إذا تتبَّعنا منطق ترسيم الحدود الذي يسترشد بمبادئ التناسب والإنصاف وعدم التعدي، فقد تشترك تركيا وإسرائيل بشكل معقول في الحدود البحرية بوصفهما دولتين ذواتي سواحل متقابلة.

نشرت المجلة الأكاديمية الإسرائيلية «تركي سكوب» التي يُصدرها مركز موشيه ديان، لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا (MDC) ورقة بحثية شارك في إعدادها كل من:

اللواء التركي المتقاعد جهاد يايجي، وهو أستاذ مشارك ورئيس مركز الاستراتيجيات البحرية العالمية المُلحق بجامعة بهتشه شهير التركية، والذي كتب مقالات على نطاق واسع في القانون البحري، ويُعرَّف بأنه مهندس ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، كما أنه صاغ ما عرف بـ«الوطن الأزرق» الذي يُعرف أيضًا «بمبدأ يايجي»، تولى يايجي مناصب عسكرية عليا منها رئيس أركان القوات البحرية، ثم نقله أردوغان للعمل في هيئة رئاسة الأركان بوزارة الدفاع التركية. ألف يايجي كتاب مهم يشرح أهمية ليبيا بالنسبة لتركيا بعنوان «ليبيا جارة تركيا من البحر».

كما شاركت في إعداد الورقة زينب جيهان، باحثة مساعدة في مركز الاستراتيجيات البحرية العالمية بجامعة بهتشه شهير بإسطنبول، وقد تخرجت في كلية ويلسلي الأمريكية وحصلت على درجة علمية في علم النفس والفلسفة.

تناول الكاتبان في هذا البحث إمكانية توقيع اتفاقية جديدة بشأن ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وإسرائيل، وضرورة التعاون بينهما في هذا الشأن بوصفهما دولتين متجاورتين في منطقة شرق البحر المتوسط.

جدير بالذكر أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، قدَّمها الجميع بمن فيهم الرئيس، رجب طيب أردوغان، وكأنها وليدة اللحظة، في حين أن قائد القوات البحرية اللواء جهاد يايجي، هو مهندس هذه الاتفاقية، وهي ليست وليدة اللحظة؛ وإنما يعود تاريخها إلى عقد من الزمان. وأخذ أردوغان صف يايجي بشكل غير معلن عندما صرح قائلًا: «المبادرات الخاصة بالاتفاقية المبرمة مع ليبيا ليست وليدة اللحظة؛ بل اتخذنا الخطوات الأولى لها قبل عشر سنوات. كما أن التقارير والخرائط والمقالات التي كتبها اللواء جهاد يايجي متوفرة للجميع».

وكان من المتوقع أن يحصل يايجي على ترقية خلال اجتماع شورى القوات المسلحة في 2019، ولكن لم يحدث. وتقدم يايجي بالاستقالة من منصبه، وتناقلت الأنباء حينها أن هذه الاستقالة جاءت بعد صراع مع وزير الدفاع التركي الحالي، خلوصي أكار، الذي قبل استقالة يايجي بعد يومين من تقديمها.

مشروع خط أنابيب «إيست ميد»

وفي البداية، أشارت الورقة البحثية إلى زيادة الأهمية الاستراتيجية لمنطقة شرق المتوسط زيادةً ملموسة، عقب اكتشاف مصادر الغاز الطبيعي قبالة سواحل الجزيرة القبرصية وإسرائيل ومصر. وكانت إسرائيل قد وقَّعت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع الإدارة القبرصية اليونانية جنوب قبرص في 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2010.

وفي وقتٍ لاحق، في 12 يوليو (تموز) 2011، أعلنت إسرائيل الإحداثيات التي تمثل منطقتها الاقتصادية الخالصة (EEZ) للأمم المتحدة، دون التوقيع على أي اتفاقيات جديدة مع دول أخرى بالمنطقة. وقد اقتُرِح تنفيذ مشروع خط أنابيب «إيست ميد» في عام 2012 استنادًا إلى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المُبرمة بين اليونان وإسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية جنوب قبرص. وتلقى الشعب الإسرائيلي هذه المستجدات بحماسة كبيرة، إلا أن جدوى هذا المشروع تلاشت بمرور الوقت. وزعم باحثون دوليون أن خط أنابيب «إيست ميد» قد يكون حلمًا للاتحاد الأوروبي مشابهًا لمشروع خط أنابيب «نابوكو» الفاشل، والذي كان يُعد واعدًا أيضًا في البداية.

Embed from Getty Images

وأوضح الكاتبان أن إمكانية تنفيذ مشروع خط أنابيب «إيست ميد» وقدرته التنافسية قد أثارت عديدًا من التساؤلات لمرات عديدة. ويهدف المشروع إلى تمديد خطوط أنابيب برية وبحرية عبر جنوب الجزيرة القبرصية واليونان، حتى تلتقي بخطوط الأنابيب في إيطاليا. وصرَّح وزير الخارية الإيطالي، لويجي دي مايو، قائلًا: «عندما نضع تكلفة إقامة هذا المشروع وتنفيذه في الاعتبار، نجد أنه من الواضح أن مشروع خط أنابيب «إيست ميد» الذي اقترحت اليونان تنفيذه لن يكون خيارًا جيدًا على المدى المتوسط والطويل عند مقارنته بالمشروعات الأخرى».

وأكَّد هذا التصريح أن استبعاد تركيا من المشاركة في تنفيذ مشروع أنابيب «إيست ميد» سيزيد من طول مدة تنفيذ هذا المشروع وتكلفته زيادةً كبيرة؛ إذ توفر تركيا، من خلال خطوط الأنابيب التي تمتلكها حاليًا بالفعل مثل خط غاز «ترك ستريم» وخط أنابيب الغاز العابر لمنطقة الأناضول، طريقًا أقل تكلفة وأقصر بكثير. وبالإضافة إلى ذلك، تظهر مشكلة محتملة أخرى للمشروع؛ إذ إنه من المتوقع أن يتضاعف طلب إسرائيل على الغاز أربع مرات بحلول عام 2040. وقد يحد هذا من إمكانات التصدير ويقوِّض القدرة التنافسية للمشروع مع الموردين التقليديين الآخرين، مثل روسيا على سبيل المثال.

إشكالية الصراعات بشأن حقل أفروديت للغاز

وأشار الباحثان إلى أن المباحثات التي تلَت إبرام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لم تخل من الصراعات، إذ أثارت اتفاقية ترسيم الحدود بين إسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية خلافًا حادًّا بشأن حق استغلال حقل أفروديت للغاز. ووفقًا للاتفاقية الأخيرة، يقع حقل أفروديت بالقرب من الحدود البحرية لإسرائيل، في المنطقة البحرية المخصصة للإدارة القبرصية اليونانية. ولمدة من الزمن، كان يُفترض أن هذا الحقل مجاور لحقل يشاي، الواقع على الجانب الإسرائيلي. ومع ذلك، وبعد إجراء مزيد من التقييم، وُجد أن كليهما متصل بالآخر.

تُقدَّر قيمة حقل أفروديت بأكثر من 9 مليارات دولار، كما أن كمية الغاز به تُقدر بنحو 100 مليار متر مكعب. وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن كمية الغاز في حقل يشاي، تتراوح من 7 إلى 10 مليارات متر مكعب. ونشأ خلاف بين الإدارة القبرصية اليونانية مع إسرائيل حول كيفية المُضي قدمًا في استغلال غاز أفروديت. وذكرت تقارير في عام 2018، أن هناك محادثات بشأن إحالة القضية إلى محكمة التحكيم الدائمة التابعة للأمم المتحدة، ومع ذلك، لم تتحول أي خطط عمليَّة إلى إجراءات رسمية ملزمة عقب التشاورات بين الطرفين.

وفي العام نفسه، أصدر وزير البنية التحتية الوطنية والطاقة والموارد المائية الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، بيانًا أشار فيه إلى أن إسرائيل لا تنوي التنازل عن نصيبها من الغاز أو عن عائدات مخزون الغاز من حقل أفروديت، كما أنها لن تتخلى عن اسم الشركات التي تمتلكه. بيد أن الإدارة القبرصية اليونانية قد أنكرت على الفور مسألة إحالة القضية إلى محكمة التحكيم الدائمة.

خريطة توضح الحدود بين إسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية

وأفاد الكاتبان أنه على الرغم من تصريح الوزير الإسرائيلي، قررت الإدارة القبرصية اليونانية الرد عليه بتوقيع عقد امتياز مدته 25 عامًا مع شركات «نوبل إنرجي»، و«شل»، و«ديليك» للتنقيب عن الغاز واستغلال حقل أفروديت عام 2019. وبعد ذلك بمدة وجيزة، كتب أودي أديري، المدير العام لوزارة الطاقة الإسرائيلية، خطابًا إلى الشركات المذكورة أعلاه، يفيد بأن التنقيب عن الغاز في حقل أفروديت يجب ألا يستمر حتى تنتهي إسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية من إبرام اتفاق بشأنه. ومع ذلك، لم يتردد وزير الطاقة القبرصي، يورجوس لاكوتريبس، في الرد على ذلك قائلًا: «إن تطوير حقل أفروديت وإجراء اتفاقية خاصة بشأنه لا علاقة لهما بالتنقيب، طالما أن الجانب القبرصي معنيٌّ بذلك».

مشكلة إسرائيل غير المعلنة

ولفت الباحثان إلى وجود مشكلة من النادر التسليم بها بالنسبة لإسرائيل، وهذه المشكلة ذات جذور أعمق من جدوى تنفيذ خط أنابيب «إيست ميد» أو تسوية النزاع بشأن حقل أفروديت، وهي الخسارة الكبيرة للمناطق البحرية التي تتمتع إسرائيل بحقوق جوهرية فيها وفقًا للقانون الدولي. وحدثت هذه الخسارة عندما تعمَّدت الإدارة القبرصية اليونانية تضليل إسرائيل – بحسب الباحثين – أثناء إبرام اتفاقية ترسيم الحدود؛ إذ استخدمت إطارًا نظريًّا خاطئًا تجاهل عديدًا من المبادئ الموجودة في القانون الدولي، واستخدمت مسافات متساوية فقط بوصفها وسيلة لتحديد الخط الوسط. ومن ثم، تمكن الجانب القبرصي اليوناني من تغيير خط الترسيم، وبذلك منح إسرائيل حصة غير عادلة أقل من حقها.

وعلاوةً على ذلك، إذا تتبَّعنا منطق ترسيم الحدود الذي يسترشد بمبادئ التناسب، والإنصاف، وعدم التعدي، والتطبيقات الأخرى المُتضمنة في القانون الدولي، فقد تشترك تركيا وإسرائيل بشكل معقول في الحدود البحرية بوصفهما دولتين ذواتي سواحل متقابلة. وسيكون اتفاق ترسيم الحدود البحرية المحتمل بين تركيا وإسرائيل مفيدًا لكلا الجانبين. وفي حين أن هذا قد يبدو هدفًا بعيد المنال في البداية، إذا كان من الضروري ملاحظة المبادئ التي تحكم عملية ترسيم الحدود، يمكننا أن نرى أن الاتفاقية الخاطئة الحالية مع الإدارة القبرصية اليونانية تجعل إسرائيل تخسر مساحة لا يمكن تصورها من المنطقة البحرية والتي تقدر بحوالي 4.600 كيلومتر مربع. ومع ذلك، تزداد مساحة المنطقة البحرية التي تخسرها إسرائيل لتصل إلى ما يقرب من 16 ألف كيلومتر مربع إذا ما أضفنا ما يمكن أن تكتسبه إسرائيل من مساحة، إذا سعت إلى اتفاقية ترسيم الحدود مع تركيا.

خريطة توضح خسارة إسرائيل للمناطق البحرية بسبب اتفاقية الترسيم التي وقعتها مع الإدارة القبرصية اليونانية دون الالتزام بالمبادئ الدولية مثل التناسب

مبادئ ترسيم الحدود

يشير الباحثان إلى تمييز الفرق بين عملية ترسيم الحدود التي تُجرى بطريقة سليمة وغير ذلك، فمن الضروري فهم المبادئ المستمدة من القانون الدولي والمُستخدَمة في ترسيم الحدود البحرية. ناهيك عن أن زيادة أو نقصان 16 ألف كيلومتر مربع تتطلب مبررًا سليمًا.

خريطة توضح الحدود البحرية بين تركيا وإسرائيل

تخضع عملية ترسيم الحدود لمزيج من المبادئ المستمدة من الاتفاقيات الدولية والأحكام القضائية والخلفية التاريخية لتطبيقها. وتبدأ المحاكم الدولية عملية الترسيم من خلال تنفيذ خط وسط مؤقت بين جزأين من الأراضي الرئيسة، مع مراعاة الحقائق الجغرافية للخطوط الساحلية المقابلة. وإذا كان طول السواحل والسمات الجغرافية للأراضي الرئيسة متشابهة، يمكن اتباع طريقة خط متساوي البعد، وذلك على الرغم من أن الأراضي الرئيسة تختلف كثيرًا عن غيرها في بعض الأحيان وفقًا لمثل هذه المعايير. وإذا كانت هذه الاختلافات كبيرة، يجب مراعاة المبادئ الأخرى مثل السيادة على البحر الإقليمي ومبدأ التناسب وعدم التعدي، واستخدام خطوط الأساس المستقيمة في تحديد السواحل المتقابلة من أجل تطبيق ترسيم الحدود بطريقة تعزز المساواة بين الدول.

خريطة توضح مكاسب إسرائيل البحرية في توقيع اتفاقية ترسيم مع تركيا

وفيما يتعلق بمبدأ «الأرض تهيمن على البحر وتسيطر عليه بواسطة وسيط الجبهة الساحلية (مبدأ القانون الدولي الرئيس)»، تذكر الورقة البحثية أن كلمة الأرض هنا تشير إلى جغرافيا البر الرئيس، وأهم جانب في هذا البر هو طول ساحله المرتبط بعملية ترسيم الحدود. ويمكن رؤية تطبيقات هذا المبدأ في الأحكام المختلفة التي صدرت عن محكمة العدل الدولية؛ إذ ذُكر مبدأ سيطرة الأرض في الحالات الأربعة التالية: 

أولًا: في قضية بحر الشمال عام 1969 ونص القرار على أنه لا يمكن إعادة تشكيل المنطقة الجغرافية. 

ثانيًا: في قضية جزر القنال البريطانية – الفرنسية عام 1977، التي نص القرار فيها على أن الطريقة الملائمة لترسيم الحدود، سواء كانت تقسيم لمسافات متساوية أو غيرها، ستُحدد وفقًا للظروف الجغرافية. 

ثالثًا: في قضية ليبيا ومالطا عام 1984؛ إذ قُرر أن تُستخدَم سواحل الطرفين بصفتها خط أساس.

رابعًا وأخيرًا: في القضية التونسية – الليبية عام 1984، التي اتُخذ فيها قرار يفيد بأن البر الرئيس يسيطر على البحر.

وهناك أمثلة أخرى مشابهة مثل: قضية الدنمارك والنرويج عام 1993، وقضية قطر والبحرين عام 2001، وقضية السويد والنرويج عام 1909، وقضية كندا وفرنسا عام 1992. ويشير هذا المبدأ في المقام الأول إلى أنه مقارنة ببقية الحقائق الجغرافية، مثل الجزر، فإن الأولوية هنا للبر الرئيس القاري. 

ويفرض مبدأ التناسب، أن النسبة بين طول السواحل بالنسبة لبلدين وبين المناطق البحرية التي ستُخصص لهما يجب أن تكون متقاربة من حيث العدد ودون تفاوت. وبذلك، يعمل مبدأ التناسب بوصفه آلية مراقبة تضمن أن تسير عملية ترسيم الحدود على نحو عادل. وعلى ضوء هذا المبدأ، تُمنح الدول ذات الخطوط الساحلية الأكبر مناطق بحرية أكبر. وتماشيًا مع هذا المبدأ، إذا كان هناك عامل يمنع أن تنعكس النسبة بين أطوال السواحل على عملية الترسيم، مثل عامل السكان وما إلى ذلك، فستؤخذ هذه العوامل في الاعتبار إلى جانب مبدأ التناسب.

وكان هذا المبدأ أحد المبادئ التي استُخدمت في ترسيم الحدود بين روسيا والنرويج وإندونيسيا وماليزيا عام 1969؛ حيث عُدِّل الخط الوسط لصالح ماليزيا بسبب طول ساحلها. وكذلك في قضية المملكة المتحدة وفرنسا، وقضية فرنسا وإسبانيا، وقضية هولندا (جزر الأنتيل) وفنزويلا 1978. 

أما مبدأ عدم التعدي فيُنظر إليه على أنه أحد المبادئ الأساسية للعدالة؛ إذ يشمل التقديرات الساحلية والامتداد الطبيعي للأراضي الرئيسة. ووفقًا لهذا المبدأ، يجب أن يُخصِّص خطُ الترسيم المنطقةَ البحرية الواقعة بالقرب من الساحل الرئيس إلى البلد المعني.

ففي قضية ليبيا ومالطا، أظهر هذا المبدأ أن الدول الساحلية تتمتع بحقوق سيادية على الجرف الواقع قبالة سواحلها إلى أقصى حد. أي لا يمكن فصل الدولة الواقعة على البر الرئيس عن المنطقة البحرية الواقعة أمام سواحلها. وجزيرة مثل قبرص الواقعة بين برَّين رئيسين لا يمكن لها أن تفصل تلك الأراضي الرئيسة بعضها عن بعض.

وهذا المبدأ، إلى جانب مبدأ الأرض تهيمن على البحر، يخبرنا أن البر الرئيس والجزيرة الواقعة قبالة بر ما قد لا يكون لهما التأثير نفسه في تحديد مناطق الاختصاص البحري. على سبيل المثال، الواقع الجغرافي يقول إنه لا يمكن لجزيرة قبرص أن تنشئ منطقة بحرية من شأنها أن تقطع طريق البر الرئيس القاري بين تركيا وإسرائيل. مثال آخر، الجزر الواقعة على الجانب الخاطئ من الخط الوسطي مثل جزيرة رودس اليونانية، لا يمكنها فصل الأراضي الرئيسة لتركيا وليبيا بعضها عن بعض. 

وهذا لا يعني أن هذه الجزر لا تستطيع أن تعلن عن مناطق اقتصادية خالصة، بل يمكنها إنشاء منطقة اختصاص بحري إلى حيث تمتد مياهها الإقليمية. وهناك استنتاج آخر تدعمه تطبيقات هذا المبدأ مفاده أنه عند مقارنة الجزر بالأراضي الرئيسة، فإن للجزر تأثير أقل من الأراضي الرئيسة، ولا يمكن للدول المطالبة بأراضٍ تفصل المنطقة المتفرعة عن الامتداد الطبيعي للأراضي الرئيسة، وفقًا للورقة البحثية.

ويُعد استخدام الخطوط القُطْرِية (المائلة) أثناء ترسيم حدود المناطق البحرية إجراءً شائعًا في جميع أنحاء العالم. وتُستخدم الخطوط القُطْرِية بسبب الميل الذي ينشأ عن الشكل الكروي للأرض. لذا، تُستخدم هذه الخطوط في ترسيم الحدود بدلًا من الخطوط المستقيمة، ولعل من الأمثلة الواضحة على استخدامها، الاتفاقية الموقَّعة بين الاتحاد السوفيتي والسويد عام 1998، وسلطنة عمان وباكستان في 2000، وفرنسا وإيطاليا عام 2015. 

فوز عملي للطرفين

تقول الورقة البحثية إن تركيا وإسرائيل دولتان ساحليتان قاريتان في شرق البحر الأبيض المتوسط، ولديهما خطوط ساحلية متقابلة. ولهذا السبب وعند تطبيق الخطوط القُطْرِية، تصبح لدى تركيا وإسرائيل حدود بحرية مشتركة تشبه إلى حد كبير تلك الحدود بين تركيا وليبيا. 

خريطة توضح المناطق الساحلية المتقابلة لتركيا وإسرائيل

ووفقًا لهذه الحدود المشتركة، وبالتوافق مع المبادئ المذكورة سابقًا، وباستخدام الخطوط القُطْرِية فإنه من القانوني والممكن لإسرائيل وتركيا أن توقِّعا اتفاقية لترسيم الحدود.

وإذا وقَّعت إسرائيل اتفاقية ترسيم حدود مع تركيا فستحصل على ما يصل إلى 16 ألف كيلومتر مربع من منطقة الاختصاص البحري. بالإضافة إلى كامل المنطقة رقم 12، المعروفة باسم حقل أفروديت، وأجزاء كبيرة من المناطق ذات الأرقام 8 و9 و11 مع أجزاء من المنطقة رقم 7 و10. وفي الوقت نفسه، ستكسب تركيا حوالي 10 آلاف كيلومتر مربع من المنطقة البحرية، بالإضافة إلى أجزاء من المناطق رقم 1 و5 و6 و7 و8 و10. والجدير بالذكر هنا أن خط الترسيم الذي سيُرسم وفقًا لهذه الاتفاقية لن يمس جزيرة قبرص، ولن تؤثر هذه الاتفاقية أيضًا في مناطق الاختصاص البحري الحالية لمصر.

خريطة توضح الخط الذي يربط بين تركيا وإسرائيل المتقابلتين

خاتمة

وأوضح الكاتبان أن الاتفاق الذي أبرمته إسرائيل مع الإدارة القبرصية اليونانية أظهر تجاهلًا لمبادئ القانون البحري الدولي مكَّن الإدارة القبرصية اليونانية من الحصول على مساحة بحرية أكبر بكثير مما تستحق، وهي مناطق تنتمي قانونًا لإسرائيل. وبتوقيعها على هذه الاتفاقية، التي تتجاهل توجيهات مبادئ القانون الدولي، خسرت إسرائيل 4.600 كيلومتر مربع.

خريطة توضح مكاسب كل من تركيا وإسرائيل من اتفاقية ترسيم الحدود

والمنطقة البحرية التي يقع بها حقل أفروديت هي منطقة مُستحقَّة قانونًا لإسرائيل. وبالتوافق مع مناطق الاختصاص البحري التي يحق لإسرائيل المطالبة بها، يجب على إسرائيل على الأقل تعديل اتفاقية ترسيم الحدود الموقَّعة مع الإدارة القبرصية اليونانية لاستعادة حقوقها في المناطق المذكورة سابقًا.

ومع ذلك، يبقى الخيار الأكثر عملية وفائدة بالنسبة لإسرائيل هو توقيع اتفاقية ترسيم حدود مع تركيا في ضوء سواحلهما المتقابلة. وفي حين أن اتفاقية ترسيم الحدود ستكون مفيدة لكلا البلدين، تركيا وإسرائيل، فإنه من المهم أن نُذكِّر أنه لا يلزم قانونًا أن يكون هناك اتفاقية من أجل إعلان مناطق اقتصادية خالصة خاصة بهما. إذ يمكن لتركيا الإعلان عن منطقة اقتصادية خالصة وفقًا للشروط المذكورة في الدراسة.

وستُطالب تركيا أيضًا، في حالة عدم وجود اتفاقية مع إسرائيل، بالمنطقة البحرية بوصفها حقًّا لها وفقًا للقانون الدولي. ومع ذلك، حتى لو أعلنت تركيا عن منطقة اقتصادية خالصة دون اتفاق مع إسرائيل، فلن يؤثر ذلك في مناطق الاختصاص البحري الحالية لإسرائيل، لأن الحدود البحرية الإسرائيلية الحالية ستقع إلى الجنوب من خط الترسيم المقصود. ومع هذا، ترى الورقة البحثية في ختامها أن النتيجة المرجوَّة ما تزال هي التوصل إلى اتفاق متبادل بين هاتين الدولتين الرئيستين في شرق البحر المتوسط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد