نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية، تقييمًا للفوضى السياسية في إسرائيل وعلاقتها بـإيران، هو جزء من سلسلة تحليلات تدعم توقعات المركز السنوية لعام 2020، وتوفر إطلالة متعمقة على التطورات الرئيسية المرتقبة خلال ربع السنة القادمة وبقية العام.

ذكر المركز أن «الصخب السياسي الذي شهدته إسرائيل في العام الماضي لم يؤدِ إلى ظهور أي علامات على التراجع في عام 2020. وقد فشلت جولتان من الانتخابات في تشكيل حكومة قابلة للاستمرار. والآن، يرفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ فترة طويلة التنحي بعد توجيه اتهامات له في قضايا فساد. وفي هذا الفراغ من السلطة، تمضي السياسات الراديكالية في طريقها نحو الصدارة أكثر فأكثر؛ إذ تتنافس أحزاب المعارضة اليمينية وأحزاب الوسط على التصويت اللازم لتشكيل الحكومة».

واستدرك التقييم قائلًا: «في الوقت الذي يبدو فيه أن الإسرائيليين منقسمون سياسيًّا وثقافيًّا أكثر من أي وقت مضى، يظل تهديد إيران الوجوديّ المتصوَّر وبرنامجها النووي قوة مُوحِّدة في أوساط الناخبين. لذلك، وبغض النظر عن الحكومة التي ستُشَكَّل في نهاية المطاف، يظل تركيز الأمن الإقليمي لإسرائيل مُنصبًا على طهران إلى حد كبير، حتى وإن ظل وضعها السياسي في الداخل في حالة من الفوضى».

قلب السياسة الإسرائيلية رأسًا على عقب

وتابع التقييم موضحًا أن السياسة الإسرائيلية سعت تاريخيًّا إلى مد الجسور بين الطيف السياسي التقليدي من اليسار إلى اليمين، وذلك من خلال الوسطيين ذوي التفكير الاقتصادي الذين حاولوا سد الفجوة بين هذه التيارات دوريًا. لكن الديموغرافيا والأيديولوجيات الإسرائيلية المتغيرة أزالت هذا التوازن منذ ذلك الحين. وأصبح اليسار الأكثر ليبرالية على الصعيدَيْن الاجتماعي والاقتصادي في البلاد أصغر بكثير وأقل تنظيمًا مما كان عليه في السابق.

Embed from Getty Images

ومنذ ذلك الحين، تحول الوصيّ الذي كان يهيمن على اليسار، حزب العمل، إلى طرفٍ ثانويّ في محادثات الائتلاف الجارية، في الوقت الذي يفتقر فيه ائتلافه من الأحزاب العربية إلى الوحدة اللازمة ليكون قوة سياسية كبرى.

وأردف التقييم قائلًا إنه «منذ ما يقرب من عِقْد من الزمان، استغل نتنياهو وحزبه الليكود الحاكم التأثير المتراجع لليسار للحفاظ على ائتلافات ضعيفة ولكنها قابلة للاستمرار بين الفصائل الدينية والعلمانية من الأحزاب اليمينية. ومع ذلك، تتلاشى العلاقات التي تربط هذه المجموعات معًا بسرعة. وأدى نمو الكتلة التصويتية لليهودية الأرثوذكسية المتطرفة إلى تقوية اليمين الديني في السنوات الأخيرة. لكن لا يزال اليمين العلماني يمثل قوة سياسية فاعلة ذات وجهات نظر عالمية غالبًا ما تتعارض تمامًا مع نظرائهم الدينيين الأكثر تشددًا».

ونظرًا لانقسام اليمين على طول هذه الخطوط، أصبح حزب إسرائيل بيتنا العلماني هو الصوت الإسرائيلي المتأرجح الجديد، مما أجبر السياسيين على تجميع مجموعات أيديولوجية غير عادية لإنهاء فراغ السلطة الحالي. وسعيًا لإرضاء هؤلاء الناخبين القوميين ذوي الميول الأمنية، يبشر حزب الليكود الحاكم ومنافسه الرئيسي، تحالف أزرق أبيض الوسطي، بأحلام طال أمدها، مثل ضم أجزاء من الضفة الغربية رسميًّا. كما ألمح الطرفان إلى أنهما سيتخذان موقفًا أكثر تشددًا ضد أعمال العنف الضارية التي تندلع في قطاع غزة».

ردود الفعل الداخلية

واستدرك التقرير أنه على الرغم من محاولات الليكود وتحالف أزرق أبيض جذب الناخبين العلمانيين إلى جانبهم، لم يتمكن أي منهما من تأمين الدعم الكافي لتشكيل حكومة ائتلافية؛ مما يعني أنه يمكن أن تشهد إسرائيل إجراء انتخابات أخرى في الأشهر المقبلة. لكن حتى لو كان من الممكن تشكيل ائتلاف قبل ذلك، فإن المناخ السياسي الحالي سيستمر في تعويق الحكومة الإسرائيلية طوال عام 2020.

ونظرًا لضعف اليسار وانقسامه اللذين أديا إلى عدم قدرته على المواجهة القابلة للاستمرار؛ يمكن أن يهدم اليمين العلماني عمليًّا أي حكومة إسرائيلية مستقبلية لا ترد بحزم على غزة أو تقاوم المطالب اليمينية الأخرى، مثل ضم الضفة الغربية. والحاجة إلى التصويت على المستوى الوطني تعني أيضًا أن تحفيز الزعماء السياسيين الإسرائيليين سيتواصل لدفعهم نحو حل الدولة الواحدة مع الفلسطينيين وتبني استراتيجية متشددة في غزة.

كل الأنظار لا تزال مسلطة على إيران

وأضاف التقييم: «نظرًا لأنه يُنْظَر إلى القضاء في البلاد منذ فترة طويلة باعتباره حجر الزاوية لمطالب السياسة الخاصة بها؛ سيستفيد اليمين العلماني من الاشتباك السياسي الحالي للضغط على حلفائه في الائتلاف للتقليل من سلطات المحكمة العليا الإسرائيلية الخاصة بالمراجعة القضائية. وطالما بقي نتنياهو في السلطة، فإن اليمين سيحاول إيجاد طريقة لحمايته من تهم الفساد القضائية. ومع ذلك، فإن مثل هذه الإجراءات سوف تحجب سيادة القانون في إسرائيل وتدعو السياسيين في المستقبل لمحاولة القيام بالشيء ذاته لمصلحتهم الخاصة، ما سيؤدي إلى إغراق إسرائيل في حالة من عدم اليقين السياسي».

Embed from Getty Images

وتابع التقييم: «لكن حتى عندما تخرج إسرائيل من هذا المستنقع، ستظل استراتيجيتها المعادية لإيران على هذا النحو دون تغيير. فخلال العام الماضي، لم يواصل الجيش الإسرائيلي هجماته ضد إيران في سوريا فحسب، بل وسَّع تلك الهجمات لتشمل العراق، بموازاة تجديد العمل في لبنان. واتُّخِذَت قرارات تكثيف الجهود في العراق ولبنان، على وجه الخصوص، خلال فصل الصيف، عندما كان لدى إسرائيل حكومة انتقالية ولا يوجد وزير دفاع مستقل، مما يثبت قدرة الجيش الإسرائيلي على الضغط على طهران رغم الفوضى السياسية في الداخل».

لذلك فإن حكومة إسرائيل المقبلة، رغم ضعفها السياسي، ستمتلك تفويضًا قويًا لضرب إيران وحلفائها وقتما يرى قادتها أن ذلك مناسبًا. وأظهر الناخبون الإسرائيليون مرارًا أنهم على استعداد لاستيعاب أي رد فعل ديناميكي لهذه الإستراتيجية المتشددة ضد إيران دون معاقبة الحكومة التي في السلطة.

في الواقع، يدعم الإسرائيليون على نطاق واسع استراتيجية العقوبات الأمريكية ضد طهران وخيار ضرب إيران إذا اقتربت من تطوير سلاح نووي. ومع تراجع إيران بثبات عن التزاماتها في خطة العمل الشاملة المشتركة (الصفقة النووية)، فإن هناك في الواقع فرصة متزايدة أن تختار إسرائيل شن هذه الضربة.

وأضاف التقييم أن «الولايات المتحدة أبدت مقاومة واضحة لتصعيد صراعها مع إيران إلى مستوى العمل العسكري. وهذا بدوره سيترك لحكومة إسرائيل القادمة تقرير حتى متى ستظل مكتوفة الأيدي بينما تكثف إيران أنشطتها النووية تدريجيًّا. وسيراقب الزعماء الإسرائيليون عن كثب التطورات المؤدية إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020. وإذا كان من المحتمل أن يصل مرشح رئاسي إلى البيت الأبيض يفضل طريقة تعامل أكثر ليونة مع إيران، فربما تقرر إسرائيل تسريع جدولها العسكري استباقيًا ضد برنامج إيران النووي، بينما لا تزال طهران بعيدة عن تطوير مثل هذا السلاح».

وفي الختام ذكر التقييم أن «الوتيرة المُتصوَّرة لتطوير الأسلحة النووية الإيرانية ستحدد السلوك الإقليمي الذي ستتبعه إسرائيل في الغالب خلال عام 2020. وفي هذه الأثناء، سيواصل المناخ السياسي المضطرب في إسرائيل اختبار قوة مؤسساتها الديمقراطية في الداخل؛ بينما تتدافع مختلف الأحزاب لملء المنصب الشاغر في الحكومة».

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
رغم أن خامنئي نجح في إخمادها.. 5 أشياء غيرتها احتجاجات إيران الأخيرة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد