قال جيسون باك في مجلة «فورين بوليسي» إن الصراع العربي الإسرائيلي ظل لعقود خطَّ الصدع الجيوسياسي الأساسي في الشرق الأوسط. لكن في السنوات الأخيرة لم يعد هذا هو الحال؛ إذ تخشى دول الخليج من قوة إيران الإقليمية؛ مما دفعها سرًّا للتحالف مع إسرائيل، دون تطبيع كامل للعلاقات.

بيد أن الصفقة الأخيرة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة جعلت هذا التحول رسميًّا. ومع أنه قد لا يكون للاتفاق تأثير كبير في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فسيكون له آثار عميقة في أماكن أخرى.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
مترجم: إسرائيل هي الرابح الأكبر من الصفقة التاريخية مع الإمارات 

وأوضح باك أن هذه التوترات الإقليمية تجعل حل الحروب بالوكالة أمرًا صعبًا للغاية، لا سيما في ليبيا؛ إذ أعلنت حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس أمس وقف إطلاق النار من جانب واحد. وعلى الرغم من الإعلان، وفي ظل عدم وجود انفراج حقيقي بين المعسكرين المتنافسين في الشرق الأوسط، فلا أمل في القضاء على الدوافع الحقيقية للصراعات بالوكالة في المنطقة. تحاول حكومة الوفاق الوطني ببساطة استعادة اليد العليا من خلال تصوير نفسها على أنها صانعة سلام منتصرة.

ومع أن الدوافع الأساسية للصراع الإقليمي ما تزال كما هي دون تغيير، فإن النقاد محقُّون في الإشارة إلى الأهمية الإقليمية للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي المبرم الأسبوع الماضي. من المرجح أن يتشكل مستقبل المنطقة من خلال إضفاء الطابع الرسمي على تقسيمها إلى كتلتين متنافستين.

الكتلة الأولى تضم إسرائيل، وهي مؤيدة للملَكية ومعادية للإخوان المسلمين، وتتكون من مصر والأردن والمغرب والإمارات والسعودية، وبدرجة أقل عمان والسودان والكويت. على الرغم من امتلاكها لمعظم القوة الاقتصادية، فإنها تواجه على المستوى الإقليمي مجموعة صاعدة من الحكومات التي تعارض الوضع الراهن، والتي تدعم الإسلام السياسي من جانب أو آخر. هذه الكتلة المتمردة المتنافسة تقودها تركيا وإيران وقطر.

على الرغم من الإشادة بالاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، فمن المرجح أن يطيل أمد الحروب الإقليمية الجارية. وسيزيد من حدة الصراع في تلك المناطق المتنازع عليها في الشرق الأوسط، حيث تدعم الكتلتان الأطراف المتنافسة، في المقام الأول اليمن وليبيا وسوريا؛ إذ تربح كتلة المتمردين في الصراعات الثلاث.

ويشير باك إلى أن الإمارات العربية المتحدة أثبتت أن استراتيجيتها الرئيسية في هذه الصراعات هي السيطرة على السياسة الخارجية لحلفائها. استفاد القادة الإماراتيون من علاقاتهم في الرياض وواشنطن على مدى السنوات الثلاثة الماضية؛ لمنحهم هم أو وكلاءهم حرية القتال في هذه المناطق المتنازع عليها. ولكن في لحظة نجاحها الدبلوماسي الكبير، تتعثر الإمارات حاليًا عسكريًّا في المسارح الثلاث.

Embed from Getty Images

الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل هما أكبر حليفين إقليميين للولايات المتحدة لسبب وجيه؛ إنهما تمتلكان اقتصادات متطورة، وتشتركان في قيم معينة مع الغرب مثل التسامح الديني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الحرب ضد الإرهاب، والحماية الصارمة للملكية الخاصة. ومع ذلك، فقد أظهرت كلتاهما ميلًا للاستبداد على مدار العقد الماضي. لسوء الحظ، بدلًا من التصدي للإماراتيين، أذعنت إدارة ترامب لأحلامهم بالسيطرة الإقليمية، بحسب التقرير.

اتخذت واشنطن نهجًا مماثلًا تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وتخلت عن الدور التقليدي للولايات المتحدة بوصفها وسيطًا بين إسرائيل وخصومها، وبدلًا من ذلك تغاضت عن كل تجاوزات نتنياهو عندما يتعلق الأمر بالتوسع الاستيطاني، والعسكرة المتزايدة للسياسة الخارجية الإسرائيلية، والفساد، والممارسات المحلية التمييزية وغير الديمقراطية.

ليبيا.. ساحة المعركة الرئيسية

ينوه باك إلى أنه على مدى السنوات التسعة الماضية كانت ليبيا بمثابة ساحة معركة رئيسية بين الكتلتين في المنطقة. لقد جاء الدعم الأجنبي للجماعات الداخلية المتنافسة إلى حد كبير في شكل أسلحة، على الرغم من قرار الأمم المتحدة الذي يحظر عمليات نقل الأسلحة هذه. يرسل قادة المحور الإماراتي، إلى جانب روسيا، الدعم للجنرال الليبي خليفة حفتر، الذي يقود ما يسمى بالجيش الوطني الليبي المتمركز في شرق البلاد.

عربي

منذ 5 شهور
انتصارات مستمرة للوفاق.. هل خسر حفتر معركة طرابلس؟

المجتمعات المحلية والميليشيات المعارضة لحفتر تدعم حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة. تتلقى هذه المجموعة مساعدة دبلوماسية ملموسة من إيطاليا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وأحيانًا الولايات المتحدة. ومع ذلك، رفضت تلك الدول تقديم المساعدة العسكرية المطلوبة عندما تعرضت طرابلس للهجوم في عام 2019م.

لذلك، منذ أوائل عام 2020م، تدخَّلت الحكومة التركية نيابة عن الكتلة الإقليمية للمتمردين؛ إذ مررت طائرات بدون طيار ومرتزقة سوريين إلى شواطئ ليبيا لحماية طرابلس وهزيمة حفتر. ارتكب الجانبان فظائع، وضغط الأتراك من أجل منطقة بحرية حصرية، وهو ما ينتهك بوضوح القانون الدولي – والحقوق البحرية اليونانية والقبرصية والمصرية – في محاولة لتحويل تركيا إلى مركز للتنقيب عن الغاز وتصديره في شرق البحر المتوسط، بحسب التقرير. على الرغم من الموقف الإقليمي العدواني لتركيا، فإن الدعم الروسي والإماراتي هو الذي يبقي حفتر في مكانه، ويجعل من الصعب التوصل إلى حل وسط وإنهاء الحرب الأهلية في ليبيا.

يضيف باك،  بعد أن خسر حفتر نهائيًّا معركة طرابلس هذا الربيع، يتزايد الاعتراف بخروجه من المسرح. بدأت كل من القاهرة وموسكو في تقديم رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، بوصفه وسيطًا بديلًا للسلطة في شرق البلاد. ردًّا على ذلك، يستعد حفتر للهرب. إذ إنه في 24 أبريل (نيسان)، جرى تعقب طائرة حفتر الخاصة وهي في طريقها إلى كاراكاس. ثم غادرت إلى سويسرا بعد ثلاثة أيام، وهبطت في دبي في أوائل مايو (أيار). كان الغرض من الرحلة هو استبدال الدولار الأمريكي بالذهب الفنزويلي.

يبدو أن هذا الحادث سيغير الديناميكيات الأساسية في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا. منذ تنصيب الرئيس دونالد ترامب في عام 2017م، استُخدمت السياسة الأمريكية بشأن ليبيا وسيلةً لإرضاء الإمارات ومصر والسعودية، بينما عدها موظفو الخدمة المدنية المحترفون ساحة رئيسية لقتال النفوذ الروسي، والتنسيق مع حلفاء الناتو والأمم المتحدة.

ويكشف باك عن أنه عندما تجاوز حفتر إدارة ترامب مرتين بانتهاكه عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على فنزويلا، بدا أن هذا الانقسام طويل الأمد في سياسة الولايات المتحدة تجاه ليبيا قد اختفى مؤقتًا. خلال فترة وجيزة، قادت الحكومة الأمريكية المفاوضات لرفع الحصار النفطي لليبيا (الذي فرضه حفتر)، بالتنسيق مع تركيا لتعزيز نفوذ حكومة الوفاق الوطني. واتهمت قوات حفتر بانتهاك حقوق الإنسان، وانخرطت في دبلوماسية مكوكية بين الفصيلين الرئيسيين.

الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي سيغير سياسة واشنطن

ومع ذلك، من المرجح أن يؤدي اتفاق الأسبوع الماضي بين الإمارات وإسرائيل إلى نهاية مفاجئة لهذا التقارب التدريجي والمفيد لوجهات نظر البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، والبنتاجون بشأن ليبيا، ومعها دور واشنطن المحتمل في تحقيق الاستقرار.

للأسف، يبدو أن الولايات المتحدة تعود إلى الأيام الخوالي عندما كان تدخل البيت الأبيض في ليبيا يجري بناءً على دعوة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد. ما تزال الشخصيات الرئيسية في الإدارة، وخاصة وزير الخارجية، مايك بومبيو، غاضبة من مساعدة حفتر لعدوهم في كاراكاس، ومع ذلك فإن استرضاء الإمارات العربية المتحدة يتغلب الآن على تلك المشاعر.

ويقول باك إنه في وقت كانت شعبيتهما تتراجع بسبب سوء التعامل مع جائحة فيروس كورونا وفضائح لا تعد ولا تحصى، تساعد الصفقة الإماراتية الإسرائيلية نتنياهو وترامب في حل مشاكلهما الانتخابية الداخلية. غير أنها لا تفعل مثل هذا الشيء لحكام الإمارات. في الواقع، إنها تضر بشعبيتهم المحلية الضعيفة. ومع ذلك، فقد منح الإماراتيون نتنياهو وترامب أهم إنجازات السياسة الخارجية، مقابل مكاسب جيوسياسية في أماكن أخرى.

أثار الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي جدلًا في العالم العربي؛ لأنه يمكن فهمه على أنه تخلٍّ عن الفلسطينيين، ومن هنا جاءت القرارات الأخيرة لحلفاء الإمارات في السودان والسعودية بالنأي بأنفسهم. ويزيد هذا من مديونية ترامب وكوشنر للقيادة الإماراتية لمساعدتهما في تقديم دعم إعلامي هما في أمس الحاجة إليه. نتيجة لذلك، من غير المرجح أن ينتقد البيت الأبيض الآن دور الإمارات في ليبيا، ناهيك عن سوريا، أو مصر، أو شرق أفريقيا، أو اليمن.

Embed from Getty Images

حتى إذا فاز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، في نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن الرأي المفرط في التفاؤل بأن الاتفاقية قد تشجع في نهاية المطاف الدول العربية الأخرى على استعادة العلاقات مع إسرائيل، ومنع ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ستخفف من أي انتقادات محتملة لدور الإمارات الإقليمي العدواني. وفي ليبيا، من المرجح أن تستمر الإمارات في منع إنتاج النفط – مما يلحق الضرر بالاقتصاد الليبي – وستواصل دعم التدخل العسكري المستمر من قبل مصر أو روسيا.

يقول باك باختصار ستجبر الصفقة ضمنيًّا الولايات المتحدة على التراجع عن دورها في الوساطة في ليبيا، مما يزيد من تصلب انقسام المنطقة إلى كتلتين. يبدو أن ترامب وكوشنر قد باعا أخيرًا ملف ليبيا إلى أبوظبي مقابل انتصار محلي.

بالنظر إلى أن مشاركة الرئاسة الأمريكية من المحتمل أن تتوقف حتى يناير 2021م على الأقل، فإن أحد السبل التي يمكن للحكومة الأمريكية مواصلة الدفع بها من أجل السلام في ليبيا سيكون من خلال قانون تحقيق الاستقرار هناك. ينص التشريع على أن تفرض الإدارة عقوبات على الدول التي تتدخل في الأزمة الليبية، وكذلك على المهربين ومنتهكي حقوق الإنسان. ولكن على الأرجح لن يُستخدم لفرض عقوبات على الإماراتيين، حيث تعج مراكز الأبحاث والكونجرس في واشنطن بمؤيدي الإمارات العربية المتحدة.

عربي

منذ شهرين
«المونيتور»: هل أصبحت خيارات تركيا العسكرية في ليبيا محدودة؟

يضيف التقرير أن القانون في شكله الحالي لا يذكر سوى روسيا وتركيا، ومن المحتمل أن يسمح بفرض عقوبات على مصر، التي هددت مؤخرًا بعمل عسكري مباشر في ليبيا. ومع ذلك، سيكون تذكيرًا صارخًا بتراجع دور الكونجرس عن سياسة ترامب الخارجية التي ترفع علاقتها مع الإمارات فوق القانون الدولي.

إذا تولت إدارة جديدة، أكثر استعدادًا لفرض العقوبات، مقاليد الأمور، فإن مثل هذه الخطوة يمكن أن تساعد في وقف الحرب بالوكالة في ليبيا، وتقديم الإغاثة لمن يعانون. يذكر التقرير أنه يجب على صانعي السياسة وقادة الرأي في الولايات المتحدة أن يدركوا الانقسامات الإقليمية المتصاعدة في الشرق الأوسط التي حلت محل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأن يسعوا إلى منع المعاناة التي تسببها هذه الانقسامات في ليبيا وأماكن أخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد