ضربت الثلاثاء الماضي سلسلة من الانفجارات موقعًا تابعًا للقوات شبه العسكرية ذات الأغلبية الشيعية المدعومة إيرانيًا «الحشد الشعبي» بالقرب من قاعدة بَلَد الجوية. وفي هذا الصدد نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا تحت عنوان «هل تضرب إسرائيل القوات شبه العسكرية المدعومة إيرانيًا في العراق؟

وفي حين تركّزت المصادمات بين العدوّين الإقليميّين الرئيسيّين إيران وإسرائيل – على مدى السنوات القليلة الماضية – حول سوريا، حيث دشن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس لنفسيهما وجودًا عسكريًا هائلًا هناك؛ لدعم حكومة رئيس النظام السوري بشار الأسد ووضع القوات الإيرانية على مقربة من إسرائيل. لكن الآن يبدو أن سوريا قد لا تكون المسرح الوحيد الذي يتشاحن فيه الطرفان – إيران وإسرائيل – حيث شُنّت هجمات غامضة مؤخرًا في عمق الأراضي العراقية.

كما نوه التقرير بأن أربع هجمات غامضة على قواعد عراقية في الأيام الأخيرة دفعت الناس للتساؤل عما إذا كان الإسرائيليون يقصرون نشاطهم المناهض لإيران على الضربات في سوريا.

وأشار الموقع – في تقريره للكاتب ميسم بهرافيش المحلل السياسي الكبير في شركة الإنتاج الإعلامي العالمية «بيرسيس ميديا» والمرشح لنيل شهادة الدكتوراه من قسم العلوم السياسية بمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لوند بالسويد – إلى أنه في يوم الثلاثاء الماضي، ضربت سلسلة من الانفجارات موقعًا تابعًا للقوات شبه العسكرية ذات الأغلبية الشيعية المدعومة إيرانيًا «الحشد الشعبي» بالقرب من قاعدة بَلَد الجوية، التي تستضيف أيضًا قوات أمريكية ومتعاقدين أمنيين، والتي تقع على بُعد حوالي 80 كيلومترًا شمال العاصمة بغداد في محافظة صلاح الدين.

وأدت الانفجارات – التي زُعِم أنها شُنَّت بواسطة طائرة بدون طيار – إلى «استشهاد العديد من الأشخاص»، وفقًا لوكالة أنباء «فارس» شبه الرسمية، المقربة من الحرس الثوري الإيراني. ويُعد انفجار قاعدة بَلَد هو رابع هجوم من نوعه يستهدف القواعد أو مخازن الذخيرة التابعة لقوات الحشد الشعبي في جميع أنحاء العراق خلال الشهر الماضي.

ولفت الموقع إلى أنه قبل أسبوع تقريبًا، في 12 أغسطس (آب) الجاري، أسفرت الانفجارات التي ضربت قاعدة الصقر العسكرية التابعة لقوات الحشد الشعبي في بغداد إلى مقتل شخص واحد على الأقل وإصابة 29 آخرين.

كما وقع انفجار آخر في معسكر أشرف بالقرب من محافظة ديالى شمال شرق بغداد في 28 يوليو (تموز) الماضي، بعد أقل من أسبوعين من قصف آخر لقاعدة الشهداء بالقرب من مدينة آمرلي بمحافظة صلاح الدين في 19 يوليو؛ ما أسفر عن مقتل إيرانيّيْن اثنين منتميين للحرس الثوري.

Embed from Getty Images

توسيع نطاق العمليات

تُحَمِّل كلٌ من إيران والعراق القوات الإسرائيلية المسؤولية عن تلك الانفجارات. ولا عجب في أن قادة إسرائيل تحدثوا عن هذا الاحتمال أيضًا. قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الاثنين الماضي: «إيران ليست لديها حصانة، في أي مكان… سنتصرف – ونتصرف حاليًا – ضدها، حيثما اقتضى الأمر».

وفي يوم الخميس كان نتنياهو أكثر صراحةً في الإشارة إلى أن إسرائيل قد تكون متورطة في الهجمات، إذ قال في تصريح للقناة التاسعة بالتليفزيون الإسرائيلي عندما سُئل عما إذا كانت إسرائيل ستضرب أهدافًا إيرانية في العراق: «نحن نعمل، ليس فقط عند الضرورة. نحن نعمل في مناطق كثيرة ضد دولة تسعى لإبادتنا». وأضاف نتنياهو: «بالطبع، أعطيتُ قوات الأمن مطلق الحرية وأوعزت إليها القيام بأي شيء ضروري لإحباط مخططات إيران».

وذكر موقع «ميدل إيست آي» أنه في الوقت الذي تحاول فيه إيران نقل أجزاء من بنيتها التحتية الدفاعية والهجومية الإقليمية لتصبح أكثر قربًا إلى أرض الوطن، في أعقاب الهجمات الإسرائيلية المتزايدة على مواقعها في سوريا، وتحسبًا لنزاع عسكري وشيك مع الولايات المتحدة، ربما تسعى إسرائيل الآن إلى حرمان الحرس الثوري الإيراني من القدرة على استهدافها من الأراضي العراقية.

«خارطة الهجمات على القواعد العراقية- المصادر: خرائط جوجل، رويترز، وكالة أنباء فارس، جيروزاليم بوست، أسوشيتد برس، لونج وور جورنال، بغداد بوست»

وقال يوسي مانشاروف الزميل الباحث في مركز إزري لدراسات إيران والخليج العربي التابع لجامعة حيفا الإسرائيلية، في تصريح للموقع: «نشرت إيران منصات إطلاق صواريخ ومصانع صواريخ في العراق كجزء من الاستعدادات لمواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل».

وأضاف مانشاروف: «بعض المعسكرات التي تعرضت للهجوم كانت المواقع التي قِيل إن الحرس الثوري الإيراني كان ينسق من خلالها عملياته في سوريا والعراق واليمن ولبنان».

وألمح الموقع إلى أن معظم المعلّقين في إيران والعراق يُوَجِّهون أصابع الشك والاتهام إلى إسرائيل، التي يعتقدون أنها تلقت مساعدة استخباراتية وعملياتية من القوات الأمريكية في العراق، واعتمدت إما على طائرات مقاتلة من طراز «إف-35»، ذات القدرات الضاربة طويلة المدى وميزات التخفي المتطورة، أو على طائرات بدون طيار عسكرية لتنفيذ الهجمات. وثمة احتمال ثالث يكمن في عمليات التخريب على الأرض، لكنها تبدو أقل ترجيحًا وسط تواتر الانفجارات وحجمها.

وعندما سُئِل عما إذا كانت قواته وراء الغارات في العراق أم لا، رفض متحدث باسم الجيش الإسرائيلي التعليق على الأمر. وطلب موقع «ميدل إيست آي» من الجيشين الأمريكي والعراقي التعليق، لكنهما لم يجيبا حتى وقت النشر.

استجابة نارية

في أعقاب انفجار قاعدة بَلَد الجوية، أصدر الحشد الشعبي بيانًا ناريًا يدّعي فيه أن الولايات المتحدة سمحت لأربع طائرات إسرائيلية بدخول العراق إلى جانب القوات الأمريكية لشن الهجمات.

ووفقًا للبيان، الذي وقّعه نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي جمال جعفر الإبراهيمي، المعروف باسم أبو مهدي المهندس: «نُعلن أن الكيان الأول والأخير المسؤول عما حدث هو القوات الأمريكية، وسنحاسبهم على كل ما يحدث من اليوم فصاعدًا».

وفي أواخر يونيو (حزيران) الماضي، عقد كبار مستشاري الأمن القومي من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل اجتماعًا ثلاثيًا – على مدى يومين في القدس – لمناقشة التطورات الأمنية الإقليمية، بما في ذلك الوجود العسكري الإيراني في سوريا والعراق.

وعلى الرغم من أن مستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف بدا في صف طهران – الشريك الرئيسي لموسكو في الحرب الأهلية السورية – ضد محاولات الولايات المتحدة للضغط على إيران، فإن هناك مؤشرات على أن جميع الأطراف يمكن أن تتفق – على الأقل – على الحاجة إلى التصدي للسلوك الإيراني «المزعزع للاستقرار» في المنطقة بأكملها؛ ما يوحي بأن العمليات الإسرائيلية في العراق – بمساعدة أمريكية – قد تحظى بمباركة روسيا الضمنية كذلك، بحسب موقع «ميدل إيست آي».

ومع ذلك وبشكل أكثر وضوحًا ستكون استراتيجية المواجهة الإسرائيلية مع إيران موضع ترحيب بين الأعداء العرب لإيران، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وفقًا للموقع.

ويشكّ يوسي مانشاروف في أن الدعم الدولي سيكون أحد الاعتبارات الرئيسة، إذا كانت إسرائيل وراء الغارات، إذ قال: «يبدو أن مثل هذه الهجمات تعزز كذلك عملية التقارب بين إسرائيل والسعودية»، مشيرًا إلى أن إيران استخدمت الأراضي العراقية مؤخرًا لشن ضربات بطائرات بدون طيار ضد منشآت النفط وخطوط الأنابيب في المملكة العربية السعودية.

Embed from Getty Images

المشتبه بهم الآخرون

ردًا على الهجمات الدامية، وبشكل أكثر تحديدًا بعد الانفجار الثالث في قاعدة الصقر، بدأت حكومة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في فرض قيود أكثر صرامةً على «جميع الأطراف العراقية وغير العراقية» بشأن استخدام المجال الجوي للبلاد، وشمل ذلك سلاح الجو الأمريكي، الذي لا يزال يقوم بمهام قتالية ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» المتشدد من الأراضي العراقية.

ووفقًا للقواعد الجديدة، فإن «الاستطلاع المسلح، والطائرات المقاتلة، والطائرات المروحية، والطائرات بدون طيار بكل أنواعها» تحتاج الآن إلى «موافقة حصرية من القائد العام للقوات المسلحة العراقية أو ممثّله المفوض»، مع اعتبار أي حركة طيران خلاف ذلك «معادية، وستتعامل معها الدفاعات الجوية فورًا»، ثم جاء الانفجار الرابع بالقرب من قاعدة بَلَد الجوية.

ورأى الموقع أنه في حين التزمت طهران الصمت حتى الآن بشأن هذه الحوادث – إذا أكدت إيران مسؤولية إسرائيل عن القتلى الإيرانيين، قد تشعر بأنها مضطرة لاتخاذ إجراء لإنقاذ ماء الوجه – فقد يلجأ الحرس الثوري الآن إلى الرد بشكل غير مباشر، أو قد تزوِّد طهران وحدات الحشد الشعبي في العراق بقدرات دفاعية جوية لصد الضربات الإسرائيلية، بنفس الأسلوب الذي قِيل إنها نفذته في اليمن، بتزويد الحركة الحوثية بصواريخ أرض جو مضادة للطائرات بدون طيار الاستطلاعية والهجومية الأمريكية.

«هناك مشتبه بهم آخرون غير إسرائيل، مثل معارضي قوات الحشد الشعبي في الجيش العراقي أو الأمريكيين أنفسهم»، هذا ما قاله محلل استخباراتي تابع لقوات الحرس الثوري الإيراني من طهران، لموقع «ميدل إيست آي». ومع ذلك، أضاف المحلل: «إذا استمرت الضربات وازدادت الخسائر في صفوف الإيرانيين، قد تعطي طهران ردًا محدودًا إما من خلال وكلائها أو باستهداف المواقع الإسرائيلية في مرتفعات الجولان».

وتابع المحلل: «إيران لديها عتبة تسامح أعلى تجاه إسرائيل مقارنة بالولايات المتحدة. لأنه على عكس الولايات المتحدة، لا توجد نهاية يمكن تصوُّرها لعدائها مع النظام الصهيوني، لذلك تفضّل إيران التعامل مع إسرائيل مرة واحدة وإلى الأبد في الوقت المناسب، بدلًا عن الكَرّ والفَرّ هنا وهناك».

«وجهان لعملة واحدة».. هل استجارت الموصل من رمضاء «داعش» بنار «الحشد الشعبي»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد