أعد ديفيد هالبفينجر مدير مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في القدس تقريرًا عن أوضاع سكان الضفة الغربية المحتلة، من خلال مقابلات مع الفلسطينيين أو الإسرائيليين الذين يعيشون في المستوطنات المقامة هناك.

في مستهل التقرير، يعترف بيني أومان (62 عامًا) الذي يعمل وكيلًا للسفر، بأن الإحساس بالتهديد يسيطر على عقله، لكونه إسرائيليًّا يعيش في مستوطنة عوفرا، التي تقع في عمق المنطقة الجبلية بالأراضي التي يطالب بها الفلسطينيون. ويقول أومان: «هذا الشعور يتردد في بالنا دائمًا، أننا قد نتلقى إشعارًا في يوم من الأيام بمغادرة المنطقة»، وذلك في حال التوصل إلى اتفاق سلام.

تهديد من نوع آخر

ينتقل تقرير الصحيفة لبلدة سلواد الفلسطينية المجاورة، والتي صودرت أراضيها من أجل تأسيس مستوطنة عوفرا قبل قرابة نصف قرن، حيث تشعر نهاية حامد (35 عامًا) بتهديد من نوع مختلف تمامًا.

يقول التقرير إن نهاية حامد تربي أربع فتيات وصبيًّا يبلغ من العمر سبع سنوات، غير أنها تخشى تعرضه للسجن – أو ما هو أسوأ– حال مطالبته بحقوقه الإنسانية، مثل الشباب الفلسطينيين الأكبر سنًّا، الذين اعتادوا على الاشتباك مع القوات الإسرائيلية أمام نافذة منزلها كل يوم جمعة.

ولم يتغير كثيرًا هذا الإحساس بالتهديد على جانبي الخطوط الأمامية للصراع بعد إعلان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الاثنين الماضي، بأن بلاده لم تعد ترى المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية غير قانونية، وأنها لا تنتهك القانون الدولي.

يشير التقرير إلى أنه رغم جدال الخبراء حول ما إذا كان ذلك الإعلان يعطي إسرائيل الضوء الأخضر لضم أجزاء من الضفة الغربية، أو انتهاك القانون الدولي المعمول به، فإن الأثر الوحيد في الضفة الغربية هو ذلك التحول الواضح في الروح المعنوية، بمعنى أن ذلك الإعلان جعل المستوطنين الإسرائيليين يشعرون بثقة أكبر، وترك الفلسطينيين أكثر إحباطًا.

يوم تاريخي لإسرائيل.. 5 مكاسب حققتها دولة الاحتلال بعد قرار المستوطنات الأمريكي

الإعلان الأمريكي لن يغير شيئًا لواقع الحياة في الضفة

ينقل التقرير عن يوسي بيركوفيتز (57 عامًا) الذي عاش في مستوطنة عوفرا طيلة 23 عامًا: «أفضل ذلك الإعلان لأنه يتواءم مع عقيدتي وآرائي، لكن إذا سألتني ما إذا كان الإعلان سيغير شيئًا، فهذا لن يحدث، لأنه ستأتي إدارة أمريكية أخرى وتقول شيئًا مختلفًا».

وينتمي بيركوفيتز للحركة القومية الدينية في إسرائيل، التي تضم اليهود الأورثوذكس والصهاينة، الذين يؤمنون بأن سيادة إسرائيل و«الشعب اليهودي» يجب أن تمتد على أرض مملكة إسرائيل التوراتية حتى نهر الأردن.

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر، ترى نهاية حامد أن سياسة إدارة ترامب ستتغير قليلاً لكن لسبب آخر، مضيفة أن «أمريكا تناصر إسرائيل، وهذا أمر لا جدال فيه»، لكنها ترى في الوقت نفسه أن أمريكا قضت على أحد السبل التي يواسي بها الفلسطينيون أنفسهم حيال فشل مشروعهم الوطني، وهي أنهم كانوا على الحق من الناحية القانونية.

ويوضح التقرير أن عوفرا وسلواد يجمعهما نصف قرن من التاريخ المرير، بينما يفصل بينهما شارع صغير، ونقطة للجيش، وقوانين تمنع زيارة أي منهما للآخر.

تقول الصحيفة إنه «ربما يطمع سكان بلدة سلواد البالغ عددهم سبعة آلاف فلسطيني، في التقسيمات المثالية للمباني داخل مستوطنة عوفرا، حيث توجد منازل من طابق واحد ذات أسقف حمراء، تحيط بها الحدائق والأفنية».

«لكن على الأقل، يعلم المستوطنون أنهم خارجون على القانون في نظر الكثير من دول العالم. النظر إلى هذا (الاستيطان) على أنه جريمة يساعد كثيرًا، قانونيًّا وسياسيًّا وعاطفيًّا»، بحسب ما تقول نهاية حامد.

عوفرا تمهِّد الطريق للتوسع الاستيطاني غير القانوني

تشير الصحيفة إلى أن مستوطنة عوفرا أقيمت عام 1975، حين كان النشطاء الدينيون، الذين يؤمنون بحق اليهود الإلهي في الضفة الغربية، ينامون في نقطة قديمة للجيش الأردني ثم أقنعوا وزير الدفاع آنذاك شمعون بيريز – الذي أصبح لاحقًا بطل السلام عند الإسرائيليين– بالسماح لهم بأن يجعلوها أرضهم.

كان موقع المستوطنة مثيرًا للاستفزاز شمال رام الله على طول سلسلة جبال نابلس، وسط السكان الفلسطينيين بالضفة الغربية، حيث كانت محاولات الاستيطان محظورة دائمًا. وتضع الطريقة التي تأسست المستوطنة بها الأساس لعشرات المستوطنات الأخرى التي بدأت بصفتها مشروعات خارجة على إطار القانون.

تخرق المستوطنة القانونين الدولي والإسرائيلي بعدة أوجه، وفقًا لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «بتسيلم» وآخرين. أهم هذه الخروقات أن اتفاقيات جنيف تمنع القوة المحتلة من نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، وألا تصادر القوة المحتلة الأراضي الخاصة لتستخدمها في أغراضها.

في حين ترفض إسرائيل الحجة القائلة بأنها تنقل الناس إلى الأراضي المحتلة – وتقول إن اليهود عاشوا هناك منذ آلاف السنين وأن المستوطنين ينتقلون إليها طواعية– وتعتبر أن الاستيطان على الأراضي المملوكة للفلسطينيين غير قانوني.

«يعلمون أنها ليست أرضهم»

مع ازدياد حجم عوفرا لتصبح إحدى ضواحي القدس التي تضم 900 عائلة، ونحو 3700 نسمة، فإن 60% من المستوطنة أقيم على أراضٍ مملوكة لفلسطينيين غالبيتها في بلدة سلواد، حسبما ذكرت منظمة «بتسيلم» عام 2008 ووصفتها بأنها «أكبر موقع استيطاني غير مرخص في الضفة الغربية».

Embed from Getty Images

تعلق نهاية حامد وهي تقف أمام منزلها في بلدة سلواد قائلة: «هم يعلمون أنها ليست أرضهم».

وتضيف أنه إذا كانت إدارة ترامب تؤيد إسرائيل بشدة، فحتى القادة الفلسطينيون يؤيدون القضية الفلسطينية شفهيًا، وهم ينفذون أوامر إسرائيل سرًّا.

وقالت نهاية إن شعبها لديه القليل من الحلفاء الدوليين، والأمل ضئيل في المستقبل القريب، وتضيف «إلى من نذهب؟ أنا أسأل بجدية، إلى من نقدم مطالبنا؟».

يقول ناير علوي، وهو صانع أثاث في بلدة سلواد، إنه من العبث أن نتوقع الحصول على مساعدة من بقية دول العالم، فقد دأب الدبلوماسيون الأجانب على وصف المستوطنات بأنها غير شرعية، لكنهم لم يفعلوا شيئًا لوقف التوسع الاستيطاني.

ويتهم ناير علوي المجتمع الدولي بأنه السبب في وجود إسرائيل، وأن الفلسطينيين «يطلبون العدل ممن سببوا المشكلة في المقام الأول».

الاستيطان معضلة لإسرائيل

بالنسبة لسكان مستوطنة عوفرا، فإن وصفها بغير القانونية أشبه بوصف تل أبيب بالمستوطنة. «إنها مثل أي مكان آخر على أرض إسرائيل»، يقول بيركوفيتز، وهو موظف تأمين انتقل إلى عوفرا مع زوجته ميشيل وأبنائه الأربعة عام 1996، قبل أن ينجب طفلين غيرهما، ويتبنى آخرَين.

ويقع منزل بيركوفيتز بجوار أرض فضاء، حيث تم هدم تسعة منازل في عام 2017، بعد أن تمكن معارضو المستوطنات في انتصار نادر من إثبات أن تلك المنازل قد بنيت على أراضٍ فلسطينية، غير أن بيركوفيتز يؤكد أنه لا فرق بين منزلهم ومنازل معظم جيرانه.

ويضيف أنه لم يظهر أي مالك لتلك الأرض على الإطلاق، ولم يكن أي مالك يعيش على الأرض أو يزرعها قبل أن تسيطر عليها إسرائيل، مشيرًا إلى أن ملك الأردن تخلى عن أرض الضفة الغربية لكثير من الأشخاص، قبل أن تحتل إسرائيل الأرض عام 1967 «ولم يكن أحد يعرف من يملك ماذا في ذلك الوقت».

أما قرينته (56 عامًا) والتي تعمل ممرضة إعادة تأهيل بمستشفى هداسا بجبل المشارف، فتقول إن سيادة إسرائيل تمت تسويتها بالطريقة ذاتها التي سويت بها مناطق مثل عوفرا – الحجة التي يطلقها معارضو حق إسرائيل في الوجود للهجوم على الصهيونية– إذن لماذا ينبغي أن يجري التعامل مع ما حدث منذ بدء الاحتلال عام 1967 بطريقة مختلفة عما حدث قبل تأسيس إسرائيل في عام 1948؟ وتتساءل أيضًا: «لماذا ينبغي أن تحدِث 19 عامًا فرقًا كبيرًا في إعادة توطين الأرض؟».

ويعتقد بيركوفيتز بصفته رجل دين أن «الضفة الغربية منحها الله لليهود، لكن وكما ورد في التوراة أننا لن نحصل على هذه الأرض مرة واحدة لكن ببطء»، فيما تقول زوجته: «إنه من المهم بمكان أن نعامل الآخرين بلطف».

تعترف عائلة بيركوفيتز أن استمرار الاستيطان واحتمالية ضم الضفة الغربية سيشكلان معضلة لإسرائيل، سواء بمنح حقوق المواطنة كاملة إلى الفلسطينيين أو إبقائهم مواطنين من الدرجة الثانية.

يجري الحديث عن مناطق «حكم ذاتي» محدود للفلسطينيين، لكن يرى آخرون في هذا فصلًا عنصريًّا.

وعلى الرغم من حماسته للصهيونية، قال السيد بيركوفيتز إنه على استعداد للانتقال إلى مكان آخر إذا كان «السلام الحقيقي» يتطلب التخلي عن المستوطنات، غير أنه لا يعتقد أن السلام الحقيقي سوف يتحقق.

وعبر الرجل عن أمله في أن يسعى جيرانه الفلسطينيون في نهاية المطاف إلى حياة أفضل في مكان آخر، قائلًا: «رويدًا رويدًا، ربما سيرحلون».

«هآرتس»: بهذه الحيلة تستولي إسرائيل على الأراضي الفلسطينية لبناء المستوطنات

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد