بينما تثير خطط الضم الإسرائيلية سخطًا متجددًا، يلفت البعض إلى أن نظام الفصل العنصري، الذي تُحكِم إسرائيل من خلاله قبضتها على الأراضي الفلسطينية، مستمر منذ عقود. 

كتب الصحافي على حرب، من واشنطن، تقريرًا في موقع «ميدل إيست آي» حول خطط إسرائيل المزمعة لضم أجزاء من الضفة الغربية وما يمثله ذلك من انتهاك للقانون الدولي، ونتائجه المتوقعة من زيادة معاناة الفلسطينيين والقضاء على حل الدولتين.  

يقول الكاتب الذي يغطي السياسة الخارجية الأمريكية والقضايا العربية – الأمريكية والحقوق المدنية والشؤون السياسيية: «سوف تضفي عملية الضم الإسرائيلي التي تلوح في الأفق لأجزاء من الضفة الغربية الطابع الرسمي على الوضع القائم الذي يرزح تحت نيره الفلسطينيون، وهم يعيشون تحت الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية منذ عام 1967 كرعايا بدون حقوق سياسية أساسية».  

غير أن الإعلان المتوقع بتطبيق السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الأراضي الفلسطينية سيكون نقطة تحول كبرى في الصراع، على حد وصف الكاتب. لأن الضم سيمثل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي، وسيفتح الباب أمام المزيد من الانتهاكات ضد الفلسطينيين، وفقًا لما يقوله الخبراء.

لا ينبغي التهوين من مخاطر الضم

تقول مايا بيري، المديرة التنفيذية للمعهد العربي – الأمريكي وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: «أعرف أن الحقائق على الأرض تقول: إن هذا هو واقع الشعب الفلسطيني، ولكن هذا إجراء استثنائي، ويتعين عدم التهوين من شأنه بأي صورة من الصور»

الضفة الغربية

مر يوم الأول من يوليو (تموز) الذي حددته الحكومة الإسرائيلية للبدء في عملية الضم يوم الأربعاء دون أي إعلان، واكتفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالقول إن حكومته ما زالت تجرى «مناقشات» حول المسألة. 

في هذه الأثناء، يدق الخبراء القانونيون والمدافعون عن حقوق الإنسان ناقوس الخطر بشأن هذا التحرك، ويحذرون من أنه يمكن أن يزيد من ترسيخ الوضع الراهن للانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. ويلفت الكاتب إلى أن هذا الوضع الراهن ليس وليد اللحظة، بل كان في طور التكوين على مدار عقود، مع اتخاذ إسرائيل خطوات تدريجية لتقليص فرص الفلسطينيين بالتمتع بالمساواة وتقرير المصير. 

«قتل بطيء لحل الدولتين»

استولت إسرائيل على قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية إلى جانب مرتفعات الجولان السورية في حرب عام 1967. وفي عام 1980 أعلنت سيادتها على القدس الشرقية، ثم على الجولان بعد ذلك بعام. 

وبينما لم يعترف المجتمع الدولي بحق إسرائيل في هذه الأراضي، فإنه لم يتخذ أي إجراء لمعاقبة الحكومة الإسرائيلية لانتهاكها قاعدة أساسسة في القانون الدولي إزاء استيلائها على أراضٍ بالقوة. 

في عام 2018، صدقت إسرائيل على قانون الدولة القومية الذي يعلن أن «ممارسة حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي». تعليقًا على هذه الممارسات، قالت بيري لموقع «ميدل إيست آي»: «السياسية الإسرائيلية كانت تقتل حل الدولتين ببطء، تدريجيًأ على مدار العقود القليلة الماضية»

وأضافت أنها في الماضي كانت تحجم عن استخدام لفظ «الفصل العنصري» لوصف الموقف في إسرائيل/فلسطين، حرصًا على إبقاء باب النقاش مفتوحًا… لكن بعد التصديق على قانون الدولة القومية، لا توجد كلمة أخرى يمكنها حقيقة أن تصف الموقف على نحوٍ ملائم»

مخاطر القبول بالوضع القائم

كانت بيري تتوقع أن يؤدي قانون عام 2018 إلى حشد معارضة أكبر في واشنطن وعبر العالم. ولكنه في الواقع مُرِّرَ دون أن تواجه الحكومة الإسرائيلية أي عقبات، مثلما حدث حين اتخذت خطوات الدمج في عامي 1980 و1981، وبنت الجدار العازل في أوائل القرن، ووسعت المستوطنات باستمرار في الضفة الغربية. 

وتابعت بيري: «هذا هو مبعث قلقي بشأن الضم الآن. فهناك البعض ممن يقولون: انظر من الناحية العملية، هذا هو ما يحدث في الواقع، ولذلك دعنا نمضي قدما ونضفي الطابع الرسمي عليه، وبهذه الطريقة سوف نقبل بالواقع القائم. والمشكلة أنه في الماضي لم يكن هناك ثمن سياسي يتعين دفعه عندما يحدث هذا، وأعتقد أن هذا ما يتعين أن يكون مختلفًا هذه المرة».

Embed from Getty Images

يوم الثلاثاء الماضي أرسل 13 نائبًا أمريكيًا خطابًا إلى وزير الخارجية مايك بومبيو يدعون فيه إلى فرض شروط على المعونة العسكرية الأمريكية لإسرائيل إذا ما مضت قدمًا في خطة الضم. 

غير أن هؤلاء ليسوا سوى 13 نائبًا من بين 535 مشرعًا في مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب موافقة على الخطط الإسرائيلية، بينما اكتفى غالبية الديمقراطيين، بمن فيهم المرشح الرئاسي جو بايدن، بإصدار إدانات لفظية لهذه الخطوة، دون التعهد باتخاذ أي إجراء ذي معنى لإيقافه. 

وفي منتصف يونيو (حزيران) أصدر 50 خبيرًا في حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بيانًا دعوا فيه لاتخاذ إجراء ضد الانتهاكات الإسرائيلية. وقال الخبراء: «الدول عليها واجب بعدم الاعتراف أو تقديم المساعدة أو العون لدولة أخرى ترتكب أي شكل من أشكال النشاط غير القانوني، مثل الضم أو إقامة مستوطنات مدنية في أراض محتلة»وأضافوا «الدروس المستفادة من الماضي واضحة: الانتقاد بدون عواقب، لن يمنع الضم أو ينهي الاحتلال»

درجات مختلفة من القمع

وقال هاجاي إلعاد، المدير التنفيذي لـ«جماعة بيتسليم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان: في حين يقول كثيرون في المجتمع الدولي علنًا أن خطط الضم الإسرائيلية تستحق أن تكون لها عواقب، فإن هذا الخط من التفكير يتعين أن ينطبق على الموقف الحالي أيضًا. 

وأضاف لموقع «ميدل إيست آي»: «أريد أن أصدق بأنه حتى لو لم يمضِ الضم قدما بحكم القانون، فإن هذا المبدأ لن يعاد طرحه ثانية، وأن الجميع سوف يتمسكون بهذا الفهم»

وتابع إلعاد: إن إسرائيل لديها سيطرة بحكم الأمر الواقع على الأراضي الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن، سواء بدأ الضم الرسمي أم لا. نحن نعيش في واقع دولة واحدة. وفي واقع الدولة الواحدة هذا، هناك قوة واحدة، هي: حكومة دولة إسرائيل التي تسيطر على كل شخص وكل شيء بين البحر والنهر. هذا الواقع غير ديمقراطي؛ لأنه يجرد ملايين الأشخاص من حقوقهم السياسية، وكلهم من الفلسطينيين. 

وتابع إلعاد أنه على الرغم من هذا الموقف «الوحشي» الذي «يضم جوانب من الفصل العنصري»، فإن إسرائيل تسعى للترويج لنفسها على أنها ديمقراطية تدير شؤونها بسلاسة، وتنتظر اتفاق الوضع النهائي في الضفة الغربية والقدس الشرقية. 

وإضافة إلى احتلالها العسكري، بدأت إسرائيل في بناء مستوطنات في الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها في حرب عام 1967. وانتهجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ذات التوجهات الإيديولوجية المختلفة سياسة لمواصلة بناء المستوطنات بالانتهاك الواضح للقانون الدولي. 

Embed from Getty Images

وتنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه «لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها». لكن اليوم، يعيش نحو 600 ألف إسرائيلي في الضفة الغربية ويتمتعون بالحقوق السياسية والقانونية الكاملة مثل الإسرائيليين الذين يعيشون داخل الحدود المعترف بها دوليًا لدولة إسرائيل. وقال إلعاد «إذا كنتَ يهوديًا، فلا يهم أين تعيش بين النهر والبحر. فالدولة تهتم بكل شيء… وستمنحك نصيبك من الامتيازات التي تكفلها».     

ولاحظ أنه بالنسبة للفلسطينيين «هناك ظلال مختلفة من القمع» اعتمادًا على المكان الذي يعيشون فيه. يمكن أن يكونوا محاصرين في غزة، أو تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، أو يحصلون على وضع الإقامة في القدس الشرقية أو يعيشون كمواطنين يواجهون التمييز في إسرائيل ما قبل 1967. 

ويؤكد إلعاد على أن هذه الحقائق موجودة، وتحتاج إلى معالجتها سواء أعلنت الحكومة الإسرائيلية الضم أم لم تفعل. محذرًا من أن الضم سيزيد صعوبة «الاستمرار في التعلق بالتوهم» بأن الاحتلال مؤقت. 

دولة «فصل عنصري» واحدة

وفيما يتجاوز تداعيات القانون الدولي وإمكانية تنفيذ حل الدولتين، يشعر المدافعون عن حقوق الفلسطينيين بالقلق من أن الضم سيوفر المزيد من السبل القانونية لإسرائيل لمصادرة الأراضي الفلسطينية وزيادة هدم المنازل ويشجع عنف المستوطنين في الضفة الغربية. 

حول هذا الأمر، تقول بث ميلر، مديرة الشؤون الحكومية في جماعة JVP Action المرتبطة بمنظمة الصوت اليهودي من أجل السلام: «بينما يعتبر الضم مجرد إضفاء طابع رسمي قانوني وصوري على نظام قائم بالفعل، لا يجب أن نتجاهل حقيقة أنه سيؤدي أيضًا إلى تفاقم فوري للضرر الواقع على الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية».   

وأضافت أنه سيرسخ واقع «الفصل العنصري» مع «نظام حكم واضح للغاية يمنح فيه الناس المزيد أو القليل من الحقوق استنادًا إلى عرقهم أو جنسيتهم»

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
مترجم: ما خطة منظمة التحرير الفلسطينية لمواجهة ضم الضفة الغربية؟

وهذا «الفصل العنصري» هو ما ينبعث تدريجيًا من رماد حل الدولتين، وليست الدولة الواحدة التي تشمل جنسيتين تتمتعان بحقوق متساوية، على نحو ما ينادي به بعض المدافعين عن حقوق الفلسطينيين. وقال المحلل الفلسطيني – الأمريكي عمر بدر: ليس هناك ما يستحق الاحتفال به في ظل الفرض المتضائلة لإقامة دولة فلسطينية قادرة على البقاء مع الضم. 

وقال بدر لـ«ميدل إيست آي»: «إن رؤية إسرائيل الدائمة القائمة على الفصل العنصري، الذي تحركها سياسة التطهير العرقي التدريجي لحصر الفلسطينيين في مناطق صغيرة منعزلة، تستمر في التنفيذ والترسيخ على الأرض بغض النظر عما إذا كان الفلسطينيون يطالبون بحقوق متساوية في دولة واحدة أو الاستقلال بدولة فلسطينية منفصلة»

وأضاف «إن مدى التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني يعوق بالفعل إمكانية الحرية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، ولكن إمكانية منح الحرية للفلسطينيين في كل فلسطين التاريخية» لا تقل صعوبة. 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد