منذ بدء الحرب الأهلية السورية، تدفّق «سيّاح الحرب» إلى الجانب الإسرائيلي من الحدود مع سوريا؛ ليشاهدوا أسوأ عروض الأرض: قذائف الهاون، وأصوات إطلاق النيران، والهجمات المتكررة. ولم يسلم الجانب الإسرائيلي من صاروخ يسقط على قرية، أو قنابل مزروعة بجانب الأسلاك الشائكة، أو هجمات بالأسلحة الخفيفة. وبالأخص مع بداية الحرب، كان ضباط الجيش الإسرائيلي يجلسون في مقهى «كافي عنان» على جبل بنتال، المطل على سهل الجولان؛ ليشاهدوا بالمناظير المكبّرة «مختبر الرعب»، على حد وصف أحدهم،

لكن الأشهر الماضية شهدت هدوءًا نسبيًا على الجبهة السورية مع إسرائيل، باستثناء أحداثٍ متفرقة الشهر الماضي. يرجع هذا، كما قال ضابط رفيع بقوات الدفاع الإسرائيلية، إلى «الديناميكية» التي تتميز بها منطقة مرتفعات الجولان، حيث تتواجد العديد من الطوائف المتناحرة، بداية من «داعش»، مرورًا بـ«جبهة النصرة»، وانتهاءً بـ«الثوار المعتدلين». تقرير بموقع «ذا دايلي بيست» يستعرض سياسة عدم التدخّل التي انتهجتها إسرائيل في الحرب الأهلية السورية الجارية، واحتمال تغيير هذه السياسة قريبًا إلى التدخل الفعال؛ لاعتبارات أخلاقية و«استراتيجية».

مرتفعات الجولان.. منذ الاحتلال الإسرائيلي وحتى الحرب السورية

منذ احتلّال إسرائيل الجولان في حرب 1967، بقيت الحدود الإسرائيلية السورية هادئة لأكثر من 40 عامًا، بالمقارنة بحدود إسرائيل مع الدول الأخرى. تواجدت قوات محدودة من الجانبين؛ يراقب بعضها بعضًا في هدوء متوتر، يفصل بينها منطقة منزوعة السلاح، تشرف عليها «قوات حفظ السلام». وفي بعض الأوقات، بدا وكأن اتفاقية سلام فعلية يجري إعدادها في الخفاء، لا تمانع إسرائيل أن تقايض الجولان بموجبها، في مقابل تطبيع كامل للعلاقات مع سوريا. يمتنّ سكّان المنطقة، من «الدروز» و«الإسرائيليين»، لحقيقة أن هذه المفاوضات فشلت بالطبع؛ نظرًا إلى وضع سوريا الحالي، التي يصفها التقرير بـ«المقبرة».

قبل اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، كانت قوات الدفاع الإسرائيلية المسئولة عن تأمين الجولان عبارة من وحدة مسلحة، تركيزها الأكبر منصبّ على التدريبات؛ إذ تتوفر مساحات مفتوحة واسعة، تمثّل موقعًا ممتازًا للمناورات على نطاق واسع، لكن هذا تغير منذ 2014، لتستبدل بهذه الوحدة وحدة «باشان» الإقليمية المخصصة، بمدفعيتها ومدرعاتها ونخبة من جنود المشاة، وعناصرها الاستخباراتية الخاصة.  استُبدل أيضًا بحاجز الأسلاك الشائكة القديم حاجز حدودي متطور، بالإضافة إلى تغييراتٌ أخرى، شملت التوقف عن الدوريات المنتظمة في أنحاء الجولان، والاعتماد بدلًا منها على جمع المعلومات استخباراتيًا، إذ صارت هذه الدوريات معرّضة للعديد من المخاطر؛ منذ 2011، تعرّضت هذه الدوريات لست هجمات على الأقل، باستخدام العبوات الناسفة، أو إطلاق النار أو قذائف الهاون.

أمّا في مواجهة هجمات السيارات المفخخة – والتي نفذت الجماعات واحدة منها في أواخر يونيو (حزيران) على الحدود الأردنية السورية، وقتلت 6 جنود – فقد لجأت القوات الحدودية الإسرائيلية إلى «السواتر الترابية والحديدية المضادة للدبابات». يسترجع ضابط رفيع بقوات الدفاع الإسرائيلية «الأيام الخوالي»؛ حين كان أكثر ما تخشاه إسرائيل هو هجومٍ سوري باستخدام «طوابير المدرعات». اليوم، بدلًا من المدرعات، أصبح الخطر عربات الدفع الرباعي، وسيارات النقل، والجرارات، التي تمتلكها الجماعات المتطرفة.

 مساعدات إسرائيلية

لكن هجوم المتمردين على الحدود الإسرائيلية السورية يظل مستبعدًا، وفقًا للتقرير. ولا يرجع ذلك إلى إجراءات الحماية الإسرائيلية، ومن ضمنها دبابة «الميركافا» القتالية القابعة في مواجهة الحدود السورية وفقط. فإسرائيل توفر المساعدات الطبية للسوريين، وأكثر من 2000 مصابًا تم علاجهم في مستشفيات إسرائيلية؛ ذلك أنّ الجيش الإسرائيلي لا يفحص هويات المرضى، قبل خروجهم من المستشفى، ولا يلجأ إلى استجوابهم. ويقال إن مقاتلين من جبهة النصرة تلقوا العلاج هناك.

هُناك «منطق أخلاقي وعسكري» واضح خلف هذه المساعدات، كما يقول ضابط رفيع المستوى. لم تقتصر المساعدات على الطبية منها، بل اتسعت، لتشمل الأطعمة الرئيسة، وأشكالًا أخرى من الدعم المدني للقرى المحلية. فالمقاتلون على الجانب السوري أغلبهم من السكان المحليين، واهتماماتهم ودوافعهم محلية؛ لذا فإن تقديم المساعدات سيساعد في كسب قلوبهم، فيما يبدو أنّه استراتيجية ناجعة، حتى الآن.

ينتقل التقرير إلى استعراض الجماعات المسلحة المختلفة المتواجدة على الجانب السوري من الحدود. أكثرها تطرّفًا هو كتائب «شهداء اليرموك»، المُبايعة لداعش. وأكثرها اعتدالًا هو «الثوار المواجهين للأسد». أمّا جبهة النصرة فتقع في المنتصف، وتنازع «شهداء اليرموك» محاولة الهيمنة على المنطقة. قتلت جبهة النصرة قائد كتائب اليرموك المحلي السابق، المعروف باسم «الخال»، بسيارة مفخخة، ليأتي بعدها قادة من خارج المنطقة تابعين لتنظيم داعش؛ لينفذوا أوامر القيادة، وفقًا لتقديرات الاستخبارات الإسرائيلية.

أمّا الخاسر الأكبر في هذه المنافسة على النفوذ والموارد فهم الثوار المحليون المعتدلون ضد الأسد، لكنهم المستفيد الأكبر من الإغاثة الإسرائيلية، والحماية أيضًا. فأحد مخيمات اللاجئين يقع على بعد خطوات من الحاجز الحدودي مع إسرائيل، لكن هناك خيطٌ رفيع بين عدم التدخّل وبين الدفاع، وفقًا لأحد الضباط. بجب أن تبقى إسرائيل على سياسة عدم التدخّل في المستنقع السوري، وأن تكتفي بتكوين الروابط على الأرض.

أسوأ الاحتمالات: انتصار النظام السوري وحلفائه

ينتقل التقرير إلى حلف النظام السوري، والذي يضم قوات الأسد، وإيران، و«حزب الله» اللبناني. يسيطر النظام على موقعين في منطقة الجولان: الأول هو قرية «الخضر» الدرزية، ومدينة «القنيطرة» الجديدة. وقد استخدمت هذه المعاقل كمراكز للهجمات ضد إسرائيل. طبقًا لإحصاءات الجيش الإسرائيلي الرسمية، أطلقت العناصر الموالية للأسد 50 مقذوفة على إسرائيل، ونفذت 10 عمليات إطلاق متعمد للنار. ترد إسرائيل على أي إطلاق نار عابر للحدود بضربات موجهة لمواقع النظام الأسدي. كما يُشتبه في كون إسرائيل وراء عمليتي  قصف جوي، على الأقل في الداخل السوري، تستهدف عناصر من إيران وحزب الله من المسئولين عن جبهة الجولان. ضربة ثالثة مجهولة المصدر تمكنت من قتل «مصطفى بدر الدين»، القائد العسكري بحزب الله في سوريا.

«هرتسي هليفي»، قائد المخابرات الحربية الإسرائيلية، قال إن «سوريا لم يعد بها طيبون وأشرار؛ لا فارس أبيض يضرب الفارس الأسود.»، لكنه أضاف إن خروج الحلف الأسدي منتصرًا في نهاية الحرب الأهلية سيكون أسوأ نتيجة محتملة لها. يوافقه الرأي «عاموس يدلين»، قائد المخابرات الحربية السايق، وواحد من أبرز المفكرين الاستراتيجيين في إسرائيل. يرى «عاموس» ضرورة أن تترك إسرائيل سياسة عدم التدخل، لتلقي بثقلها في المشهد السوري، بدعمٍ عسكري مباشر للثوار المناهضين للأسد، وزيادة الدعم الإنساني للسوريين، تكوين جبهة مؤازرة لمحاربة كتائب شهداء اليرموك.

مثل هذا التحالف، وفقًا للتقرير، لا يخلو من الغرابة. «إفرايم هليفي»، رئيس الموساد السابق، ردّ بتوتر على سؤال مذيع قناة الجزيرة حول احتمالية أن يرتد رصاص مقاتلي جبهة النصرة، الذين تتعامل معهم إسرائيل الآن، على الأخيرة.

«لا أعتقد أنّه سيكون هناك ضربة مرتدة. للأسف، قواعد اللعبة في العراق تجعل بالإمكان فعل أي شيء غير ممكن فعله في أي مكان آخر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد