في هذا التحليل الشامل تقدم لك «ساسة بوست» ورقة بحثية تتناول الوجود الإسرائيلي في الشرق الأوسط، ونشأة إسرائيل، والصراع العربي الإسرائيلي، وكيف يراه المحلل السياسي الأمريكي ويليام بولك منذ أن بدأ في العقود الأولى من القرن الماضي وحتى اليوم، فمن هو ويليام بولك؟

وُلِد ويليام رو بولك في مدينة فورت وورث بولاية تكساس. والتحق بالمدرسة العامة في فورت وورث، وخلال الحرب العالمية الثانية حصل على تدريب في سلاح الفرسان بمعهد نيو مكسيكو العسكري. وعمل في صحيفة في روما قبل دخوله الكلية. وتخرج في عدة جامعات: هارفارد، وأكسفورد، وجامعة المكسيك الوطنية، وجامعة تشيلي الوطنية، وجامعة بغداد، والجامعة الأمريكية في بيروت.

درَّس بولك التاريخ واللغة العربية وآدابها، وساعد في تأسيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد من 1955 إلى 1961. وفي عام 1965، عمِل أستاذًا للتاريخ في جامعة شيكاغو. وأسس مركز دراسات الشرق الأوسط، وكان المدير المؤسس لجمعية دراسات الشرق الأوسط الأمريكية.

حصل بولك على أربع زمالات لمؤسسة روكفلر، وزمالة فورد واحدة وغوغنهايم، وخلال فترة عمله في الحكومة، حصل على وسام الشرف من وزارة الدفاع وميدالية الشرف من مملكة أفغانستان. وألَّف بولك عددًا من الكتب، منها على سبيل المثال لا الحصر: «الصليبية والجهاد حرب الألف سنة بين العالم الإسلامي وعالم الشمال»، «فهم إيران: كل ما تحتاج إلى معرفته، من بلاد فارس إلى الجمهورية الإسلامية، من كورش الكبير إلى خامنئي»، «العالم العربي اليوم»، «فهم العراق»، «السياسة العنيفة: تاريخ التمرد والإرهاب وحرب العصابات، من الثورة الأمريكية إلى العراق»، وغيرها.

كما عمل في مجالس إدارة عديد من المؤسسات والشركات، كما عمل مستشارًا للرؤساء التنفيذيين في اثنتي عشرة شركة كبرى. وألقى محاضرات في أكثر من 100 جامعة، وظهر مرارًا وتكرارًا في البرامج الإذاعية والتلفزيونية وعدد كبير من المحطات المحلية.

مشكلة فلسطين

يشير بولك في مستهل ورقته البحثية بعنوان «إسرائيل .. الماضي والحاضر والمستقبل» إلى أن غيرشون باسكن، كاتب المقال الذي نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» 25 يوليو (تمّوز) 2019 بعنوان «الوقوف في وجه السلام: ألا نخجل؟»، أثار نظرة عامة على «مشكلة فلسطين». وقبل أيام قليلة روى الكاتب حدثًا رأى أنه يسخر من جهوده لتحقيق السلام، فيقول: «بينما كنتُ أشاهد مقطع فيديو لشرطة الاحتلال وهم يفجرون أحد المباني السكنية الثلاثة عشر التي هُدِمت هذا الأسبوع في حي وادي الحمص في صور باهر بالقدس الشرقية، ودَدْتُ أن أدفن نفسي خجلًا. وبعدما انفجر المبنى وضحك الجنود عند سماع صرخات الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا مأوى، تحوَّل خجلي إلى غضب عارم».

Embed from Getty Images

لقد كان هذا الحدث واحدًا من سلسلة كاملة من التدمير الإسرائيلي لحياة الفلسطينيين وزرع مزيد من بذور الكراهية في قلوبهم. وغالبًا ما «يتجاهل» الغرب – ولكن ليس وسائل الإعلام الإسرائيلية – مثل هذه الأحداث. وإذا كنا نريد حقًا تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وبخاصة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإننا يجب أن نسعى إلى رؤية أكثر شمولًا لـ«مشكلة فلسطين». وسأحاول تقديم مثل هذه النظرة الشاملة من خلال هذه الورقة البحثية التي تناولت فيها إسرائيل في الماضي والحاضر والمستقبل.

وُضِعتْ السياسة الإسرائيلية قبل قرن من الزمان عندما بدأت الحركة الصهيونية، وربما كان ذلك نتيجة حتمية لمعاداة السامية في الأوساط الغربية وبناءً على نموذج الإمبريالية الغربية. وما فعله الصهاينة، وما يفعلونه بالشعب الفلسطيني يوازي ما فعله الأوروبيون جيلًا بعد جيل باليهود – وما فُعِل أيضًا بالعرب والشعوب الأخرى التي انقض عليها الاستعمار. وكنتُ قد ناقشت نتائج الإمبريالية على المسلمين في كتابي « Crusade and Jihad: The Thousand-Year War Between The Muslim World and the Global North أو الحملات الصليبية والجهاد: حرب الألف عام بين العالم الإسلامي والشمال العالمي» (مطبعة جامعة ييل 2018).

صراع لا نهاية له

وبالطبع لا يمكن أن يكون تسلسل الأعمال القمعية مبررًا لأعمال أخرى. إننا لا يمكن أن نغفل هذه الأعمال لأنها تُشكِّل عالمنا اليوم. وتجسد معاداة السامية والإمبريالية استئساد القوي على الضعيف. وتحوَّل الصراع إلى شكل حديث مستمر بلا نهاية تلوح في الأفق. وكلا الشعبين الساميين، اليهود والفلسطينيين، عالقان اليوم في البؤس، والدمار، والنزوح، والموت. ولم يكتشف أحد كيفية إيقاف ذلك. وقد حاولتُ ثلاث مرات نيابةً عن حكومة الولايات المتحدة وفشلت؛ وأفضل ما تمكنتُ من تحقيقه كان وقف إطلاق النار على قناة السويس في عام 1970.

ومن الواضح أن هناك عددًا من التعقيدات والخلافات الأساسية؛ ولكن نقطة البداية الأساسية هي أنه لن يحدث تحسن ملحوظ في الأوضاع ما لم نتفق والإسرائيليون وأنصارهم على أن إسرائيل دولة مثل الدول الأخرى، يجب النظر إليها والتعامل معها على هذا الأساس، ويجب أن تخضع للأعراف والقانون والاتفاقيات الدولية لا أن تكون فوق اللوم أو المساءلة. وعلى هذا الأساس العقلاني وحده سيكون هناك مجال للتحرك نحو السلام. وبهذا يمكن تحليل القضايا وإعادة تقييم المخاوف والأهداف.

يعتقد بعض المشاركين والمراقبين أنه لا يمكن وقف هذه المأساة حتى تنتهي أسبابها: وبالطبع، نحن نعرف الأسباب: الفلسطينيون يريدون استعادة أرضهم، بينما الإسرائيليون مصممون على عدم التعرض مرةً أخرى لمحرقة الهولوكوست. لكن هذا ليس سوى القشرة الخارجية لمعضلة صنع السلام. ولا يمكن إحراز التقدم إلا من خلال نهج حساس وشامل وواضح. وسأحاول تقديم ذلك هنا بإيجاز. وسوف أتعامل مع القضايا الأساسية، وسأحاول توضيح كيفية استخدامها وتعديلها وما يحدث الآن وما يخبئه المستقبل.

توظيف الهولوكوست لصالح دولة إسرائيل

Embed from Getty Images

وأبدأ بالجانب اليهودي/الصهيوني/الإسرائيلي: تمثل المحرقة ذروة الوحشية لمعاداة السامية في الأوساط الغربية، وجرى تبنِّيها وتوظيفها لتكون سببًا في وجود دولة إسرائيل: إنه يجب، ليس على الإسرائيليين فحسب، ولكن على جميع اليهود أن يدركوا فظاعة تجربتهم في أوروبا، وأن يُكرِّسوا أنفسهم لإقامة دولة يهودية قوية بما يكفي لمنع تكرار هذه المحرقة. هذا هو المقياس الذي تُقيِّم من خلاله الأنظمة الإسرائيلية أفعالها. وتمثَّلت هذه الإجراءات في ثلاث سياسات أساسية سنَّتها جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة:

أولًا، يجب أن تصبح إسرائيل دولة حديثة صناعية وعسكرية قوية.

ثانيًا، لا يوجد تمييز جوهري بين الإسرائيليين واليهود الذين يعيشون في الخارج.

ثالثًا، طالما أن هناك مساكن محدودة بناها الفلسطينيون من غير اليهود ومن المسيحيين والمسلمين والدروز الذين يتحدثون العربية، فإن إسرائيل دولة قومية يهودية ويجب أن تظل كذلك.

والسؤال هنا: كيف تأثرت هذه السياسات بالحركة الصهيونية ودولة إسرائيل؟ بالترتيب الزمني، كان البرنامج الصهيوني حُلمًا لتيودور هرتزل وضغط من أجل تحقيقه حاييم وايزمان وأنجزه دافيد بن غوريون. لقد وضعوا ما يمكن وصفه بأنه الخط الرئيس للحركة الصهيونية. لكن «اليمين المتطرف» للحركة الصهيونية بقيادة فلاديمير جابوتنسكي اعتبره غير كافٍ. وحرَّض جابوتنسكي جيلًا كاملًا من الصهاينة على معارضة المحاولة البريطانية قبل ما يقرب من قرن من الزمان لتأمين تسوية مؤقتة من خلال تقسيم «فلسطين» بين الإسرائليين والفلسطينيين.

اللجوء إلى الإرهاب

وعندما فشل في التأثير على البريطانيين، لجأ أتباع جابوتنسكي إلى الإرهاب. وحتى في خضم الحرب الكبرى ضد النازيين، انخرطوا في حرب إرهابية ضد البريطانيين. وكانت الصهيونية الرئيسة تعارض ذلك ظاهريًّا، إلا أن الإرهابيين المتأثرين بأفكار جابوتنسكي وإرغون زفاي لومي ولوهامي هيروت يسرائيل عملوا في الواقع باعتبارهم رأس حربة لها. وقتلوا المسؤول البريطاني الكبير في الشرق الأوسط، الممثل الشخصي لتشرشل، اللورد موين، وحاولوا قتل الجنرال نفسه في قيادة القوات البريطانية. إن العنف الذي دعا إليه جابوتنسكي شكَّل الحركة الصهيونية التي قاتلت البريطانيين حتى استسلموا وغادروا.

ثم في الخطة «د» لـ«داليت» (توشنيت دالت) نفَّذوا عملية كانت قد خطرت ببال بن غوريون بالفعل في عام 1937. وكما لخص الصحافي الإسرائيلي بيني موريس الوثيقة ذات الصلة في الأرشيف الإسرائيلي، كان الهدف من العملية «قتل القيادة السياسية الفلسطينية، وقتل المحرضين الفلسطينيين والداعمين الماليين، وقتل الفلسطينيين الذين يقومون بأعمال عدائية ضد اليهود، وقتل كبار الضباط والمسؤولين الفلسطينيين في نظام الانتداب، والإضرار بوسائل النقل الفلسطينية، والإضرار بمصادر الاقتصاد الفلسطيني (آبار المياه، المطاحن)، ومهاجمة القرى الفلسطينية والنوادي والمقاهي وأماكن الاجتماعات، إلخ…».

Embed from Getty Images

كما واصل المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي، الخطة «دعت إلى الطرد المنهجي الكامل للفلسطينيين خارج حدود الدولة». ومن بين 700 قرية في فلسطين، دُمِّرت 561 قرية بالكامل حتى قبل الانسحاب البريطاني. وخلال المدة من 1948 إلى 1949، طُرِد جميع السكان تقريبًا.

ومنذ ذلك الحين، جرى تبنِّي ما اقترحه جابوتنسكي في الأصل ونفَّذه بن غوريون. وجاءت الصياغة الأكثر وضوحًا على يد الإستراتيجي الإسرائيلي عوديد ينون منذ ما يقرب من 40 عامًا. وأصبحت «إسرائيل الصغرى» التي طالب بها جابوتنسكي، والتي أقامها بن غوريون «إسرائيل الكبرى» وفق خطة ينون.

وتدعو خطة ينون إلى إقامة دولة إسرائيلية تحكم الشرق الأوسط من النيل إلى الفرات. وبصيغة إستراتيجية أوروبية، صارت خطة ينون تلخيصًا لاتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 التي قسَّمت بريطانيا وفرنسا من خلالها قلب الشرق الأوسط (ومناطق أخرى) بينهما (وبين غيرهما من الإمبرياليين) وفي هذا المخطط، كانت الشعوب الأصلية في إمبراطورياتهم ستُدمج باعتبارها شعوبًا «مُستعْمَرة». وهذا يعني أنهم كان يجب أن يُعامَلوا مثل الهنود والمصريين والجزائريين وغيرهم من الآسيويين والأفارقة – دون وسائل مستقلة للتعبير عن حقوقهم الاجتماعية، أو الثقافية، أو السياسية، أو تطلعاتهم الشخصية.

ولم يكن مارك سايكس ولا فرانسوَا جورج بيكو ولا عوديد ينون يفكرون في اتحادات أو دول كومنولث، بل كانوا يهدفون إلى إقامة الإمبراطورية. وعند الضرورة، سيُحكم السكان الأصليون بـ«السيف» وسيُقمَعُون عن طريق الحبس في السجون أو معسكرات الاعتقال. وتجسَّد ذلك عن طريق الحكم البريطاني، على سبيل المثال، في الهند حتى عام 1945، وعن طريق الحكم الفرنسي في الجزائر حتى عام 1962؛ إنها ممارسة إسرائيلية منذ قيام الدولة. واليوم، يوجد ما يقرب من 25 ألف فلسطيني في السجون الإسرائيلية أو معسكرات الاعتقال.

من هم الإسرائيليون؟

واليوم يختلف اليمين الإسرائيلي المتشدد عن غيره من الصهاينة، وقد اختلف عنهم جيلًا بعد جيل، وذلك في التوقيت ومدى الهدف فحسب. لقد اشترك جميع الصهاينة، من الأشكناز (الأوروبيين) والمزراحيين (الشرقيين)، في غاية واحدة: دولة يهودية ليس للناطقين باللغة العربية، من المسيحيين والمسلمين، دور سياسي فيها. وجرى التخطيط لتطبيق نظام الفصل العنصري هذا على جميع المجموعات الثلاث الناطقة بالعربية – أولئك الذين طردوا من فلسطين إلى بلدان أخرى باعتبارهم لاجئين، وأولئك الذين بقوا في جيوب الضفة الغربية وغزة، وأولئك الذين أصبحوا مواطنين إسرائيليين. وكلهم أعداء في نظر اليمين الإسرائيلي؛ المتطرف والوسط. حتى عندما يكونوا سلبيين، يُنظر إليهم على أنهم يشكِّلون تهديدًا وجوديًّا للدولة اليهودية.

ودائمًا ما كان الليبراليون الإسرائيليون أو «مُحبُّو السلام» قلة عاجزة؛ اعتقد بعضهم أن إسرائيل ثنائية القومية يمكن أن تحقق الهدف الصهيوني. وفي حين كان رجال مثل يهودا ماغنيس ومارتن بوبر يحظون بالاحترام والتبجيل في نظر أتباعهم نظرًا لكرامتهم وإنسانيتهم​​، لم يكن عدد أتباعهم سوى عشرات أو مئات، بينما كانت الجماعات اليمينية المختلفة هي الغالبية العظمى دائمًا، ويبلغ عددها عشرات الآلاف.

Embed from Getty Images

واليوم، تضاعف عددها أربع مرات. وبعد وصول ما يقرب من مليون أشكنازي (يهود سوفيت أو روس)، تولى اليمين المتطرف السيطرة الكاملة على الدولة. وإذا كان للإسرائيليين أن يختاروا بين أن يكونوا دولة ديمقراطية أو دولة فصل عنصري، فإن اليمين المتطرف قد اتخذ خياره بالفعل. وفي غضون ذلك هرول اليهود الروس الوافدون سياسيًّا إلى الأسطورة المركزية للدولة، المحرقة، حيث لم يكن لهم أي دور فيها لأنهم عاشوا بعيدًا عن متناول النازيين. لكن بعد أن أُشرِبوا الغضب والمخاوف بشأن الهولوكوست، نقلوا الصهيونية إلى أقصى حدودها المنطقية.

كما كتب المعلق الأنجلو أمريكي آدم شاتز: إن إسرائيل الآن دولتهم، وليست الدولة التي تصورها رجال مثل يهوذا ليون ماجنيس ومارتن بوبر. وأُسكِتت الأصوات المُعارِضة: «ولم يبقَ في إسرائيل سوى بضع مجموعات بطولية. والآن أصبح بنيامين نتنياهو – غير الليبرالي الإقصائي العنصري – المركز السياسي»، حسبما أشار معلق صحيفة هآرتس، جدعون ليفي، بحزن إلى أن إسرائيل اليوم تمثل: «العنصرية، والقومية المتطرفة، والانقسام، والتحريض، والكراهية، والقلق، والفساد…»، وهذه النتيجة ليست خطأ القيادة، إنما «الشعب ببساطة هو المشكلة…».

إذًا ما هو «الشعب؟»، ولماذا يقف صفًا واحدًا خلف اليمين المتشدد؟ إن وحدة اليمين المتشدد اليوم ترتكز إلى حد كبير على مجتمع المهاجرين اليهود الروس. وقد كسبت ولاءهم من خلال سياسات الحكومة اليمينية الحالية بزعامة بنيامين نتنياهو. وكما كتب غيرشون باسكن: «أعلمُ لماذا يقاتل المستوطنون ببأسٍ شديد، من أجل الحفاظ على أوضاعهم ومكتسباتهم، ولا علاقة لذلك بوعد الله للشعب اليهودي، ولا علاقة له على الإطلاق بأمن دولة إسرائيل. إنهم يتمتعون بمكتسبات كبيرة؛ مساكن كبيرة جدًّا بأسعار ميسورة جدًّا مع جودة حياة عالية، ويدفع دافعو الضرائب الإسرائيليون جزءًا كبيرًا من الفاتورة.

إنهم يبنون على أرض ليست بأرضهم، ويستخدمون البنية التحتية الحديثة التي لم يدفعوا ثمنها. ويعيشون في ظل قوانين دولة ليست ذات سيادة هناك. وبالطبع يريدون أن تبقى هذه الأوضاع كما هي. وبالطبع يستخدمون قوتهم السياسية لحماية مصالحهم الشخصية…».

ويتفق اليهود «الشرقيون» في السياسة مع اليهود الروس، ولكنهم يختلفون عنهم في الأصل. واليهود المزراحيون هم اليهود الذين بقوا في البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط، يعيشون – مثل المسيحيين الناطقين بالعربية – في أحياء يهودية تتمتع بالحكم الذاتي. وفي أوقات سابقة، تمتع اليهود والمسيحيون بنفس الدرجة، إن لم يكن أكبر، من الحرية والأمان بين المسلمين كما كانوا بين أبناء عمومتهم من الأوروبيين. ولكن مع تجذر القومية، أصبح كلاهما مستاءً من الهيمنة الإسلامية. ولذا شارك اليهود في ملابسات تأسيس دولة إسرائيل.

هاجر معظم اليهود المزراحيين إلى أوروبا أو إسرائيل وأخذوا معهم كراهية المسلمين والعرب المعاصرين. ونظرًا لمعرفتهم بالعربية وعادات المجتمعات العربية، كانوا في قلب جهاز المخابرات الإسرائيلي المتبجح، ووقفوا إلى جانب اليمين الإسرائيلي المتطرف بوجه عام. وفي المقابل كانت هناك مجموعة أخرى ذات جذور أبعد في العالم الإسلامي، السفارديم، لكن بأعداد أقل. وبعد أن لعبوا دورًا رئيسًا في المجتمع الإسباني العربي (الأندلسي) لعدة قرون، طُرِد السفارديم من إسبانيا على يد الملكة إيزابيلا في عام 1492.

Embed from Getty Images

ثم هاجرت مجموعات منهم من إسبانيا المسيحية المتعصبة بشدة إلى المغرب المسلم والإمبراطورية العثمانية بالإضافة إلى الولايات البابوية في ما يُعرف اليوم بإيطاليا. وبمرور الوقت وجد البعض طريقه إلى الإمبراطورية النمساوية والولايات الألمانية وفرنسا؛ حيث سُمِح لهم منذ أواخر القرن الثامن عشر بدخول المجتمع المسيحي المهيمن – وتحول كثير منهم إلى الكاثوليكية أو البروتستانتية. وشارك يهود السفارديم البارزون في الحكومة وارتَقَوا أماكن بارزة في الفن الأوروبي، والموسيقى، والأدب، والعلوم. وجلب بعضهم، مثل هرتزل نفسه ورفاقه، للصهيونية، التي كانت في النهاية حركة نمساوية-ألمانية، ثروة ثقافية وعلمية كبيرة.

وتختلف الطائفة اليهودية الأرثوذكسية، الحريديم، عن الأشكناز والمزراحيين والسفارديم. إذ عارض الحريديم الصهيونية في البداية. وعاش أفراد مجتمعهم لقرون في فلسطين بصفتهم حجَّاجًا وعلماء وأمناء على الثقافة الدينية اليهودية. ورأوا أنه بما أن اليهودية ديانة، فإن تسييسها ودمجها في دولة يُدنِّس طهارتها. لكن اليمين المتطرف اكتسبهم حتى يكونوا من أنصار الدولة من خلال التنازلات (مثل الإعفاء من الخدمة العسكرية) ولكي يقفوا إلى جانبه.

وبغض النظر عن الشعوب «الهامشية» مثل «اليهود السود»، يُعد الأشكناز، والمزراحيون، والسفارديم، والحريديم، الإسرائيليين.

ميزات لم تحصل عليها المجتمعات الناطقة بالعربية

والآن أنتقل إلى الفلسطينيين.

في الوقت الذي استفاد فيه اليهود الروس والبولنديون خلال القرنين الماضيين من العيش في ظروف محفزة نسبيًّا وغالبًا ما سُمِح لهم بالمشاركة في الحكم الذاتي على مستوى المجتمع أو الدولة، لم تكن المجتمعات الناطقة بالعربية كذلك. وفي ظل الإمبراطورية العثمانية، التي كانت بالطبع دولة مسلمة، كانت الدولة تحكم الغالبية العظمى من الفلسطينيين الذين كانوا مسلمين أيضًا. ولم يُنظر إليهم باعتبارهم مجموعة عرقية أو «قومية» منفصلة. وعلى عكس المسيحيين واليهود الذين منحهم القانون الإسلامي وضع الحكم الذاتي، لم يكن لهم مدارسهم، أو مستشفياتهم، أو سيطرة على الضرائب الفردية، أو الإعفاء من الخدمة العسكرية.

والفلسطينيون الذين كانوا مسيحيين شاركوا اليهود في هذا الوضع المنفصل، ولكنهم مثل الأغلبية المسلمة من السكان كانوا مزارعين، وحرفيين، وأصحاب دكاكين، وتجار. ومع ذلك لم يكن ما يتشاركونه مع اليهود هو ما يميز حياتهم بقدر ما يميزهم عن غيرهم من المسلمين.

تقسيمات على أصعدة مختلفة

وقُسِّم الناطقون بالعربية مِهنيًّا، ودينيًّا، واجتماعيًّا، وسكنيًّا، وثقافيًّا، وجغرافيًّا. ومن الناحية المهنية، كانت هناك فئة الحِرفُّيين ومن يرافقهم، ودينيًا، ظهر الانقسام الأكبر بين المسلمين والمسيحيين، فضلًا عن انقسام المسيحيين إلى مجموعة متنوعة من الطوائف، كل طائفة منها مدفوعة بمسائل عقائدية متجددة، لكنها راسخة. وسكنيًّا، قُسِّم قرابة مليون فلسطيني إلى شبه دول (قرى وبلدات وأحياء شبه مستقلة). وثقافيًّا، قُسِّم الناس بحسب معرفتهم للقراءة، والكتابة، وتعليمهم، و«انفتاحهم» على الفئات الأكثر تمدنًا، وثراءً والتفكير على نحو مختلف عن الريفيين والفقراء.

Embed from Getty Images

وانعكست انقسامات الداخل على اللاجئين، الذين يعيشون بعيدًا عن بيوتهم، وغالبًا ما تتوقف عجلة حياتهم العادية عن الدوران في المخيمات العشوائية والبعيدة عن بعضها البعض والخاضعة لإدارة أجنبية. وفي ظل عدم مشاركة اللاجئين الأصغر سنًا في الحياة السابقة، وعدم تواصل العائلات الأساسية مع عائلاتهم «الممتدة»، بدأت فئة صغيرة من الذين كانوا ينظرون إلى بعضهم البعض في السابق على أنهم أجانب، في تكوين مجتمعات جديدة، لكن العملية اتسمت بالبطء وعدم الانتظام وظلت بعيدة عن الاكتمال.

وبقدر ما التقوا بمواطني الدول التي وجدوا أنفسهم فيها أو عملوا لديهم عُمالًا موسميين أو تفاعلوا معهم بصورة أخرى، فقد قُسِّموا جغرافيًّا وسياسيًّا، فهؤلاء الذين يعيشون في لبنان شكلَّتهم قوى تختلف عن تلك القوى الستة القائمة على رعاية اللاجئين الذين يعيشون في الأردن، أو سوريا، أو غزة. ولذا استمرت مصادر الانقسام القديمة، والتي أُعيد تشكيلها، في الشرق الأوسط حتى الآن.

وعزَّز الإسرائيليون الانقسامات عن طريق إنشاء شبكة من الممرات على الطرق السريعة، ونقاط التفتيش، ومناطق محظورة، وبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، ومن خلال وضع لوائح تُقيِّد الحركة، أو تمنعها في إسرائيل وغزة، فضلًا عن استخدامها لبعض السياسات التجارية والمالية، التي أدَّت إلى إفقار المجتمعات الفلسطينية، بالإضافة إلى تجريم المعارضين ومعاقبتهم بقسوة.

ونفسيًّا، تظهر الاختلافات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في حقيقة أن اللاجئين من أوروبا والمهاجرين من روسيا التحقوا بمجتمع قوي وغني وناجح، بينما يُواصل الفلسطينيون، الذين فرَّوا من أوطانهم أو طُردوا منها، حياتهم وهم يشعرون بمرارة الهزيمة واليأس والعار والإحساس بالظلم.

إسرائيل اليوم أقوى

ومن غير المستغرب، ألا يُحقق الفلسطينيون أي وحدة وطنية أو عرقية، إذ أنهم لم يُشكلوا مطلقًا مجتمعًا واحدًا يؤسسون عليه دولتهم مثلما فعل الإسرائيليون، أو حتى الضحايا السابقين للاستعمار مثل السوريين، والعراقيين، والمصريين، والجزائريين. ويواصل الفلسطينيون، ببساطة، تجسيد سمات الشعب المُستعمَر.

وفي ظل هذه الملابسات ظل عديدٌ من الإسرائيليين ينظرون إلى الفلسطينيين لمدة طويلة – مثلما فعل الألمان مع اليهود – على أنهم أجناس دنيا، بينما أصبح الفلسطينيون يعُدُّون الإسرائيليين مستعمِرين، وأن إسرائيل أسوأ من الدول الاستعمارية الإنجليزية-الفرنسية.

ونتيجةً لذلك، لا يرى الفلسطينيون أو الإسرائيليون مجالًا كبيرًا للتسوية فيما بينهم. ومن المنطق، ألا يرى الفلسطينيون أي أساس للتسوية، وأعتقد أن وجهة النظر هذه ستدوم على المدى البعيد، ومع ذلك يسعى عددٌ من قيادات فلسطين وسكانها دومًا للتوصل إلى تسويات على المدى القصير. وأدَّى ميلهم نحو هذا إلى إضعافهم، فضلًا عن أنه عزَّز تطلعات اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي لا يشعر بأي حافز للتسوية بل يُعدونها خطرًا مُحدقًا.

Embed from Getty Images

لقد اعتقد الفلسطينيون رحيل الإسرائيليين في البداية، ولم يزل يتمنى بعضهم ذلك حتى الآن، كما رحل الصليبيون أو الاستعمار البريطاني في فلسطين، والاستعمار الفرنسي في الجزائر. لكن أملهم تلاشى، لأسباب عدة من بينها أن الإسرائيليين، على عكس المستعمرين البريطانيين والفرنسيين، تمكنوا من النأي بأنفسهم عن القيود الحضرية على القمع ومخاوف تكلفة الاحتلال الباهظة وقمع جهاد الفدائيين، فيما فقدت بريطانيا فلسطين في شارع تريدنيدل بلندن (حيث يقع مقر بنك إنجلترا)، وفقدت فرنسا الجزائر في مكاتب صحيفة باريس (التي نشرت روايات عن التعذيب أثارت غضب الرأي العام الفرنسي).

وفي المقابل، استطاع الفلسطينيون، بمساعدة الصهاينة واليمين المسيحي المُنبعث من جديد في أمريكا إلى جانب حالات الإرهاب البشعة، قلب الرأي العام الأوروبي والأمريكي ضدهم. ولم تُمارَس أي ضغوط أمريكية مؤثرة على اليمين المتطرف لتخفيف ممارساته، بل إن دعمه مضمون حتى في حالة أسوأ ما يمكن أن يقترفه من فظائع.

وفي حين أن انتقاد يهود أوروبا الغربية العلني للسياسات الإسرائيلية بدأ مؤخرًا، فإن هذا النقد لم يُؤثر، على الأقل حتى الآن، على المهاجرين من أوروبا الشرقية أو اليهود الروس. فهم قادمون كما أشرت من خلفيات فكرية وثقافية مختلفة تمامًا عن المجتمع اليهودي الغربي، ويبدو جليًّا أنهم ملتزمون بالبقاء حيث يعيشون حاليًا، بل يشكلون الأنصار الأساسيين للقيادات الداعمة لليمين المتطرف.

وحديثًا، بدأ عديدٌ من قادة الدول العربية وبعض سكانها في إيجاد اهتمامات ومصالح مشتركة مع الإسرائيليين، وهو ما أثار استغراب الفلسطينيين واستياءهم. بل ألقى كثيرٌ من العرب اللوم على الفلسطينيين لما وصلوا إليه – وقالوا «باع الفلسطينيون بلادهم لليهود». وعلاوةً على ذلك يُعرب بعضهم، لا سيما الذين أثرتهم أموال النفط، وهم عازمون على تحقيق «الحداثة»، عن إعجابهم بقوة إسرائيل وبراعتها وعزمها وثروتها.

ويريد كثيرٌ من العرب أن يصبحوا مثل الإسرائيليين، ولا يريدون أن يكونوا مثل الفلسطينيين. وحتى عندما ترفع مجموعات فلسطينية «سلاح» المقاومة، مثلما فعلت حماس في غزة، تخشاهم شعوب الدول الغنية، بل المصريون على اعتبار أنهم مثيرون للشغب، بدلًا عن احترامهم بوصفهم مقاومة وطنيَّة.

ونتيجةً لذلك، باتت إسرائيل اليوم أقوى، داخليًّا وخارجيًّا، مما كانت عليه في الماضي القريب. لذا ما الذي ننتظره؟ إليكم تخميني:

أولًا: لا أظن أن الإسرائيليين سيتبعون تمامًا خطة ينون، أو خطة سايكس – بيكو أو سيسعون وراء تحقيق الهدف الصهيوني الذي حدَّده تيودور هرتزل، لقد بات الإسرائيليون المعاصرون يتسمون بالواقعية؛ لأنهم استفادوا من التجارب السابقة، ليس من تجارب البريطانيين والفرنسيين الفاشلة فحسب، بل من تجاربهم الحديثة أيضَّا، وخلصوا إلى أن حكم الناس بإخضاعهم يُكلفهم أثمانًا باهظة وغير ضرورية، ويُعرضهم لمخاطر غير متوقعة. لكن ربما تُنفِّذ إسرائيل أجزاءً من خطة ينون.

Embed from Getty Images

سياسة إسرائيل تجاه جيرانها وغيرهم

وحددت تخميناتي بإيجاز قدر الإمكان كما يلي:

إن السياسة الوطنية الإسرائيلية الشاملة للجوار تعتمد على إبعاد معارضيها أو نفيهم أو إضعافهم.

  • ولتحقيق هذه الغاية، ستواصل إسرائيل التضييق على المجتمع «العربي الإسرائيلي» وقد تستخدم صورًا من بث التوتر لكي تغدو حياة أفراد هذا المجتمع مكروهة لدرجة تضطر كثيرًا منهم إلى اللجوء إلى الهجرة؛ كما ستواصل معاملة سكان غزة بقسوة حتى لو أدَّى ذلك إلى انتهاك القانون الدولي واستثارة الإدانات الدولية. ومنعت إسرائيل وصول الغذاء والماء إلى سكان غزة، وقلَّصت الزراعة والصناعة أو منعتها، كما حظرت الحصول على مواد البناء والأدوية، فضلًا عن شنها غارات عقابية شبه مستمرة ضد غزة. لكنها حتى اللحظة، لم تعثر على طريقة للتخلص من هذا المجتمع كما فعلت في 1948-1949 مع غالبية سكان «الانتداب» البريطاني السابق. إن إخلاء غزة من سكانها سيظل هدفًا لإسرائيل، وستسعى لتحقيقه في الظروف المواتية، لكنها تدرك أن الوجهة المحتملة الوحيدة لسكان غزة قد تكون الأردن، وأن الأمر سيكون خطيرًا إذا وُضِع عدد كبير من هؤلاء الغاضبين والمناضلين والمنظمين في الأردن. لذا أعتقد أن إسرائيل ستواصل سياستها الحالية، ولن تُصعِّدها.
  • وكانت الضفة الغربية دومًا الهدف الأساسي للتوسع الإسرائيلي، فيما يتركز هدفها بعيد المدى على إخلائها من الفلسطينيين ودمجها في إسرائيل.
  • وعلى عكس سكان غزة، يبدو سكان الضفة الغربية منقسمين وضعفاء، لذلك يمكن إرغامهم على الرحيل في عملية تدريجية تتضمن إنشاء مجتمعات «المستوطنين»، وبناء المنشآت العسكرية، وتكوين مناطق محظورة وتقييد الوصول إلى الطرق ومصادرة أراضي القرى الزراعية وغيرها من الوسائل التي ستؤدي مع استمرارها إلى تشجيع المجتمع الفلسطيني على الهجرة، لكن إسرائيل ستقوم بذلك وفق جدول زمني طويل.
  • ونظرًا لأن الأردن هي الوجهة الأكثر ملائمة واحتمالًا لاستقبال سكان الضفة الغربية، وأن الشعب الأردني ينحدر بالفعل من أصول فلسطينية سابقة، فضلًا عن أن إسرائيل تنظر إلى الأردن دائمًا على أنها محطة الدولة الفلسطينية الأخيرة، ستواصل إسرائيل، من أجل تحقيق هذا الغرض، حكمها للأردن حكمًا غير مباشر من خلال النظام القائم، والذي فرضته بريطانيا أساسًا، وحافظت معه على علاقات سرية لعدة سنوات.
  • وأثبتت لبنان أنها مستنقع بالنسبة لإسرائيل على الرغم من فرص التدخل الظاهرة التي تُتيحها الأعمال العدائية الداخلية. وبصورة جزئية، كان غزو إسرائيل للبنان، بدعم من المسيحيين الموارنة ضد اللاجئين الفلسطينيين واحتلالها لجنوب لبنان الشيعية، عاملًا محفزًا لحزب الله ودفعه إلى السلطة في الحياة السياسية اللبنانية. كما أنها حفزت انتشار أنشطة حزب الله في سوريا، وكان كل هذا بمثابة انتكاسة للسياسة الإسرائيلية. ومع ذلك أمَّنت إسرائيل مصلحتها الأكثر واقعية في لبنان، وهي السيطرة على منابع نهر الأردن. كما حَلَّت الخلافات المحتملة بشأن النفط والغاز إلى حد كبير من خلال الدبلوماسية؛ لذا أتوقع أن تُنحِّي إسرائيل سياستها العدوانية السابقة مع لبنان جانبًا.
    Embed from Getty Images
  • صحيحٌ أن المجتمع السوري يبدو أكثر تجانسًا من المجتمع اللبناني، لكنه نتيجة للحرب الأهلية وتدخل الولايات المتحدة، وروسيا، وإيران، وتركيا، والسعودية، وإسرائيل، أصبح التعقيد الاجتماعي السوري يشبه نظيره في لبنان سياسيًّا وعسكريًّا. وقد حققت إسرائيل هدفها الأساسي في سوريا، إذ استولت على مرتفعات الجولان، وطردت سكانها السوريين، وجلبت إسرائيليين بدلًا عنهم. وينبغي على إسرائيل منطقيًّا أن تسعى للوصول إلى التسوية وإقامة علاقات ودية مع النظام العَلَوي الحالي في سوريا، لكن مصدر قلقها الأساسي هناك هو نفوذ إيران ومقاتلي حزب الله الشيعة. وتشن إسرائيل، بموافقة الولايات المتحدة، غارات جوية عقابية من آن لآخر على الأراضي السورية، لكنها لن تستولي على المزيد منها.
  • خاضت مصر أربعة حروب مع إسرائيل، لكن هذه الحروب لم تعد سوى ذكرى، إذ بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عهد السادات، وتحول الجيش في عهد مبارك من قوة عسكرية إلى منظمة اقتصادية. وانتهت مدة حكم الإخوان المسلمين الوجيزة بانقلاب عسكري. وتخضع مصر حاليًا لسيطرة دكتاتورية عسكرية جشعة، وهو نظام مفيد لإسرائيل على نحو مضاعف: إذ إنه يعارض بقوة الحركة الإسلامية الرئيسة، جماعة الإخوان المسلمين، ولا يُظهِر سوى قدر ضئيل من الاهتمام بسياسات القومية العربية التي أعلنها جمال عبد الناصر. لذا أعتقد أن إسرائيل ستتعامل مع مصر بسياسة الإهمال بحسن نية.
  • وفي العراق حققت إسرائيل هدفها الأساسي، والذي كان ينطوي على منع ظهور منافس قوي في المنطقة بالقضاء على نظام صدام الذي كان في طريقه إلى أن يصبح منافسًا قويًّا، ومن أجل تحقيق هذه الغاية، وبناءً على طلب من إدارة نيكسون الأمريكية، دعمت إسرائيل إيران في حربها ضد العراق، ولم تكتف أمريكا، في ولايتي إدارة بوش، بتدمير قوة العراق العسكرية، بل دمرت العراق برمته. ولم يتبق في العراق بالنسبة لإسرائيل، سوى الوصول إلى النفط العراقي. وقد تعلم الإسرائيليون أن احتياجهم للطاقة يُمكن الوصول إليه بصورة غير مباشرة دون نشاط عسكري أو بذل مجهود دبلوماسي كبير. لذا أرى أن إسرائيل لن تهتم كثيرًا بالعراق في العقد القادم.
  • وصُنِّفت إيران على أنها الخطر الوجودي الحالي لإسرائيل بالرغم مما بينهما من علاقات وثيقة في السابق. وبصفتها قوة نووية، تصر إسرائيل على أن تظل الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. وتدرك إسرائيل أن إيران ليست على وشك أن تصبح قوة نووية، لكن القلق الحقيقي للإستراتيجيين الإسرائيليين يكمن في أن إيران ستصبح قوة ذات نفوذ في المنطقة إذا أتيح لها المجال. لذلك إذا لم تحصل إيران فعليًّا على قدرة نووية، فستظل هذه سياسة إسرائيل نحوها. وللمفارقة، أظن أنه إذا أصبحت إيران قوة نووية معترف بها، ستُغير إسرائيل سياستها سريعًا وتحاول التعاون معها أو التوافق على الأقل.
  • إن النظام التركي الحالي يرغب في تصوير نفسه على أنه الخليفة القوي الجديد للإمبراطورية العثمانية، ولكي تصبح كذلك، ستركز كثيرًا على تحقيق الاستقرار والنظام، وتُعَد إسرائيل بمثابة تعطيل لكليهما. وصحيح أن إسرائيل ليس لها مصالح هناك، لكنني أعتقد أنها ستلعب دورًا خفيًا غير مباشر فحسب في الشؤون التركية. وكانت إسرائيل في السابق تصطاد في الماء العكر لحركة الاستقلال الكردية، وعلى ما يبدو أنها ستواصل هذا الدور.
    Embed from Getty Images
  • العرب البعيدون عن إسرائيل: تحوَّلت السعودية في عهد محمد بن سلمان إلى حليف ضد إيران وتوفر آفاقًا للتعاون الاقتصادي، فضلًا عن أنها تقدم لإسرائيل عاملي جذب، أولهما: أن ثروتها وتخلفها النسبي يتيح فرصًا اقتصادية هائلة، وثانيهما: أن إقامة إسرائيل علاقة معها من نوع ما أو إبرام اتفاق سيقطع شوطًا طويلًا لإنهاء الحرب الباردة بين إسرائيل والعرب غير الفلسطينيين. ويُنْبِئني حدسي أن إسرائيل ستتحرك بلطف من وراء الكواليس كعادتها لتجنُّب حدوث رد فعل عنيف، مع ضمان أن يظل السعوديون على دراية بأن إسرائيل وأجهزتها الاستخباراتية والأمنية بمقدورهم حماية المؤسسة الحاكمة من تهديد الانشقاقات الداخلية والخارجية. ويبدو أن هذا ما يحدث.
  • تتشاطر روسيا والصين مع إسرائيل العداء للمسلمين، وقد يُوفران فرصًا اقتصادية مربحة، وهما لحسن الحظ بعيدان عن إسرائيل، وفوق ذلك كله هما مفيدان في تشجيع التعاون الأمريكي مع إسرائيل.
  • إن الولايات المتحدة هي الشاغل الرئيس في الإستراتيجية الإسرائيلية؛ إذ يتمتع جزء كبير من سكان إسرائيل بالجنسية المزدوجة حتى أن الإسرائيليين يتندرون بالقول إن إسرائيل هي الولاية الأمريكية الحادية والخمسين. كما تلقت إسرائيل أكثر من 100 مليار دولار في شكل منح وقروض من الحكومة الأمريكية والجهات المانحة الخاصة. كما تتشابك صناعات الأسلحة في كلا البلدين جدًّا، وتربط كلا الرئيسين، ترامب ونتنياهو، صداقة حميمة. ويتشارك البلدان الأهداف السياسية في الشؤون الدولية. إن المحافظة على هذه العلاقة وحمايتها وتعزيزها يُعد المهمة الأساسية لكل حكومة ومؤسسة إسرائيلية، وستبقى كذلك. ولإنجاز هذه المهمة انضمت إسرائيل إلى الجالية اليهودية الأمريكية، وتحاول توجيه الإعلام الأمريكي وتتدخل بقوة في جميع مراحل الحكم الأمريكي.

كما يلعب اللوبي اليهودي دورًا على مستويات العملية الانتخابية والتشريعية كافة، لدرجة أنه حاول تشريع قانون أمريكي يحظر انتقاد إسرائيل ومقاطعة بضائعها المنتجة في فلسطين المحتلة. وأعتقد أن هذا الأمر سيستمر طويلًا في المستقبل؛ لكن الخطر الوحيد الذي قد تواجهه إسرائيل مع أمريكا هو إفراطها في ثقتها في علاقتها بالولايات المتحدة. لكن إسرائيل مع ذلك اختبرت هذه الثقة وحدود العلاقات في عدة مناسبات، من بينها في عام 1954 في قضية لافون إذ استخدمت إسرائيل مجموعة من اليهود المصريين لحرق مبنى الحكومة الأمريكية. وفي عام 1967 محاولة إغراق سفينة مراقبة تابعة للبحرية الأمريكية غير مسلحة في المياه الدولية، والتي قُتل معظم طاقمها أو أصيبوا. وبعد كل ذلك خلص الإسرائيليون إلى استنتاج مفاده أنه لا توجد قيود على العلاقات بينها وبين الحكومة الأمريكية، بل مُنحت إسرائيل بالفعل ترخيص يلغي التحذيرات والقيود الأمريكية المستقبلية كافة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد