يختتم لواء الاحتياط يتزاك بريك الذي تقاعد هذا الأسبوع عقدًا شغل فيه منصب محقق الشكاوى بالجيش الإسرائيلي، وأصدر فيه تقارير مثيرة للخلاف عن جاهزية الجيش الإسرائيلي للحرب. وفي تقريرٍ للمحلل عاموس هاريل في صحيفةٍ «هآرتس»، تحدث بريك عن انخفاض المعنويات داخل الجيش، ومسألة جاهزية قوات المشاة، وما وصفه بـ«أسوأ كارثة في الموارد البشرية منذ 1965».

أوضح بريك في المقابلة أنَّه يرى أنَّ الجيش الإسرائيلي يعاني فشلًا في ثقافته القيادية والتنظيمية يضاهي محنة سفينة التايتانيك، إذ كان صناع السفينة يرفضون الاستماع إلى النصائح والتحذيرات، ويصممون على رفض فكرة وجود أي عيوب، حتى غرقت السفينة.
ويضيف بريك، مستخدمًا مجازًا آخر: «هذا هو الداء القاسي الذي يؤدي إلى الفشل المتكرر. وما دمنا لم نعالجه، سنستمر في التدهور»، مضيفًا أنَّ السبب الأساسي وراء الفشل المتكرر، من حرب لبنان الثانية إلى الحرب على غزة عام 2014، هو سببٌ ثقافي.

ما وراء أسطورة «الجيش الذي لا يهزم» فساد ومخدرات وتحرش في الجيش الإسرائيلي

ويتابع اللواء: «حين تنظر إلى الأمر من زاويةٍ اقتصادية، تجد أنَّ الجيش الإسرائيلي هو أكبر شركة في إسرائيل. إذ تبلغ ميزانيته 31 مليار شيكل (8.5 مليار دولار) في العام، وبه مئات الآلاف من الأشخاص، بمن في ذلك جنود الاحتياط. وفي ذلك الإطار، تُنفَق المليارات على البنية التحتية والتسليح. هذا الاقتصاد بأكمله يحتاج إلى أن يُدار، لكن لا إدارة في الجيش؛ الإدارة تتعرض إلى التجاهل».

يشير هاريل إلى أنَّ بريك قضى 53 عامًا في العمل العسكري، تخلَّلتها فواصل قصيرة، خدم خلالها في عددٍ من المناصب بالجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع. وقدَّم فيها تقييماتٍ قاسية لحالة الجيش، لكنَّه لم يكن يخشى ردود الأفعال.
ويضيف أنَّه في حرب أكتوبر (تشرين الأول)، التجربة التي شكَّلت معتقدات بريك حتى اليوم، تعرَّض اللواء إلى إصابةٍ خطرة وهو قائد فرقة من جنود الاحتياط في سيناء. وظل ينتقل من دبابة إلى أخرى 7 مرات، بعد أن دُمِّرَت كلها في أثناء المعركة، وعند نهاية الحرب مُنح ميدالية الشجاعة، وهي ثاني أعلى أوسمة الشجاعة في الجيش الإسرائيلي.

لكنَّ اسمه لم يظهر في عناوين الصحف الرئيسية بقدر ما ظهر في الشهور السبعة الأخيرة. فعلى مدى سنواتٍ، في تقاريره بصفته محقق شكاوى، انتقد بريك بحدَّةٍ مشكلات الجيش المتفاقمة بشأن تعامله مع جنوده. وساعد بذلك في إصلاح قائمةٍ طويلة من العيوب التي اكتشفها بناءً على شكاوى الجنود.
وحين سلَّم آخر تقريرٍ سنوي له في شهر يونيو (حزيران)، زاد من حدَّة انتقاده. وبحسب هاريل، بعدما أشار إلى المشكلات التي تعاني منها ثقافة الجيش الإسرائيلي التنظيمية، حذَّر من آثار أوجه القصور تلك على جاهزية الوحدات للحرب في قطاع غزة، وعلى الجبهة الشمالية تحديدًا.

ويضيف هاريل أنَّ سلسلة التقارير والخطابات التي قدَّمها بريك إلى مجلس الأمن الإسرائيلي، وإلى لجنة الدفاع والشؤون الخارجية بالكنيست، تسببت في إحراج كبار المسؤولين. ووصل الأمر إلى درجة أنَّ تصريحاته قد ألقت بظلالها على الجولات الإعلامية التي يُجريها جادي أيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، قبل تقاعده.

وفقًا للمقابلة، يحظى أيزنكوت كرئيس أركان بالإعجاب والإشادة، ويتمتع بتوافقٍ إعلامي واسع ونادر بشأن طريقة تأديته عمله، مع أنَّ اليمين الإسرائيلي المتطرف أقل حماسًا تجاهه. لكن يرى هاريل أنَّ بريك قد دشَّن أول نقاشٍ حقيقي عن وضع الجيش، وتحديدًا بشأن قوات المشاة وجنود الاحتياط. وقد مضى وقتٌ طويل قبل أن تبدأ شكوكه في الانتشار.

وقد بذل متحدثون رسميون ومستشارون، وحتى بعض الصحافيين لسببٍ ما، جهودًا جادة في الأسابيع الأخيرة لإسكات بريك وتقويض توصياته. لكنَّ النقاش العام بشأن تلك المسائل في ازدياد. وقد قاد عِناد بريك بحسب هاريل إلى تعيين لجنتين عسكريتين تَفقَّدَتا جاهزية الجيش الإسرائيلي، ورفضتا زعم بريك الأساسي، لكنَّهما اعترفتا بقائمةٍ طويلة من الأخطاء والثغرات.

ويُضيف هاريل أنَّه حتى رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو دعا بريك إلى اجتماع، كجزءٍ من دوره الإضافي الجديد بصفته وزيرًا للدفاع، وطلب المشورة من عددٍ من الأشخاص بشأن كيفية الاستجابة إلى مزاعم بريك. كان منهم عددٌ من المسؤولين البارزين في قوات الاحتياط، ألا وهُم لِوائا الاحتياط، ياكوف أميدرور ويوهانان لوكر، وعميد الاحتياط جاكوب ناجيل. ويبدو أنَّ نتانياهو يفكر في تعيين لجنة أخرى لبحث المسألة، وهو الأمر الذي يُعدُّ محبِطًا جدًّا بالنسبة إلى الجيش. ويشير المحلل إلى أنَّ الشهور الأخيرة شهدت مبارزةً بين أيزنكوت وبريك؛ فقد اعترض أيزنكوت تحديدًا على حكم بريك العام بشأن جاهزية الجيش.

ويرى هاريل أنَّه يجب أن تُسمع مزاعم بريك بشأن إدارة الجيش الإسرائيلي، وكارثة الموارد البشرية (التي ما زال عدد من ضباط هيئة الأركان يُصرُّون على رفضها)، والثغرات التي خلَّفتها «خطة جدعون» متعددة السنوات. وحتى لو لم يُبرَّر منها سوى القليل، فإنَّ هذه القضايا سوف تؤثِّر على الفترة التي سيشغل فيها رئيس الأركان القادم أفيف كوخافي منصبه.

ثم يتحدث المحلل عن مشكلةٍ بنيوية في الجيش الإسرائيلي يشير إليها بريك، وهي أنَّ رئيس الأركان يعد من الناحية العملية قائد قوات المشاة أيضًا. فبعكس القوات الجوية والبحرية، لا توجد علاقة بين السلطة والمسؤولية في قوات المشاة، ورئيس قيادة قوات المشاة مسؤول عن تدريب هذه القوات وبنائها، لكنَّ القادة الإقليميين مسؤولون عن القيادة على مستوى العمليات، أي أنَّهم يعملون تحت قيادة رئيس الأركان. هذا بينما يمتلك قادة القوات الجوية والبحرية المسؤولية والسلطة ليستطيعوا تأدية عملهم بكفاءةٍ أكبر. وصحيحٌ أنَّ قائد قوات المشاة هو رئيس الأركان، لكنَّه مشغول جدًّا بالعديد من الأشياء الأخرى، لذا فإنَّ معظم سلطاته تُنقََل إلى نائبه.

ويوضح بريك: «تكمُن الصعوبة في أنَّ معظم نواب رؤساء الأركان يشغلون مناصبهم فتراتٍ قصيرة نسبيًا، وهم يقضون معظم تلك الفترات منشغلين بالتحضير لوظيفة رئيس الأركان، والحوار مع القيادة السياسية، ووضع الاستراتيجيات. إنَّهم أناس رائعون، لكنَّهم لا يملكون وقتًا كافيًا. إنَّه نظام ضخم يتطلب مستوًى مرتفعًا من القدرة الإدارية».

ويضيف: «وحين يبدأ نائب رئيس الأركان في فهم الأمور، تكون فترته قد أوشكت على الانتهاء. لذا لا يوجد أحد لإدارة الجيش يوميًّا، ولا أحد يستطيع تنسيق تحضير الجيش للحرب، وهو ما يتطلب إدماج جهود هيئة الأركان وقوات المشاة والقادة الإقليميين».

وأشار بريك في المقابلة إلى توسُّع عدد الأوامر بالجيش، وأنَّها صارت تُرسَل بطرقٍ مختلفة عن الماضي، عبر البريد الإلكتروني وتطبيق واتساب بدلًا من اللاسلكي. وغالبًا لم يُطوِّر الجيش الإسرائيلي نظامًا فعالًا لمتابعة تنفيذ تلك الأوامر. ويقول عن أزمة المتابعة تلك: «منذ عامين، أُجري تحقيقٌ داخلي لمعرفة النسبة التي نفذتها قوات المشاة من أوامر رئيس الأركان ونائبه، وكانت النتيجة 15%».

ويضيف: «ثقافة عدم تنفيذ الأوامر طرأت على الجيش الإسرائيلي. يرسل كل ضابط مئات رسائل البريد الإلكتروني ورسائل واتساب كل يوم، لكن لا توجد آلية للمراقبة والمتابعة لكي تضمن تنفيذ الأوامر. قال لي الضباط كثيرًا: لا نستطيع مجاراة ذلك السيل. نحن ببساطة نحذف قدرًا كبيرًا من الرسائل الإلكترونية دون تنفيذها، ولا يعرف أحدٌ ذلك».

ويسترسل بريك قائلًا: «بهذه الطريقة، حين تكون قائدًا في ساحة الحرب، لن تقتنع بأنَّهم سينفِّذون أوامرك. والصاروخ المضاد للدبابات الذي أصاب حافلةً عسكرية قرب قطاع غزة في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) مثال جيد. كانت هناك أوامر من القائد الإقليمي والإدارة، لكنَّها لم تُطبَّق. هذه فوضى تامة».

الخوف من عرض المشكلات

يشرح هاريل أنَّه في فترة أيزنكوت، تمكَّن الجيش أخيرًا من إطلاق «خطة جدعون» التي ستستغرق سنوات. ففي فترة سلفه، بيني جانتز، أُجِّلت خطتان مشابهتان بسبب خلافات بشأن الميزانية. وخلال فترتي جانتز وأيزنكوت، خُفِّض عدد الدبابات وسُرِّحَ نحو خمسة آلاف جندي من الجيش.
ويوضح أنَّه في الوقت ذاته، نُقلت مراكز في قسمَي الخدمات اللوجستية والذخائر، أغلبها في المخازن والقواعد حيث تُجرَى صيانة عتاد قوات الاحتياط، إلى القوات الجوية والمخابرات والفرع السيبراني.

تُصرُّ هيئة الأركان على أنَّ تلك الخطوات قد حسَّنت جاهزية الجيش للحرب، لكنَّ بريك توصَّل إلى استنتاجٍ معاكس. فوفقًا لهاريل، يرى بريك أنَّ الاقتطاعات في ميزانية مخازن الطوارئ تجعلها الحلقة الأضعف التي ستعرقل قوات المشاة في أثناء الحرب.

وانتقد بريك أيضًا اتفاق الجيش الإسرائيلي مع وزارة المالية على خصم أربعة شهور من فترة الخدمة العسكرية الإجبارية للرجال، وهو قرارٌ يُبرِّره أيزنكوت بأثرٍ رجعي، ويدعم خصم شهرين إضافيين، وهو اقتراحٌ سينظر في أمره مجلس الأمن هذا العام. لكنَّ كوخافي يعارض الخصم الإضافي؛ إذ أنَّ تقليل عدد العاملين بالجيش، والانخفاض الشديد في عدد الجنود المجنَّدين بسبب قِصَر فترة الخدمة الإجبارية، قد سبَّبا ارتباكًا في المعادلة بين نطاق المهمات وبين عدد الموجودين لتنفيذها.

ويقول بريك عن تلك المشكلة: «يعاني الجيش الإسرائيلي انعدام الشفافية، والخوف من عرض المشكلات. لا تعلم القيادة العليا ما يحدث في الوحدات. والاقتطاعات في وظائف العاملين بالجيش وتقصير فترة الخدمة الإجبارية، دون تخفيض عدد المهمات تخفيضًا متناسبًا مع ذلك، قد خلقت ضحالةً وسطحيةً وانعدامًا لقدرة تنفيذ الأمور».

ويضيف: «حين يشكو قائد شاب، يقول له قادته: تَصرَّف بالمتاح لديك. ولو شكا مرَّةً ثانيةً، سيبدو كطفلٍ شكَّاء، لهذا يفضِّل الناس ألا يذكروا المشكلات مجددًا. يتعلم الجميع أن يغلقوا أفواههم. ويتحدث ضباط الصف عن أنَّهم يبلغون عن إتمام المهمات، بغض النظر عما يتمُّ حقًّا».

وحين سُئل بريك عن عملية التوريد الأساسية لملء المخازن بعد استخدام الجيش الأسلحة والذخيرة استخدامًا مكثفًا في الحرب على غزة عام 2014، قال: «في عروض الجيش الإسرائيلي التقديمية للوزراء وأعضاء الكنيست، يظهر أنَّ هناك عددًا كافيًا من قطع الغيار والأسلحة والذخيرة والتدريبات. لكن لا علاقة بين العروض التقديمية الجميلة وبين ما يحدث حقًّا على الأرض».

وعمليًّا، لا تُصان أنظمة التسليح المتعددة صيانةً مناسبة. ويتابع بريك: «يظنون أنَّهم قد حلُّوا المشكلة لأنهم أنفقوا المزيد من المال».

«ذي إنترسبت»: دراسة: الصحف الأمريكية تتحيز دائمًا لإسرائيل ضد فلسطين

ويضيف بريك بحسب المقابلة: «يعتمد الجيش الإسرائيلي على معايير واهية. فجزءٌ ضخم من الوحدات ليس لديها روتين يومي إجباري. وفي أماكن عديدة، كل قائد يفعل ما يفهمه، بلا مراقبة. ووفقًا لانطباعاتي، المبنية على آلاف الزيارات إلى كل وحدات الجيش الإسرائيلي على مدار العِقد السابق، فقد قضى قادة الفِرق أقل من نصف وقتهم في إرشاد مرؤوسيهم والإشراف عليهم».

ويسترسل بريك قائلًا: «يضيع قدرٌ ضخم من الوقت على الاجتماعات والمراسم. ومنذ عام، ذهبتُ في جولة إلى المخافر في القيادة الشمالية والجولان والحدود اللبنانية. خلال تلك الزيارات، كنتُ نادرًا ما أجد قادة الفِرق هناك. كل قائد فرقة يريد أن يأتي المزيد من الضباط الشباب إلى كل الاجتماعات معه، وهذا ما يحدث. ويقول لي قادة فرق الجيوش العاملة إنَّ قائد الكتيبة لا يؤثر في الكتيبة إطلاقًا. لذا، ما الذي قد يجعلني أريد أن أبقى عاملًا بالجيش وأصير قائد كتيبة؟».

ويتفق بريك مع ضابط احتياط بارز تحدَّث مع صحيفة «هآرتس» الشهر الماضي، إذ يلاحظ انخفاضًا مستمرًّا في المعرفة الاحترافية لدى بعض وحدات الاحتياط في قوات المشاة، وهذا ناتج عن العدد المحدود لأيام التدريب في العام. إذ أنَّ الجيش قد منح الأولوية لكتائب معينة، ويدربها أكثر، لكنَّ وحدات أخرى تعاني من التجاهل. وفي الوقت ذاته، تتغير المعايير.

ويقول بريك، مشيرًا إلى حرب أكتوبر: «في تدريب جنود الاحتياط بقاعدة تزيليم في صحراء النقب، لا ينظف الجنود أسلحتهم، بل يُعيِّن الجيش الإسرائيلي شركة خاصة لفعل ذلك. ولا يعرف جنود الاحتياط كيفية إصلاح السلاح والاعتناء به، ولا يعرفون كيفية ضبط مجال الرؤية في الدبابات». ويضيف: «لو تصرَّفنا، نحن الجنود، بهذه الطريقة وقتَ الحرب، لما نجونا. إنَّ القادة يعيدون اختراع العجلة كل مرة. والدروس التي بذلنا دماءنا لنتعلمها في الحروب بدأت تُنسى. ولا توجد ذاكرة تنظيمية حقيقية. بين الفينة والأخرى يغيِّرون شيئًا ما، ويدور كل شيء حول محوره بلا ثبات».

يشير هاريل إلى أنَّ الذكريات المريرة من حرب 1973، وربما ماضي بريك بصفته قائدًا في كل مستويات القوات المسلحة، قد زرعت فيه روح التشكك بشأن التوجه السائد في الجيش الإسرائيلي، الذي تراجعت فيه أهمية الدبابات، وأصبح من الأفضل الاستثمار في أشياء مثل الذخائر الدقيقة ووحدات القوات الخاصة مع عدم وجود عدوٍ ذي جيش تقليدي.

وحذَّر بريك في المقابلة من أنَّ الجيش الإسرائيلي يخاطر مخاطراتٍ مفرطة، قائلًا: «بنى رؤساء الأركان مؤخرًا جيشًا بارعًا وصغيرًا للسنوات العشرين أو الثلاثين القادمة. لكنَّ المشكلة أنهم لم يضعوا في اعتبارهم أنَّ التهديد المتوقع قد يتغير ثانيةً بسبب التغيرات المستمرة في الشرق الأوسط». وبحسب هاريل، يبدو بريك بتحذيره هذا أثرًا من زمنٍ مختلف.

ويضيف بريك: «لقد بنى الجيش نفسه لأجل حربٍ على جبهتين: غزة ولبنان. لكن ماذا سيحدث لو تجدد الجيش السوري بعدما فاجأ نظام الأسد الجميع وانتصر في الحرب الأهلية؟ من الممكن بعد عامين أن نجد الدبابات السورية تواجهنا مجددًا على حدود الجولان».

ويكمل قائلًا: «الاستجابة للصواريخ الآتية من حزب الله ولبنان لا يمكن أن تعتمد فقط على القوات الجوية والمدفعية. ففي النهاية، سنحتاج أيضًا إلى مناورات من قوات المشاة».

يؤمن بريك بحسب المقابلة بأنَّ الجيش عليه أن يضع في اعتباره الاستعدادات اللازمة لسيناريو أكثر تطرفًا تشتعل فيه كل الجبهات، بما في ذلك قيام انتفاضة كالانتفاضة الثانية في الضفة الغربية. لكنَّه يحتفظ بأقسى كلماته لانتقاد وضع الموارد البشرية في الجيش الإسرائيلي. وهو بذلك يتناول مشكلةً أوسع، غطتها صحيفة «هآرتس» في السنين الأخيرة، ألا وهي انخفاض الدافع للخدمة في الوحدات الحربية، والانخفاض في رغبة الضباط الشُبَّان للالتحاق بوظائف الجيش، ونقص عدد الضباط في وظائف الدعم الحربية (كالخدمات اللوجستية والذخائر)، والانخفاض في الالتزام من جانب الكثير من جنود الاحتياط.

ويقول بريك: «هذه أسوأ كارثة رأيتها منذ التحقتُ بالخدمة العسكرية الإجبارية عام 1965. تعرض مديرية الموارد البشرية عروضًا تقديمية، وتقول إنَّه في المتوسط بين الوحدات، الوضع جيد. إنَّهم يذكِّرونني بنكتة عن رجل غرق في حوض سباحة متوسط عمقه 40 سم. إنَّ الجيش الإسرائيلي يملك قادة كتائب وقادة فيالق جيدين، لكن من بين قادة الفرق والضباط في وظائف الدعم الحربية، يهرب الكثيرون لأنَّهم لا يريدون البقاء في الجيش الذي يرونه متواضع المستوى».

ويضيف اللواء: «يوجد مزيجٌ من العوامل هنا، وهو مرتبط بالنموذج الجديد لنظام العمل بالجيش، الذي من خلاله يعرف ضباطٌ قليلون فقط أنَّه من المؤكد أنَّهم سينالون ترقياتٍ ويستمرون في الخدمة حتى يتقاعدون. إضافةً إلى ذلك، لو كان من الضروري أن تتنازل عن تنفيذ المهمات لعدم وجود موارد أو أناس كافيين، ولا تريد أن تعترف بذلك لأنَّك لا تريد الإضرار بصورة الجيش، فهناك ضباط يقولون: أُفضِّل الرحيل بدلًا من أن يُخرسوني حين أقول ما يحدث حقًّا».

ويتابع قائلًا لهاريل: «أسمع هذه الأشياء طوال الوقت في اجتماعاتٍ مع الضباط الشُبَّان. يواجه الجيش مشكلة خطيرة في رُتبتي النقيب والرائد، إذ يرغب الضباط الأكفاء في الرحيل. وبعد عامٍ أو اثنين، قد نصل إلى نقطة اللا عودة».

ومن بين كل المشكلات، من الواضح أنَّ هذا هو أشد ما يُقلقه؛ إذ يقول: «هذا البلد يعيش على سفينة التايتانيك». قالها رافعًا صوته، وهو ما جعله للحظةٍ يبدو كنذير الشؤم، كما يصفه معارضوه خلف ظهره. ويكمل بريك قائلًا: «الجميع سعداء في المطاعم والمقاهي. إنَّهم لا يريدون سماع أخبار سيئة عن وضع الجيش. إنَّ الجيش يحكي قصصًا وقد ناموا وهُم يستمعون إليها».

ويوضح هاريل أنَّه حين سُئل بريك عن سبب الرفض الذي تلقَّته تحذيراته بشأن جاهزية الجيش للحرب من لجنتين عسكريتين ولجنة فرعية بالكنيست معنية بجاهزية الجيش، قال: «لجنة الدفاع والشؤون الخارجية ليست لديها سلطة. إنَّها تعتمد أكثر مما ينبغي على تقارير الجيش. وتوجد أيضًا مشكلة سياسية؛ إذ أنَّ الناس يستعدون للانتخابات، ولا يريد قادة الأحزاب أن يعبثوا بالثوابت».

وفي الشهور الأخيرة، التقى عددٌ من الوزراء ببريك على حدةٍ وبناءً على طلبهم. لكن وفقًا لهاريل لم يقل أحدٌ أي شيءٍ صريح عن وجود خلافاتٍ بين الجيش ومحقق الشكاوى.

«هآرتس» تكشف النقاب عن شركة هجماتٍ إلكترونية إسرائيليةٍ شديدة السرية

ويقول هاريل إنَّه حتى وزير الدفاع السابق أفيجدور ليبرمان، الذي استمع بصبرٍ إلى بريك، كان قلقًا من الوقوف بجانبه. حتى أنَّه منذ شهور قليلة، في قمة الخلاف بين بريك وأيزنكوت، أعلن ليبرمان أنَّ جاهزية الجيش الإسرائيلي وصلت إلى أفضل مستوى لها منذ عام 1967. لكن في حواراتٍ مع ضباط بارزين متقاعدين، بدا ليبرمان أكثر تشككًا إلى درجةٍ كبيرة.

وفي حفل الوداع الذي أُقيم حين تقاعد بريك هذا الأسبوع، بدا أكثر دعمًا لأيزنكوت بعدما انقطعت العلاقات بينهما العام الماضي. وأثنى إيال زمير نائب رئيس الأركان الجديد وممثل الجيش الإسرائيلي في الحفل على بريك.

لقد كان هذا الحفل حفل وداع وليس حفلًا لتغيير القيادة. وبحسب هاريل، لا أحدٌ في مؤسسة الدفاع متعجل لإيجاد بديل لبريك. ربما يريدون فقط أن يستمتعوا بالهدوء وقتًا أطول، قبل أن يستطيعوا إيجاد مرشحٍ لن يزعجهم إلى هذا الحد.

صوتٌ مشابه

بينما تَجَادَل بريك على الملأ مع أبرز الضباط، عقد في الوقت ذاته سلسلةً طويلة من الاجتماعات قال فيها ضباط بارزون أشياءً مختلفةً نوعًا ما. ويشير هاريل إلى اقتباسٍ من اجتماع عقده بريك في سبتمبر (أيلول) مع ضابط بارز جدًّا تقاعد مؤخرًا، قال فيه الضابط: «توجد مشكلة وعي. الرُتب البارزة لا تعتمد على قوات المشاة. والرسالة الموجهة إلى القادة الشباب، والتي لا تُقال بصوتٍ عالٍ، هي أنَّه من الممكن إنهاء حرب بجهاز مخابرات جيد وقوات جوية جيدة. يؤثِّر هذا على روح القادة. هذا هو سبب الخوف من إرسال قوات مشاة إلى مناطق العدو. حين يحدث هذا، في حرب واسعة النطاق، سوف يكون أمرًا مفزعًا بالنسبة للشعب. ستكون حرب أكتوبر مجرد نزهة مقارنةً بما سيحدث».

5 قوانين خطيرة تريد بها إسرائيل كسر إرادة الأسرى الفلسطينيين في 2019

وأضاف: «بعد حرب لبنان الثانية وعملية «الجرف الصامد» (الحرب على غزة عام 2014)، لم يُجرِ الجيش الإسرائيلي تحقيقاتٍ متعمقة، ولم يتوصل إلى نتائج. وكانت هذه هي الرسالة الضمنية: إنَّ الجيش الإسرائيلي هو القوات الجوية. هذا مبدأ كارثي. ونتيجة لذلك، تنهار عزيمة القيادة الشابة».

واختتم الضابط البارز كلامه بقوله: «هذا هو أدنى معايير قوات المشاة، بلا طموح في التميز أو الانضباط. القوات الجوية وحدها لا تستطيع إيقاف إطلاق الصواريخ علينا. في عملية «الجرف الصامد»، أطلقت القوات الجوية مئات الذخائر الدقيقة دون أن تحقق الكثير. ولهذا استُخدِمَ كل شيء لتخفيف الشعور بالإحباط».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s