعه لكلمة سياج؟» ويُجادل آخرون بأنَّ مسؤولية تمثيل واقع إسرائيل المعقد للعالم لا تقع على عاتق الجيش.

Embed from Getty Images

قنابل الغاز المسيّل للدموع تتساقط على المحتجين في الجانب الفلسطينيّ يومَ افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، 14 مايو 2018.

بعدَ مؤتمر صحافي واجهَ مانليس وابلًا من الأسئلة، قال باراك رافيد مراسل القناة الإسرائيلية «العاشرة»: إن قادة إسرائيل «يرسلون الجيش لمعالجة قضايا مدنيّة في المقام الأول».

مانليس، ضابطُ مخابرات رفيع المستوى وقريب من رئيس الأركان، ليس لديه أي خبرة سابقة في التعاطي مع وسائل الإعلام قالَ في مقابلته مع صحيفة «التايمز» أنّ مهمته توضيح «كيف ينفّذ الجيش الأوامر التي يتلقاها من الحكومة، لا توضيح سياسات الحكومة»، ومع ذلك يعتقدُ أن إسرائيل تُحقق أهدافها الدبلوماسية العامة. ومثلَ كييس يرى مانليس ما تحققه إسرائيل في إعلامها الرقمي «ممتازًا».

وتنقل الكاتبة ما يقوله مانليس: «من ناحية الوعي العام وإيصال رسائل إسرائيل، حققنا نجاحًا مشهودًا»، وعزا «الطريقة التي ينظر بها الجمهور للأحداث في إسرائيل، وغزة، والعالم العربي، وأجزاء من العالم الغربيّ» إلى «نطاق الوصول الواسع من خلال الإعلام التقليدي وحسابات «جيش الدفاع الإسرائيلي» على المنصات الرقمية. نحنُ نوصل رسالتنا مباشرةً إلى الجمهور، يأخذونها منّا مباشرة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد