إسرائيل توافق على تزويد دمشق بعدد من اللقاحات الروسية المضادة لكوفيد-19 مقابل الإفراج عن مواطنة إسرائيلية احتُجزت مؤخرًا في سوريا

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّه كل من باتريك كينجسلي، مدير مكتب الصحيفة في القدس، ورونين بيرجمان، صحافي استقصائي وكاتب إسرائيلي، وأندرو كرامر، مراسل الصحيفة الأمريكية، تناولوا فيه بنود الصفقة التي أُبرمت بين إسرائيل وسوريا بوساطة روسية مقابل الإفراج عن مواطنة إسرائيلية تسللت عبر الحدود إلى الأراضي السورية وألقت الشرطة السورية القبض عليها هناك.

بنود سريِّة

في مستهل التقرير، أشار معدّوه إلى أنه عندما أُطلق سراح شابة إسرائيلية من المعتقل في سوريا هذا الأسبوع، بعد أن كانت قد اعتُقلت لأنها اجتازت الحدود وتسللت إلى سوريا بطريقة غير قانونية، كانت الرواية الرسمية أن السجينة الإسرائيلية استفادت من صفقة تبادل أسرى مباشرة. ففي مقابل إطلاق سراحها، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها أطلقت سراح اثنين من رعاة الغنم السوريين كان الإسرائيليون قد احتجزوهم في وقت سابق.

 Embed from Getty Images

وصحيحٌ أن هذه الصفقة أُبرمت بين دولتين معاديتين لا تتبادلان أي علاقات دبلوماسية فيما بينهما، إلا أن الصفقة بدت سريعة وسهلة جدًا. ووفقًا لما قاله مسؤول مُطَّلع على محتوى مفاوضات الصفقة، فإن إسرائيل، في حقيقة الأمر وافقت سرًا كذلك على تقديم فدية مثيرة للجدل: وهي تزويد سوريا بعدد غير معلن من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا المستجد.

وصرَّح المسؤول أنه بموجب هذه الصفقة ستدفع إسرائيل لروسيا، التي توسطت في الصفقة، ثمن إرسال عدد من لقاحات «سبوتنيك 5» الروسي إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وكانت إسرائيل قد أعطت اللقاح لنصف سكانها البالغ عددهم 9.2 مليون نسمة جرعة واحدة على الأقل من اللقاح، بينما لم تبدأ سوريا، التي تدخل حاليًا عامها الحادي عشر من الحرب الأهلية، بعد في طرح اللقاح.

لحظة نادرة من التعاون بين أعداء

يوضح التقرير أن الحكومة الإسرائيلية امتنعت عن التعليق على بند اللقاح في الصفقة، بينما نفت الوكالة العربية السورية للأنباء، وهي وكالة الأنباء السورية التي تسيطر عليها الدولة، أن تكون اللقاحات جزءًا من الصفقة. وعندما سُئل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن بند اللقاحات في الصفقة خلال مقابلة تلفزيونية ليلة السبت، تهرّب من الإجابة ولم يقل سوى أن إسرائيل لم تُرسل لقاحات إسرائيلية إلى سوريا. وقال نتنياهو «لقد أحضرنا الشابة الإسرائيلية، وأنا سعيد بذلك»، وأعرب عن شكره للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقال: «لن أضيف أكثر من هذا».

ووصف التقرير الصفقة بأنها تمثل لحظة نادرة من التعاون الصعب بين دولتين خاضتا عدة حروب ضد بعضهما وما زالتا تتنازعان على سيادة قطعة من الأرض، وهي مرتفعات الجولان، التي انتزعتها إسرائيل من سوريا عام 1967. 

كما تُبرز الصفقة كيف أصبحت اللقاحات على نحو متزايد سمة جديدة من سمات الدبلوماسية الدولية. وتعكس الصفقة أيضًا التفاوت الهائل والمتزايد بين الدول الغنية، مثل إسرائيل، التي أحرزت تقدمًا كبيرًا في اللقاحات المضادة لفيروس كورونا وربما تعود قريبًا إلى نوع من أنواع الحياة الطبيعية، وبين الدول الفقيرة مثل سوريا التي لم تبدأ بعد في فعل أي شيء يتعلق باللقاحات. 

إحباط الفلسطينيين

ومن جانب آخر، أدَّت التقارير الإخبارية حول الصفقة الإسرائيلية السورية إلى زيادة الإحباط في صفوف الفلسطينيين بسبب العدد القليل من اللقاحات التي تقدمها إسرائيل للفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة. إذ لم توفر إسرائيل سوى بضعة آلاف لقاح لنحو 2.8 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية المحتلة. وفي الأسبوع الماضي أرجأت الحكومة الإسرائيلية لمدة وجيزة تسليم الدفعة الأولى من اللقاحات إلى قطاع غزة، حيث يعيش قرابة مليوني شخص.

ولفت التقرير إلى أن إسرائيل تُصرّ على أن اتفاقيات أوسلو تعفيها من مسؤولية توفير الرعاية الصحية للفلسطينيين. لكن نشطاء حقوقيين وفلسطينيين يستشهدون باتفاقية جنيف الرابعة، التي تُلزم السلطة المحتلة بالتنسيق مع السلطات المحلية للحفاظ على الصحة العامة داخل الأراضي المحتلة.

Embed from Getty Images

وفي هذا الصدد، شدَّد مسؤولون إسرائيليون على أنه يجب على إسرائيل إعطاء اللقاح لسكانها أولًا قبل الفلسطينيين. وعلق خالد الجندي، الباحث والمستشار السابق للقيادة الفلسطينية، على هذا قائلًا: «إن الصفقة السورية تبعث برسالة مختلفة وهي أن إسرائيل مستعدة لتوفير اللقاحات للسوريين الموجودين خارج الحدود، لكنها في الوقت نفسه لا توفر اللقاحات لعدد هائل من السكان في الأراضي المحتلّة الذين تتحمّل مسؤوليتهم قانونًا. ويبدو أن هذا يبعث برسالة مفادها أنهم يحاولون عمدًا تجنب القيام بمسؤوليتهم القانونية لرعاية شؤون السكان في تلك الأراضي المحتلّة». 

كيف تسللت الفتاة الإسرائيلية إلى سوريا؟

وسلَّط التقرير الضوء على رد فعل الإسرائيليين على الصفقة، قائلًا: أثارت صفقة تبادل الأسرى مخاوف وتساؤلات في أوساط الإسرائيليين مفادها: كيف استطاعت مواطنة إسرائيلية مدنية من عبور الحدود المتوترة والمراقبة بشدة مع سوريا من دون أن تكتشفها السلطات الإسرائيلية؟ وبحسب المسؤول الإسرائيلي فإن السيدة الإسرائيلية، التي تبلغ من العمر 23 عامًا ولا يُمكن نشر اسمها حاليًا بأمر من المحكمة، عبرت الحدود إلى سوريا بالقرب من جبل الشيخ في 2 فبراير (شباط) دون أن ترصدها القوات الإسرائيلية أو السورية في بداية الأمر.

ويُضيف التقرير أن إسرائيل لم تعلم أن الشابة اختفت إلا عندما أبلغ أصدقاؤها الشرطة بأنها مفقودة. وكانت قد احتجزت في السجون السورية بعد أن اقترب منها مواطن سوري واكتشف أنها إسرائيلية واستدعى الشرطة.

 بعد ذلك طلبت إسرائيل من روسيا، وهي حليفة سوريا وتتمتع بوجود عسكري قوي فيها، مساعدتها في التوسط في إطلاق سراحها. وكانت روسيا وإسرائيل قد قامتا بالتنسيق سويًا في أحداث مماثلة في السابق. ففي عام 2016، ساعدت روسيا إسرائيل في التوسط لاستعادة دبابة إسرائيلية استولت عليها القوات السورية عام 1982 في لبنان. وسهَّلت موسكو في 2019 إعادة رفات زكاري باومل، جندي إسرائيلي قُتل خلال الاشتباكات نفسها.

تسلل متكرر وهلع إسرائيلي

ونوَّه التقرير إلى أن الشابة الإسرائيلية نشأت في عائلة يهودية أرثوذكسية متشدّدة في إحدى مستوطنات الضفة الغربية، وقيل إن لها تاريخ حافل بالمحاولات لدخول أراضي الدول العربية المجاورة لإسرائيل بطريقة غير قانونية، إحدى هذه المحاولات كانت في الأردن والأخرى في غزة. وفي كلتا المرتين ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليها وأعادتها واستجوبتها وحذرتها من تكرار ذلك مرة أخرى. 

Embed from Getty Images

وأفاد التقرير أن المفاوضين الإسرائيليين حاولوا التحرك بسرعة حتى يتجنبوا تكرار الأزمة التي أعقبت اختفاء أفيرا مينجيستو في قطاع غزة، وهو رجل لديه تاريخ من المرض العقلي تسلل إلى غزة عام 2014، ومنذ ذلك الحين تحتجزه حركة حماس، التي كثيرًا ما ترفع ثمن إطلاق سراحه، بحسب التقرير.

وتابع التقرير: تحدّث نتنياهو مرتين مباشرة مع بوتين، بينما تواصل مئير بن شبات، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مع نظيره الروسي، نيكولاي باتروشيف. وقد طالب السوريون في البداية بالإفراج عن سوريَين مقيميَن في هضبة الجولان ومحتجزين في إسرائيل، لكن هذه الصفقة لم تكتمل بعدما تبيّن أن الاثنين لا يرغبان في العودة إلى سوريا. ثم عرضت إسرائيل إطلاق سراح اثنين من رعاة الغنم، وفي مرحلة ما من المفاوضات، طرحت إمكانية توفير اللقاحات.

التصويت على بنود الصفقة

وأبرز التقرير أن مجلس الوزراء الإسرائيلي صوَّت بالموافقة على بنود الصفقة يوم الثلاثاء، وهو اليوم نفسه الذي نُقلت فيه الشابة الإسرائيلية المحتجزة، البالغة من العمر 23 عامًا، إلى موسكو. وأعقب ذلك المزيد من المفاوضات بين المسؤولين الإسرائيليين والمسؤولين الروسيين، أُعيدت على أثرها الشابة الإسرائيلية إلى إسرائيل يوم الخميس.

ولم يؤكد المسؤولون في موسكو، حتى وقت متأخر من يوم السبت، إبرام هذه الصفقة، بينما نشرت وسائل الإعلام الروسية تقارير نقلًا عن وسائل إعلام إسرائيلية.

وفي الختام لفت التقرير إلى أن الحكومة الروسية تستخدم منذ شهور لقاحها ببراعة في الجهود الدبلوماسية من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط. وقد أشار ألكسندر لافرنتييف، المبعوث الخاص لبوتين إلى سوريا، خلال مقابلة أجرتها معه وكالة «تاس» الروسية للأنباء يوم الخميس، إلى أن روسيا ستزود سوريا بلقاح «سبوتنيك 5».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد